كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 93

التاريخ : 2026-08-04 15:44:08

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد.

المحظور السادس: تغطية الرأس:

قال المؤلف رحمه الله: (السادس من المحظورات وهو تغطية الرأس).

والمحظور فيما يتعلق بتغطية الرأس، هو تغطيته بما جرت العادة بوضعه على الرأس كالعمائم وشبهها، ولهذا جاء النص على النهي عن تغطية الرأس باللباس في موضعين في حديث ابن عمر، حيث قال في جواب ما يلبس المحرم، قال: لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا البرانس؛ العمائم ما يلبس على الرأس لتغطية، والبرانس ما يغطى به الرأس مما يلتحق بالثوب، ويدل له أيضاً حديث ابن عباس في الذي وقصته راحلته لا تخمروا رأسه، فلم يبعث يوم القيامة ملبياً، وذكر جملة من المسائل المتعلقة بتغطية الرأس، وما يستثنى من ذلك.

فقال: يحرم تغطية بعضه، لأن النهي يتناول جميعه، ولا يجوز أن يعصبه بعصابة، ولا سير، ولا يجعل له شيئاً يلصق به، سواء كان فيه دواء أو لا دواء فيه، إلى آخر ما ذكر رحمه الله من المسائل المتعلقة بتغطية الرأس بغير اللباس المعتاد.

قال رحمه الله: (ولا يمنع من تلبيده).

والتلبيد هو أن يدخل في شعره من الصمغ أو العسل ما يمسكه، ويسد خلاله بحيث لا يصيبه هوام، ولا يناله ما قد يؤذيه، فقد كانوا يلبدون شعورهم، أي يضعون فيها من الصمغ والعسل ما يتماسك به شعر الرأس، ويمتنع به الدواب والهوام التي من قمل ونحوه مما يتأذى به المحرم، وذلك أن التلبيد ليس لباساً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فذكر تلبيد الرأس من فعله صلى الله عليه وسلم.

قوله رحمه الله: (ولا يمنع من تغطية وجهه).

أي أن تغطية الوجه ليست محرمة على المحرم، وذلك لأن الأصل لا يمنع المحرم من شيء إلا بدليل.

قالوا: وعنه يمنع، لأنه في بعض الألفاظ حديث ابن عباس في الميت المحرم، ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه متفق عليه، وقال بعض أهل العلم إن هذه الزيادة غير محفوظة، ولذلك أجازوا تغطية الوجه، وقال آخرون: بل تغطية الوجه مكروهة عملاً بهذه الرواية.

انتقل بعد ذلك إلى ما يحصل به تضليل البدن من غير العمائم ونحوها.

قال: (وفي تضليل المحمل روايتان).

أي: الجلوس في ظل المحمل، واليوم في ظل السيارات ونحوها، في هذا روايتان؛ الأولى ليس له أن يتظلل به، لأن ابن عمر قال: أضحى لمن أحرمت له، أي أبرز إلى الشمس، والحقيقة أن هذا القول من ابن عمر لا يدل على اللزوم والوجوب أو إنما هو ندب إلى أن يبرز المحرم لمن أحرم له، وألا يستتر بشيء منعاً للترفه، هذا ما ذكره جماعة من أهل العلم في الاستدلال بقول ابن عمر على تحريم التظليل، والثاني له أن يتظلل لأنه ليس بمباشرة للرأس أشبه الخيمة، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تضرب قبة في نمرة، ونزل بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأيضًا يدل على جواز التظليل بالمنفصل البائن عن البدن بما روته أم الحصين قالت: (حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلال، وأحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر  حتى رمى جمرة العقبة). أخرجه أبو داوود(1834)، وابن خزيمة في صحيحه(2688)، والنسائي(3060)

 

 

    

 

قوله رحمه الله: (السابع من محظورات الإحرام، وهو استعمال الطيب).

فالطيب يحرم عليه أي على المحرم ذكراً أو أنثى. ويحرم استعماله في بدنه وثيابه لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقربوه طيباً في الذي وقصته راحلته، وفي قوله صلى الله عليه وسلم لا يلبس من الثياب ما مسه ورس، ولا زعفران، وبين أنه إذا فعل ذلك وجبت فيه الفدية، ثم ذكر تفصيلاً فيما يتعلق بالطيب.

فقال: يحرم عليه المبخر بالطيب والمصبوغ به، قياساً على المزعفر، وذكر أن النهي عن الطيب لا يقتصر على مباشرته بالبدن، بل حتى على أكله.

فلذلك قال: ولا يجوز أن يأكل طيباً، ولا أن يكتحل به، ويستعط يعني يستنشقه، ولا يستعط به، ولا يحتقن به، يعني جميع أوجه استعمال الطيب يمنع منه المحرم، وذلك لعموم قوله: ولا تقربوه طيبًا، يعني على أي حال أو صفة كانت طيب، والمقصود بالطيب هو ما يتطيب به في العادة، وليس المقصود بالطيب كل ما له رائحة ذكية، فإنه لم يمنع المحرم من الروائح الذكية التي ليست طيباً في المعتاد، ولهذا ما يكون من النباتات التي لها رائحة ذكية لا يمنع منها المحرم إذا لم تكن طيبًا في ذاتها مما يطلق عليه اسم الطيب، وفصل في ذكر أنواع من الأشياء التي لها رائحة، وبين هل هي من الطيب أو لا، والقاعدة في هذا التي تختصر هذا التفصيل، أن كل ما عده الناس طيبًا، فهو طيب يمنع منه المحرم، وما لا يعدونه طيبا، فإنه لا يدخل في ما يمنع منه المحرم.

وعلى هذا مواد التنظيف التي لها روائح ذكية لا يمنع منها المحرم، لأنها ليست مما يتطيب به في العادة، إنما هي روائح ونكهات تضاف، وليست مما يندرج ضمن الطيب في العرف والعادة.

والمحرم ممنوع من مباشرة الطيب ببدنه، وسواء كان ذلك مما يعلق بالبدن بمسه أو يعلق بالبدن ببخاره، ولذلك لا يتبخر المحرم، مع أنه لم يمس، إنما أصابه من أدخنة الطيب ما يعلق ببدنه، فيكون بذلك قد تطيب.

قال: (وإن مس المحرم طيباً يعلق بيده، فعليه الفدية).

إذا قصد ذلك طبعا لأنه طيب يده، وإن مس ما لا يعلق مثل ما لو مسك قطعة بخور، فإنه لا يكون بذلك قد تطيب ولا يترتب عليه شيء، ويلحق بالمس الشم.

ولذلك قال: (وإن شمه فعليه الفدية).

لأنه استعمل هكذا، فألحق الشم بالمس، والصواب أن الشم لا يمنع منه المحرم، ولكن ينبغي له أن يتوقاه لئلا يفضي إلى المس، وذلك أن الشم ليس تطيباً، إنما هو وجود رائحة الطيب، ووجود رائحة الطيب ليست تطيبًا.

    

 

قال المصنف رحمه الله: (الصيد، وهو ثامن ما ذكره المؤلف رحمه الله من محظورات الإحرام، وهو قتل الصيد).

وقد فصل فيه، رحمه الله ففهم من كلام المؤلف أن الصيد حرام في إمساكه، حرام في قتله، حرام في تنفيره، حرام في الإعانة عليه والمشاركة في إمساكه بأي نوع من الإعانة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ[المائدة: 95]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا[المائدة: 96]، فذكر تحريم القتل، وذكر تحريم الصيد، وقوله: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ[المائدة: 96] يشمل كل ما يتعلق بالصيد من القتل والإمساك والإعانة، وما أشبه ذلك.

 

ثم قال رحمه الله: (فإن أخذه لم يملكه).

أي: إن أمسك صيداً لم يملكه، لأن ما حرم لحق غيره لم يملكه بالأخذ من غير إذنه كمال لغيره، وعليه إرساله، أي عليه أن يطلقه في موضع يمتنع فيه، يعني في موضع يتمكن من أن يفر، وأن يمتنع ممن يطلبه، فإن تلف في يده قبل إطلاقه، ضمنه، وقال في ذلك كمال الآدمي، وإن كان الصيد لآدمي، يعني الصيد ملك لأحد، فعليه رده إليه، أي يجب عليه أن يرده إليه، لأنه غصبه.

ثم قال: (ويحرم عليه تنفيره).

وهو تهييجه، فإن نفره وترتب على التنفير هلاك أو أذى ضمنه.

ثم ذكر أيضاً مما يحرم، قال: (ويحرم عليه الإعانة على قتله).

بكل أوجه الإعانة بدلالة بقول أو إشارة أو إعارة، وذكر حديث أبي قتادة في قصة أصحابه معه في صيد ما صاد، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه؟ يعني أن يصيد أو أشار إليه؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمه، فهم لم يكونوا مشاركين في شيء من الصيد، ولم يصد لهم، وإنما صاده لنفسه، فجاز لهم الأكل منه.

قال: (ولأن ما حرم قتله، حرمت الإعانة عليه).

هذا تعليل.

قال: (فإن فعله فقتله حلال).

أي: أعان فقتله حلال، يعني الذي باشر القتل ليس محرماً.

قال: (فالجزاء على المحرم).

وذكر أن هذا مما يروى عن علي رضي الله تعالى عنه، وابن عباس رضي الله عنهما، وذلك أنه فعل فعلاً ترتب عليه التلف، فكان ضامناً له، ويحرم عليه الأكل من الصيد، ولكن هذا مقيد بصيد أشار إليه أو أعان عليه، أو كان له أثر في ذبحه، أو كان مقصوداً به، وذكر لذلك ما في حديث أبي قتادة، حيث أذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالأكل، لما لم يشاركوا فيه، وكذلك في حديث الصعب بن جثامة، والمؤلف رحمه الله لم يذكره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من قبول هديته، لكونه صيد له صلى الله عليه وسلم.

وذكر المؤلف في الترمذي من حديث جابر «صيدُ البَرِّ لكم حلالٌ ما لم تَصيدوهُ، أو يُصادُ لكم»أخرجه النسائي (2827)، والترمذي (846)، وأحمد (14894) ؛ ما لم تصيدوه، أي ما لم تباشروا صيده، أو أنه صيد لكم.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق