كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 94

التاريخ : 2026-08-04 15:45:19

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

هذا الفصل، بعد أن فرغ المؤلف من ذكر ما تقدم من محظورات الإحرام، ذكر العوارض التي يمكن أن يكون فعل المحظور فيها، لا يترتب عليه إثم ولا فدية.

 

ما لا يوجب الفدية للضرورة:

فذكر قال: (وإن احتاج المحرم إلى لبس المخيط، أو تغطية رأسه، أو الطيب لمرض أو شدة حر فعله).

يعني يجوز له الفعل، وعليه الفدية، أي وتلزمه الفدية، والأصل في ذلك إلحاقه بالحلق بأن الله تعالى قال: ﴿فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[البقرة: 196] فرتب على حلق الرأس دفع الأذى الذي يمكن أن يكون في الرأس من قمل ونحوه الفدية، وبذلك يجري الحكم في كل ما يكون من محظورات الإحرام الأصل في هذا القياس، كما ذكر المؤلف، قياساً، وثمة قول إنه لا قياس في هذا، لا سيما أن المذكورات لا تتضمن إتلافاً في لبس المخيط، وتغطية الرأس، والطيب لمرض أو شدة حر، ليست كحلق الرأس، بل هي أشبه بمن أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بفعل محظور في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل» أخرجه البخاري (1841)، ومسلم (1178) . ولم يرتب على ذلك فدية، وكذلك في قوله ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ولم يذكر في ذلك فدية فالأقرب، والله تعالى أعلم أنه إن احتاج إلى شيء مما ذكر المؤلف رحمه الله أنه يفعله لحاجته دون أن يترتب على ذلك إثم ولا فدية، ثم ذكر الصيد.

قال: (فمن اضطر إلى الصيد، فله أكله وعليه جزاؤه، لأنه أتلفه لمصلحته).

فأشبه ما ذكرناه، ولأنه قتله متعمدًا، أما إن صال عليه يعني اعتدى عليه، فذكر قولين في المسألة إنه لا جزاء عليه، والقول الثاني أن عليه الجزاء، والصواب الأول قول أبي بكر ضعيف، لأنه إنما قتله دفعاً لأذاه، لا لمصلحة نفسه، والمسألة الثانية: وإن خلص صيداً من سبع أو شبكة ليرسله، فأتلفا، ففيه وجهان، والراجح هو الوجه الثاني، وأنه لا يضمنه لأنه تلف بفعل مباح لمصلحته، ثم هو لم يتحقق فيه الوصف الموجب للجزاء في قولهم، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[المائدة: 95].

    

 

ثم قال رحمه الله: (ويكره للمحرم حك شعره بأظفاره).

ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الفصل جملة من المسائل التي أثبت فيها الكراهة، ونفى عن بعضها الكراهة، فقال يكره للمحرم حك شعره بأظفاره، ويكره الكحل بالإثمد غير المطيب.

قال: (ويكره لبس الخاتم والتزين بالحلي لذلك، ويكره أن ينظر في المرآة).

كل هذه المكروهات لا دليل عليها، والأصل الإباحة حتى يقوم الدليل على الحكم بالكراهة، ولا يتهاون في إثبات الكراهة، لأن الكراهة حكم شرعي ومقتضى هذا أن الحكم لا بد فيه من دليل، وما ذكره من التعليلات لما ذكر من الكراهة لا يقوى على إثبات الحكم، والأصل عدم الكراهة حتى يقوم الدليل.

قال: (ويكره أن يدهن غير طيب لذلك).

وعن أحمد في جوازه روايتان، لأنه احتمل أن تختص الروايتين بدهن الشعر، لأنه يزيل الشعر ويسكن الشعر ويزينه، والصواب عدم الكراهة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان لبد رأسه، وإن كان هذا قبل إحرامه، لكنه دام تحقيقاً للمصلحة من منع ما يمكن أن يكون من الهوام التي تصيب الرأس.

قال: (ويباح التدهن في غيره).

يعني في غير الرأس، لأن للمحرم أكل الدهن، فكان له أن يدهن به وقد ذكر عن ابن عمر بأن النبي ادهن بغير دهن مقتت، ولو لم يرد هذا الدليل، فالأصل الإباحة لكن هذا، مما يعضد هذا القول، إلا أن في إسناده مقالاً، فيبقى على الأصل، وهو ألا يثبت حكم بكراهة أو تحريم إلا بدليل، وأما الإباحة فهي الأصل، لأن الأصل براءة الذمة، فتستصحب.

قال: (وينبغي أن ينزه إحرامه عن الشتم والكذب، والكلام القبيح، والمراء).

كل ذلك مما يندرج فيما نهى الله تعالى عنه في قوله: ﴿وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ[البقرة: 197] وكذلك في الحديث النبوي «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه» أخرجه البخاري (1820)، ومسلم (1350).

وقوله: (استحب له قلة الكلام).

هذا على وجه العموم، وليس فقط في الإحرام، وإنما أكده في الإحرام لقوله، ففي حال الإحرام والتلبس بطاعة الله، والاستشعار بعبادته أولى لأنه أحفظ لإحرامه من أن يقع فيما يدرجه أو يولجه في فسوق أو رفث أو جدال.

ثم قال رحمه الله: (أو لا بأس أن يغتسل المحرم بالماء والسدر والخطم، ولا فدية عليه).

وهذا مبني على الأصل، وهو أن الأصل في هذه الأمور الإباحة.

وقوله عنه عليه الفدية، هذه الرواية الثانية عن الإمام أحمد والمؤلف رحمه الله رجح الرواية الأولى قال: والأول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الميت: «اغسلوه بماء وسدر» أخرجه البخاري (1265)، ومسلم (1206) ، وهذا في الميت والحي على حد سواء، لأن الميت محرم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، وذكر الأثر عن عبد الله بن حنيف في امتراء ابن عباس، والمسور بن مخرمة.

    

 

وقوله: (ويجوز أن يحتجم، ولا يقطع شعراً).

لحديث احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم، وهذا دليل على الجواز، ولو ترتب عليه قطع الشعر، لأنه لا يمكن في الغالب أن يكون احتجام، لا سيما بمواطن مثل الرأس، وشبهه إلا وثمة إزالة للشعر في موضع الحجامة، ويجوز أن يقتصد، بل يجوز أن يحتجم ويتقلد بالسيف عند الضرورة لما جاء من فعل الصحابة في عمرة القضية، ولا بأس بالتكسب والأصل في هذا أن يقال الأصل في الأشياء الحل والإباحة، وإنما نص على هذه الأشياء بعينها، إما لتوهم منعها، أو لوجود من يقول بأنه لا يجوز ذلك، فأراد تقرير الإباحة، وإلا فالأصل إباحة كل هذه دون تعيين، يعني لو قيل الأصل يجوز أن يشرب الماء، ويجوز أن يأكل، ويجوز أن ينام، كل هذه هي مبنية على أصل، فلا حاجة إلى النص عليه، وإنما نص على ما يتوهم أنه يمنع منه المحرم، أو ما قيل: إنه يكره، أو يمنع منه المحرم.

    

 

ثم قال رحمه الله: (ومن جامع أفسد حجه).

هذه المسائل هي مما يترتب على فعل بعض المحظورات من أحكام، وبيان ما يلزم على ذلك من آثار.

فقال رحمه الله: (ومن جامع أفسد حجه).

ونص على الجماع في إفساد الحج، لأنه أعظم المحظورات.

قال: (وعليه بدنة).

أي عليه فدية، وهي البدنة، وهي إما من الإبل أو البقر، سواء كان عالماً أم جاهلاً عامدًا أم ناسياً، أي يترتب فساد الحج، وثبوت الفدية بالجماع في كل هذه الأحوال في حال العالم، والجاهل، والعامد والناسي، وإنما الفرق بين هذه الأحوال في الإثم، لا فيما يترتب، فالجاهل لا إثم عليه، والناسي كذلك لا إثم عليه، لكن عليهم من الأحكام فيما يترتب على الجماع الفساد أو عليه البدنة.

وقوله رحمه الله في تعليل عدم التفريق بين العالم، والجاهل، والعامد والناسي، لأنه فيه معنى يتعلق به قضاء الحج، فاستوى عمده وسهوه كالفوات، هذا تعليل هو مستند من ذهب إلى هذا القول من الأصحاب، وعليه أكثر أهل العلم، لكن الصواب الذي تدل عليه الأدلة هو التفريق بين الجاهل والعالم، لا سيما إذا كان جهلاً يعذر بمثله، والتفريق بين العامد والناسي، فكل من فعل محظوراً من المحظورات جهلاً أو نسياناً، فإنه يندرج في عموم الأدلة الدالة على عدم المؤاخذة، بقول الله تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا[البقرة: 286] وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «عُفِيَ عن أُمَّتِي الخطَأُ، والنِّسيانُ، وما اسْتُكْرِهوا عليه» أخرجه ابن ماجه (2045)، وابن حبان (7219)، والطبراني (11274).

فالصواب أنه إذا كان قد فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، أنه لا يترتب على الجماع شيء من أحكامه، فلا يترتب على الجماع شيء من أحكامه، إلا إذا كان عن علم، وذكر واختيار من غير إكراه، وهذا في جميع المحظورات.

    

 

ثم قال رحمه الله: (وإن حلق أو قلم ناسياً أو جاهلاً، فعليه فداء).

كما تقدم، لأنه إتلاف هذا التعليل، قال لأنه إتلاف، فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي، ويتخرج ألا فدية عليه، قياساً على اللبس، وما ذكره تخريجاً أقرب إلى الصواب.

قوله: (يتخرج).

التخريج، هو إلحاقه حكم، أو في مسألة لم يرد بها النص عن الإمام بمسألة ورد فيها النص عنه، فهو نوع من الإلحاق، لا تسمى تخريجاً، قال قياساً على اللبس فلا فدية في شيء من ذلك، وهذا هو الصواب أنه إن حلق أو قلم ناسياً أو جاهلاً، فليس عليه فدية، لأن الأحكام إنما تثبت بالعلم والذكر والاختيار.

قال: (إن قتل صيداً مخطئاً عليه جزاؤه).

وعلل ذلك بأنه ضمان مال، وانتهى ضمان مال الآدمي، وأما الرواية الثانية وعنه لا جزاء عليه وهذا أقرب إلى الصواب ويدل له النصوص السابقة، والنص على وجه الخصوص في قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[المائدة: 96] ومفهومه، كما قال المصنف ومفهومه، أنه لا شيء في الخطأ، وهذا المفهوم معتبر، وبالتالي الصواب هو الرواية الثانية.

قال: (وإن تطيب أو لبس ناسياً أو جاهلاً فلا فدية).

ووجه استثناء هذا المحظور ما ورد به النص في حديث يعلى بن أمية، حيث أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه، جبة ولباس وقد تضمخ بالطيب، فعليه أثر الخلوق، فلما سأل النبي كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟

قال: اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما تصنع كما تصنع في حجك، وهذا دليل على أنه لا إثم عليه فيما فعل لجهله بمنع المحرم من لبس الجبة ومن التطيب، وهذا يجري في كل ما تقدم لعدم الفرق بين هذه المحظورات، وعنه عليه فدية عن الإمام أحمد رواية في التطيب واللبس ناسياً أن عليه الفدية، لأنه فعل حرمه الإحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق، قال والأول المذهب وهو الأصح.

ثم قال: (ومتى ذكر الناسي أو علم الجاهل فيما يعذر فيه بالنسيان أو الجهل فعليه إزالة ذلك).

أن يبادر إلى إزالة ذلك أنه طلب للتخلي من محظور، فيجب المبادرة إليه فإن استدامه أي أبقاه فعليه الفدية لأنه تطيب ولبس من غير عذر، فأشبه المبتدئ به، فرغم من الناسي والجاهل، ثم بين حكم المكره.

قال: (وحكم المكره، حكم الناسي).

ثم أعاد بعد التسوية بينهما ببيان مزية المكره، قال: لأنه أبلغ منه في العذر، فإن الإكراه أبلغ في العذر من النسيان، لأن النسيان فعل مع الذهول من غير حضور ذهن، أما المكره فهو فعله والخيار موجود فعل مع الذهول، وهو الاختيار موجود، أما الإكراه الاختيار ملغى، فالفعل من حيث الاختيار فلا يرافقه اختيار، فهو كالمعدوم لأنه لا اختيار له، فهو مجبر عليه أو مدفوع عليه، ولذلك قال لأنه أبلغ منه بالعذر.

ثم قال: (وأما إن استطيب أن يظنه يابساً أن هذا جهل بالحال).

يعني لا يعلم أنه يمكن أن يعلق بيده، فبان رطباً ففيه وجهان أحدهما عليه الفدية، والثاني لا فدية عليه الأول، لأنه قصد مس الطيب، والثاني لأنه جهل تحريمه، فأشبه من جهل تحريم الطيب، والصواب أنه لا فرق في الحكم بين الجهل بالحال، والجهل بالحكم فيما يتعلق بالتحريم، وما يترتب عليه.

قال: ومن طيب أو حلق رأسه، فلا يخلو من حالين، إما أن يكون بإذنه فعليه فدية، لأنه أقر ذلك، وإما أن يكون من غير إذنه، وأشار إليه بقوله: وإن حلق رأسه مكرهاً أو نائماً، فالفدية على الحالق، ولو لم يكن محرماً يعني ولو كان الحالق حلالاً، لأنه أمانة عنده يعني في حال النوم، فالفدية على من أتلفه بغير إذنه كالوديعة.

قال: (وإن حلق وهو ساكت لم ينكره الفدية عليه).

لأنه إقرار بالفعل وقبول له.

قال: (وإن كشط من جلده قطعة).

هنا إذا زال الشعر تبعاً، أو الظفر تبعاً، فهذا لا فدية فيه، لأنه ليس مقصوداً بالأساس، وإنما إزالته كانت تابعة.

خلاصة هذا الباب أن كل ما جرى من محظورات الإحرام جهلاً، أو نسياناً، أو إكراهاً، فإنه لا يترتب عليه شيء لا إثم ولا الفدية، أما الإثم فمتفق عليه أنه لا إثم عليه في ذلك إذا كان عن جهل أو عن نسيان أو إكراه، لكنهم اختلفوا في الفدية، والصواب في كل المسائل، أنها تجري على سنن واحد، ما كان عن جهل أو نسيان، أو إكراه، لا يترتب عليه أثر.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق