وقوله رحمه الله: (لبس المخيط يحرم عليه).
هذا هو المحظور الخامس من محظورات الإحرام، وهو لبس المخيط، والمقصود بالمخيط: كل ما عمل للبدن على قدره أو قدر عضو منه، هذا تعريف المخيط بينه المؤلف بالضابط قال: لبس المخيط يحرم عليه، أي يحرم على المحرم، ثم بينه.
قال: (يحرم عليه لبس كل ما عمل للبدن على قدره).
أي: جميع البدن أو قدر عضو منه أي: عضو من أعضاء البدن، والأصل فيه ما ذكره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه في جواب النبي صلى الله عليه وسلم من سأله ما يلبس المحرم؟
قال: «لاَ تلبَسوا القُمُصَ ولاَ العمائمَ ولاَ السَّراويلاتِ ولاَ البرانِسَ ولاَ الخفافَ إلاَّ أحدًا لاَ يجدُ نعلينِ فليَلبسْ خُفَّينِ وليقطعْهُما أسفلَ منَ الْكعبينِ ولاَ تلبَسوا شيئًا مسَّهُ الزَّعفرانُ ولاَ الورْسُ»أخرجه البخاري (1542)، ومسلم (1177) وذكر هذا اللفظ "المخيط" ليس عليه دليل بالنص على هذا الاسم، وإنما ذكر ذلك كوصف جامع لما جاء النهي عنه من القمص والعمائم والسراويلات والبرانس، فالوصف الجامع لهذه المذكورات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم عن لبسها أنها مخيط، وأنها مما يغطى بها البدن، فيفصل على قدر البدن كله، أو على عضو منه، فالحديث نص على منع المحرم من أنواع من الثياب؛ القمص، وهذا يعم البدن غالبًا، سواء كانت القمص سابغة أو قصيرة، وكذلك السراويل، نص على السراويل، سواء كانت قصيرة أم طويلة، وكذلك البرانس، وهو ثوب يغطي البدن فيه ما يلتصق به مما يغطي الرأس، والخفاف، وهو ما يلبس على القدمين من الجلود، فكل هذا مما يندرج فيما نهي عنه المحرم، وهو مما يختص بالرجال.
وقوله رحمه الله: (وسواء في هذا ما كان من خرق أو جلد مخيط بالإبر، أو ملصق بعضه إلى بعض، لأنه بمعنى المخيط).
أي أنه ليس الحكم مقصورًا على ما استعمل فيه الخيط، بل هو في كل ما فصل على البدن، ولو كان من غير خياطة، أي لم يستعمل فيه الخيط، بل نسج، ونحو ذلك مما ذكر المؤلف رحمه الله من أوجه تفصيل الثياب.
قال: (والتبان والران كالسراويل).
لأنه في معناه، التبان سروال قصير، فيدخل في عموم السراويلات، ثم ذكر بعض الصور التي تلحق بالمخيط، وإن كان ليس فيها خيط.
وهو في قوله: (وإن شق الإزار وجعله ذيلين شدهما على ساقيه لم يجز).
لأنه كالسراويل، وتجب الفدية باللبس، هذا ما يترتب على لبس المخيط.
قال: لأنه محرم في الإحرام، فتعلقت به الفدية كالحلق.
ثم قال رحمه الله: (ويجوز له عقد ردائه، المتقدم الشق).
والآن ذكر العقد، وهذا يفهم منه أن كل صورة يكون فيها ما على المحرم مشبهًا لشيء من اللباس الذي نهي عنه، فإنه يأخذ حكمه، فلا يجوز عقد ردائه عليه، والعقد هو أن يدخل بعض الرداء في بعض، بحيث يكون كالعقدة، وعلل ذلك بقوله: لأن ابن عمر قال: لا تعقد عليك شيئًا، ولأنه يصير بالعقد كالمخيط، وهذا أحد القولين في المسألة، والقول الآخر أن العقد لا يصير الإزار والرداء مخيطًا، فلا يأخذ حكم المخيط.
قال: (ولا يجوز له أن يسره عليه أو أن يضع فيه إزرارًا، ولا يخله بشوكة).
أو أن يمسكه بشوكة، أو بما هو نظير الشوكة من المشابك ونحوها.
قال: (بشوكة ولا غيرها، ولا يغرز طرفيه في إزاره).
لأنه في معنى عقده، فكل الصور التي يكون فيها اللباس مشابهًا للباس المعتاد، فإنه يمنع منه المحرم.
وقوله رحمه الله: (وله أن يعقد إزاره وهو ما يستر به أسفل البدن).
لأنه يحتاج إليه لستر العورة، ولذلك جاز للمرأة لبس المخيط في إحرامها لكونها عورة، وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل ولا يعقده، ولكن يدخل بعضه في بعض، والصواب أن ذلك كله جائز، ولا يمنع إلا ما جاء به النص، وما هو في معنى المنصوص، فيجوز أن يشده، وأن يعقد، وأن يدخل بعضه في بعض، كل ذلك مما لا ينهى عنه.
قال: (وله أن يلبس الهميان الذي فيه النفقة).
وهو ما أشبه ما يكون بمحفظة المال التي تربط، وتشد في الوسط، سواء كانت المحفظة تعلق بالربط، أو كان ما يسمى بالكمر الذي يشد به الوسط، فإن هذا كله لا ينهى عنه، وليس من المخيط الذي يمنع منه المحرم.
قال: (فأما القباء ونحوه).
القباء يشبه المشلح، فقال الخرقي: يطرح على كتفيه ولا يدخل يديه في كميه، لأنه ليس يحيط ببدنه، أشبه الاتشاح بالقميص، يعني أن يضع القميص على كتفيه.
وقال القاضي: عليه الفدية، القاضي أبو يعلى قال: عليه فدية فيما إذا طرح القباء وما أشبهه على كتفيه، لأنه لبس المخيط على العادة في لبسه، فلزمته الفدية كما لو أدخل يديه في كميه، وهذا قول أقرب من القول السابق، لأنه يلبس على هذا النحو، فلبسه على هذا النحو يصيره في حكم الملبوس من المخيط، وعليه لو أن المحرم وضع على كتفيه مشلحًا أو بردة مما يلبس عادة، فهذا يدخل في المخيط.
قال: (ومن لم يجد إزارًا فله لبس السراويل، ولا فدية).
للنص في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يجد إزارًا فليلبس السراويلات» أخرجه البخاري (5804) واللفظ له، ومسلم (1178) ، فله أن يلبس السراويل، ولا فدية عليه، وكذا كل من احتاج إلى أن يلبس المخيط، فإنه في حكم من لم يجد إزارا، لأن من لم يجد إزارًا يشمل من لم يجده حقيقة، وكذلك من لم يجده حكمًا ممن لا يتمكن من لبسه، إما لمرض أو لغيره.
قال: (ومن عدم الرداء لم يبح له لبس القميص).
لماذا؟
لأنه يمكن أن يرتدي به على صفته، يعني يجعل القميص على نحو الرداء.
قال: (ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل، ومتى وجد الإزار لزمه خلع السراويل للخبر).
يعني الفارق بين غطاء أعلى البدن، وغطاء أسفل البدن، فأسفل البدن له أن يلبس السراويلات، لأنه إذا التف بالسروال لم يتحقق الستر المطلوب، فجاز له لبسه، بخلاف ما إذا لم يكن له رداء، فارتدى بقميص يتحقق به الستر دون أن يقع في محظور.
قال: (ويحرم على المحرم لبس الخفين).
وهما ما يلبس في القدم ويسترهما، فإن لم يجد نعلين لبس الخفين ولا يقطعهما، لأن هذا هو آخر ما كان من خبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عباس حيث قال: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين» أخرجه البخاري (5804) واللفظ له، ومسلم (1178) ، ولم يذكر قطعهما، وإنما ذكر قطعهما في حديث ابن عمر، فحمل القطع على الاستحباب، وقيل: بل القطع منسوخ بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حيث ذكر لبس الخفين دون الأمر بالقطع.
قال رحمه الله: (فإن فعل افتدى).
يعني لبس خفًا، فالذي يلزمه بهذا اللبس الفدية، قال: لأن في حديث ابن عمر زيادة، وزيادة الثقة مقبولة.
قال رحمه الله: (وإن لبس خفًا مقطوعًا مع وجود النعل، فعليه الفدية للخبر).
وهو قوله: «ولا يلبس الخفين إلا ألا يجد نعلين»، فجعله مأذونًا فيه في حال ألا يجد نعلين، فإن وجد فلا يلبس الخف المقطوع.
قال رحمه الله: (وليس له لبس الجمجم واللالكة).
وهي أنواع من الألبسة في القدم في زمن الإمام أحمد.
قال رحمه الله: لأنه في معنى الخف المقطوع، فإن لم يجد النعلين فله لبس ذلك من غير فداء كالخفين.
قال أحمد: لا يلبس نعلا له قيد يعني له سير يربط به، قال في القيد: وهو السير المعترض على الزمام، ويقطع العقب يعني الشراك.
قال القاضي: إذا كانا عريضين يستران القدم، يعني هذا موضع النهي، وأما إذا لم يكن كذلك فلا ينهى عنه.
قال رحمه الله: (فأما المحرمة، فلها لبس المخيط كله).
يعني فهم من هذا أن ما تقدم من نهي المحرم عن لبس المخيط، إنما هو في حق الرجل، والذي تمنع المحرمة منه من اللباس النقاب والقفازين، وما يلحق بهما.
ولذلك قال: إلا النقاب وجاء به النص، والقفازين، وجاء به النص والبرقع، وهذا ملحق، والأصل فيه حديث ابن عمر أنه قال: ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين.
قال رحمه الله: (وإن احتاجت إلى سترة).
أي ستر وجهها عن الأجانب، سدلت على وجهها من فوق رأسهما ما يسترها، لحديث عائشة أنها قالت: «كان الرجال يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذونا» أي اقتربوا منا بحيث يمكنهم رؤيتهن، «سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا» أي مضوا «كشفناه»، رواه أبو داود. أخرجه أبو داود (1833)، وابن ماجه (2935)، وأحمد (24021)، قال النووي: إسناده ضعيف. المجموع(7/251)
ثم قال: قال القاضي: ويكون ما تسدله متجافيًا لا يصيب البشرة، يعني تجعل ما يمنع من إصابة ما غطت به وجهها للحاجة، أن تجعل ذلك متجافيًا عن وجهها، وهذا فيما يظهر لا دليل على ذلك، لأن الممنوع هو النقاب، وليس أن تجعل على وجهها ما يستره مما قد يلتصق بوجهها.
نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.