كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 80

التاريخ : 2026-08-04 15:43:19

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

محظورات الإحرام:

قال المصنف رحمه الله: (باب محظورات الإحرام).

محظورات: جمع محظور، وهو من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني: الممنوعات التي سببها التلبس بالإحرام الدخول في النسك.

قال: (وهي تسعة).

وهذا دليله الاستقراء والتتبع للأدلة في الكتاب والسنة.

أحدها: الجماع وبدأ به قبل غيره من محظورات الإحرام لأنه أعظمها من جهة الإثم، ومن جهة ما يترتب عليه من الآثار، واستُدل له لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ[البقرة: 197] وهذا وجه آخر من أسباب البداءة بذكر الجماع، أن الله ذكره في أول ما يُمنع في النسك حيث قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ[البقرة: 197] أي: لبّى فيهن بالحج ﴿فَلا رَفَثَ [البقرة: 197] .

والرفث قال ابن عباس: هو الجماع، وهذا أحد معانيه، وأقرب ما يقال في تعريف الرفث: إنه الجماع ومقدماته، ثم بعد ذلك ذكر ما يلحق به.

فقال: (وتحرم المباشرة فيما دون الفرج لشهوة).

لأنه محرم للوطء، فأيضاً مما يحرم: المباشرة، والمباشرة أصلها مأخوذ من إلصاق البشرة بالبشرة، والمقصود به المباشرة على وجه اللذة والشهوة، وأما المباشرة التي ليس فيها ذلك، هذه ليست مباشرة كالمصافحة والإمساك الذي ليس فيه داعي الشهوة أو حضور الشهوة.

قال: (وتحرم فيما دون الفرج لشهوة، لأنه محرم للوطء).

يعني أنه وسيلة إليه، هذا معنى قوله: محرم للوطء، فحرم المباشرة لشهوة كالصيام، أي كما هو في الصيام، فيدع الجماع وما يفضي إليه، لكن يختلف الحكم فيما يترتب على الأمرين؛ فالجماع له من الآثار ما ليس للمباشرة، وإنما ذكر المباشرة بناءً على أن المباشرة تابعة، أو أن المباشرة مما تلتحق بالجماع.

وقوله رحمه الله: (ويحرم عليه النظر لشهوة لأنه نوع استمتاع فأشبه المباشرة).

كل هذا مما يتعلق بالرفث الذي ذكره الله تعالى في قوله جل وعلا: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ[البقرة: 197] وتعريف الرفث بالجماع هو قول أكثر أهل العلم، أي: قصر الرفث في الآية على الجماع هو قول أكثر أهل العلم.

وقيل: الرفث الجماع مقدماته ودواعيه، ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله بعدما ذكر الجماع، ذكر ما يكون مقدمة له وما يكون داعياً إليه.

قوله رحمه الله: (الثاني: عقد النكاح).

هذا ثاني المحظورات، وذكره بعد الجماع لقربه منه؛ لأن النكاح وسيلة إليه، فرتب ذكر المحظور الثاني بذكر أقرب ما يتصل بما قبله، والأصل في عقد النكاح الحديث الذي ذكره وهو في الصحيح: «لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ»صحيح مسلم(1409) فحديث عثمان رضي الله تعالى عنه أصل في تحريم عقد النكاح.

وقوله: «لا يَنْكِحُ المحرم» يشمل ما إذا عقد النكاح لنفسه أو لغيره، وكذلك لا يجوز عقده لمحرم ولا على محرمة، فسواء كان العاقد لنفسه بأن كان محرماً، أو لغيره بأن كان ولياً وهو محرم، أو كان هو حلالاً لكنه عقده لمحرم أو محرمة؛ فكل هذه الصور الثلاثة داخلة في النهي:

 1. أن يعقده لنفسه وهو محرم.

 2. أن يعقده لغيره وهو محرم.

 3. أن يعقده لمحرم أو محرمة ولو كان العاقد حلالاً؛ لأنه لا يجوز إنكاح المحرم ولا نكاحه.

قال: (ولأن الإحرام يحرم الطيب، فحرم النكاح كالعدة).

هذا التعليل للحكم، والحقيقة أنه يكفي في إثبات الحكم النص؛ لأن التعليل هذا مبني على القياس، والطيب يختلف عما يتعلق بالنكاح، لكن وجهه قالوا: لأنه وسيلة إلى الجماع، فكما أن الطيب وسيلة إلى الجماع وحرم لأجل هذا، فكذلك عقد النكاح.

قال: (وإن فعل).

أي: إن فعل المحرم بأن أنكح أو نكح وهو محرم، فالنكاح باطل؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وبهذا قال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة.

وقوله رحمه الله: (ولا بأس بالرجعة).

هذا إشارة إلى مفارقة الرجعة لعقد النكاح والإنكاح؛ لأن الرجعة قال: لأنها إمساك للزوجة فهي استمرار واستدامة للنكاح وليست ابتداءً، فلذلك لم تدخل في النهي بدليل قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ[البقرة: 231]، والإمساك استبقاء واستدامة وليست ابتداءً، ولأنها تجوز بغير ولي ولا شهود ولا إذنها، فلم تحرم كإمساكها بترك الطلاق، هذا وجه مفارقة الرجعة للنكاح والإنكاح والخطبة، فلا تدخل فيما تقدم من كون عقد النكاح من محظورات الإحرام.

قال: (وعنه).

أي: عن الإمام أحمد رواية: لا يحل، لأنه عقد لإباحة البضع أشبه النكاح، وهذه الرواية لا تستند إلى دليل، لذلك الصواب هو ما تقدم في الرواية السابقة وهي المذهب.

قال: (ويجوز أن يشهد في النكاح).

لأن العقد الإيجاب والقبول، وليس للشاهد فيهما شيء، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله مما يتعلق بالإشهاد، وهو وسيلة من الوسائل التي يتحقق بها النكاح فلا يمنع؛ لأنه لا يدخل لا في الإنكاح ولا في النكاح، إنما هو أمر زائد على عقد النكاح والإنكاح، فلذلك يجوز الشهادة على النكاح ولا يدخل فيما جاء به النهي.

ثم قال رحمه الله: (وتكره الخطبة للمحرم، وخطبة المحرمة للخبر تكره).

أي: إن خطبة المحرم لنفسه أو لغيره، وخطبة المحرمة وهي طلب النكاح مما يكره للمحرم، وظاهر النهي أن المحرم لا يجوز له طلب النكاح لا تعريضاً ولا تصريحاً، وكذلك المحرمة لا تُقبل الخطبة لا تعريضاً ولا تصريحاً، والمؤلف رحمه الله ذكر الكراهة مع أن السياق واحد والصيغة واحدة، فالصيغة متحدة في النهي: «لا يَنْكِحُ وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ» صحيح مسلم(1409)، ولذلك ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الخطبة كالنكاح لا تجوز، والأصل في النهي حمله على التحريم إلا لدليل، ويتقوى هذا بدلالة الاقتران، وإن كانت دلالة الاقتران ضعيفة، لكن ليس ثمة ما يحمل على التفريق بين الخطبة والنكاح، وهما في سياق واحد وبصيغة واحدة.

وما ذكره المؤلف من الكراهة يفيد أنه مما يرغب عنه ويترك، لكنه ليس مما يحرم أو يثبت به وزر، ولعلهم فارقوا بين عقد النكاح والخطبة أن عقد النكاح يترتب عليه أثر، وهو ثبوت عقد الزوجية، وأما الخطبة فلا يترتب عليها شيء، إذ إن المرأة لا زالت أجنبية، ولعل هذا هو وجه التفريق بين الخطبة وبين عقد النكاح؛ فإفضاء الخطبة للجماع ليس كإفضاء عقد النكاح للجماع في القوة والتأثير، ولذلك فارقوا بينهما في الحكم، والأصل أن النهي يحمل على التحريم.

قوله رحمه الله: (ولا يجب بالتزويج فدية، لأنه عقد فسد بالإحرام فأشبه شراء الصيد).

وهذا مما تميز به هذا المحظور عن بقية محظورات الإحرام؛ فبقية محظورات الإحرام يترتب على مواقعتها أثر إما إفساد، وإما فدية، وأما عقد النكاح فلا يترتب عليه أثر من جهة ما يلزم به، إلا أن العقد لا يثبت، العقد فاسد لأن النهي يقتضي الفساد.

ولهذا قال: (ولا يجب بالتزويج فدية، لأنه عقد فسد).

للنهي عنه والنهي يقتضي الفساد، لأنه عقد فسد بالإحرام، فأشبه شراء الصيد أي لا يثبت به عقد البيع كما سيأتي.

المحظور الثالث الذي ذكره المؤلف رحمه الله: (قطع الشعر).

وجاء بهذا التعبير ليشمل كل أوجه الإزالة للشعر من حلق أو قص أو نتف أو غير ذلك من أوجه إزالة الشعر، ولم يحدد المؤلف رحمه الله موضع الشعر الذي يعتبر قطعه محظورًا ليعم جميع شعر البدن.

والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ[البقرة: 196]

وجرى عمل جماعة من المؤلفين على البداءة بذكر حلق الشعر قبل غيره من المحظورات، لأنه أول ما ذكره الله تعالى في محظورات الإحرام حيث قال جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ[البقرة: 196]

والنص في الآية على الحلق، ويشمل أوجه الإزالة الأخرى، ووجه ذلك أن الله تعالى ذكر الحلق، لأنه الغالب في أوجه الإزالة، ومعلوم أن ما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فيشمل كل أوجه الإزالة من القص والنتف وغير ذلك من أوجه إزالة الشعر، سواء كان في الرأس أو في غيره، وذكر الرأس لأنه الغالب في إزالة الشعر، فلو أزاله من غير رأسه أُلحق بإزالة الشعر من الرأس بالحلق.

ولهذا قال رحمه الله: نص على حلق الرأس وقسنا عليه سائر شعر البدن، قسنا عليه فُهم من كلام المؤلف أن حلق بقية شعر البدن، إنما هو بالقياس، وليس بالنص، والذي يظهر والله تعالى أعلم يمكن أن يقال ما ذكرناه قبل قليل: أن ذكر الرأس في النهي عن الحلق لأنه الذي جرت به العادة غالباً، وما خرج مخرج الغالب ليس له مفهوم، فلا يفهم منه أنه يجوز حلقه ما عدا شعر الرأس.

قال رحمه الله: (لأنه يتنظف).

هذا وجه القياس، يتنظف ويترفه به، أي: العلة في إلحاق بقية شعر البدن بالرأس أنه يحصل به الترفه، والترفه المقصود به التمتع، واستدلوا لذلك أي استدلوا بأن المحرم ممنوع من الترفه بإزالة الشعر ونحوه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ[الحج: 29]، فإن هذه الآية دالة على أن قضاء التفث وهو إزالة ما طرأ على البدن من الوسخ والقذر بسبب ترك الترفه، إنما يكون بعد التحلل، ويدخل فيه إزالة الشعر بالحلق، وقد ذكر أنه لا نزاع في ذلك الشنقيطي وغيره.

وقالوا في تعليل النهي عن حلق الشعر: إنه إذا كان المحرم ممنوعاً من حلق رأسه، فغيره مما قد يحتاج الإنسان إلى إزالته كشعر العانة والإبط من باب أولى.

قوله رحمه الله: (وإن خرج في عينه شعر، أو استرسل شعر حاجبيه فغطى عينيه فله إزالته).

 لأنها من باب دفع الأذى ولا فدية عليه؛ لأن الشعر آذاه، فكان له دفع أذاه من غير فدية كالصيد، والمقصود كالصيد يعني الصائل، إذا صال عليه صيد فقتله، فإنه لا يترتب على ذلك محظور.

وإن كان الأذى من غير الشعر كالقمل فيه، والقرح برأسه، أو صداع، أو شدة الحر عليه لكثرة شعره، فله إزالته وعليه الفدية؛ لأن هنا في هذه الحال الأذى من غير الشعر، يعني شيء حل في الشعر، وليس في الشعر ذاته، وعليه الفدية لما ذكره رحمه الله في قوله: لما نذكره، ولأنه فعل المحظور لدفع ضرر غيره فلزمته الفدية كما لو قتل الصيد لمجاعة، بخلاف من آذاه الشعر، فإنه يدفع أذاه بإزالته، أما إذا تأذى بشيء في الشعر، فإنه يتجاوز إلى الشعر، والشعر في ذاته لم يكن سبباً في حصول الأذى.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق