كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 106

التاريخ : 2026-08-04 15:47:32

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

ما يترتب على فعل المحظورات:

قال رحمه الله: (من حلق رأسَه وهو محرم، فعليه ذبح شاة).

هذا بيان ما يترتب على فعل المحظورات من الفدية، والفدية في اللغة أصلها: ما يعطى في فكاك أسير أو إنقاذ من هلكة، هذا في الأصل من حيث اللغة، وهو في باب محظورات الإحرام: ما يترتب على فعل الممنوع من جزاء يفتك به من الإثم، فهو يدفع بذلك ما يترتب على فعله من الإثم، فالفدية في هذا الباب هي: ما يجب فعله على من فعل محظوراً من محظورات الإحرام افتكاكاً من الإثم.

ومحظورات الإحرام من حيث ما يترتب عليها، تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح والخطبة.

القسم الثاني: ما فيه فدية مغلظة، وهو الجماع قبل التحلل الأول في الحج، وكذلك العمرة في قول جماعة من أهل العلم، كما هو مذهب المالكية والشافعية.

القسم الثالث: ما فيه فدية أذى، وهي فدية حلق الرأس في الإحرام وما ألحق به، والأصل فيها قول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[البقرة: 196]، وحديث كعب بن عجرة كذلك، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أيُؤذيك هَوامُّ رَأسِك؟ قُلتُ: نَعَم، قال: فاحلِقْ، وصُمْ ثَلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، أوِ انسُكْ نَسيكةً»صحيح البخاري(5665)، ومسلم (1201).

 القسم الرابع: مما يترتب على محظورات الإحرام ما يجب فيه الجزاء، وهو الصيد، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[المائدة: 95].

هذا من بيان أقسام ما يترتب على فعل محظورات الإحرام، واستحضاره يلخص لنا هذا الباب وما ذكره المؤلف رحمه الله من المسائل.

قال: (من حلق رأسه وهو محرم، فعليه ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصُع لستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام).

والدليل ما ذكره من الآية وحديث كعب بن عجرة.

ثم قال: (وسواء حلق لعذر أو غيره).

وهذا واضح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ[البقرة: 196]، فرتّب الفدية على الحلق ولو كان معذوراً.

ثم ذكر ما القدر الذي تثبت به الكفارة، فذكر أن الفدية تثبت بحلق أربع شعرات، ما في حلق الرأس؛ ذكر أنه إذا حلق أربع شعرات ففيه ما في حلق الرأس كله.

قال في تعليل ذلك: لأنه كثير، فتعلقت به الفدية كالكل، والصواب: أنه لا يتعلق بحلق أربع شعرات شيء من الفدية، إنما الحكم يثبت فيما إذا عد حالقاً في العادة والعرف، وذلك بإزالة أكثر الرأس.

وقد قال هنا: (وفي الثلاث روايتان).

يعني الأربع مقطوع في المذهب إنه تجب به الفدية، وأما الثلاثة فيه روايتان، والصواب: أن الحكم جارٍ على الثلاث والأربع، وما أشبه ذلك لا دليل على ذلك، إنما الحكم لا يثبت إلا بثبوت الحلق عرفاً، فما عد في العرف حلقاً فهو حلق يثبت به ما ذكر المؤلف من الفدية، وجاء به النص في الكتاب والسنة.

قال رحمه الله: (وإزالة الشعر بالقطع والنتف).

هذه إشارة إلى أن الفدية تثبت بكل أوجه الإزالة في الشعر، سواء كان قطعاً أو نتفاً أو نورة؛ لأنها في معناه، وكذلك الكلام في الأظافر، ألحقها بالشعر في كل ما تقدم.

قال: (ومن أُبيح له الحلق فهو مخير في الفدية).

هذا بيان أن الفدية على وجه التخيير، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الله عز وجل ذكر ذلك على وجه التخيير، قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[البقرة: 196]، وما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل كعب بن عجرة لما قَبَرَهُ بما كان به من أذى القمل، قال: «أتجد شاة؟» قال: لا، قال: «فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين» أخرجه البخاري (4190)، ومسلم (1201) ؛ هذا بيان أفضلية الفدية، وذلك على وجه الأفضلية لا على وجه الوجوب، الآية لا تشير إلى ذلك بل لأن الله تعالى سوّى، وإنما جاء ذلك في السنة على وجه التفضيل، وأما الآية فقد سوت بين هذه الثلاث الخصال من كل وجه، وقدم الصيام ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[البقرة: 196]، وإنما قدم الصيام لأنه المتيسر لكل أحد في الغالب، يعني أيسر من الفدية التي تثبت بالغنى، وكذلك مقدمة على أيسر من النسك لأنه قد لا يتيسر لكل أحد.

ثم قال رحمه الله: (من لبس أو غطى رأسه أو تطيب فعليه الفدية).

هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله لبيان تداخل الفدية، فقال: (ومن لبس أو غطى رأسه أو تطيب عليه فدية مثل حلق رأسه كما تقدم).

لأنه في معناه فقسناه عليه أو أُلحق به.

    

 

ثم قال: (وإذا لبس عمامة وقميصاً وسراويل وخفين، فجميع هذا فعليه فدية واحدة).

لأنه جنس واحد، فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه.

ثم قال: (وإن لبس وتطيب وحلق وقلم).

هنا اختلف جنس محظور، في المسألة الأولى اتفق جنس المحظور؛ لبس عمامة وقميصاً وسراويل وخفين هذا جنس واحد، لكن لبس هذا جنس، وتطيب هذا جنس آخر، وحلق هذا الجنس الثالث، وقلم هذا جنس رابع، فعليه لكل جنس فدية؛ لأنها أجناس مختلفة فلم تتداخل، ونظرها كالأيمان والحدود.

وعنه: إن فعل ذلك دفعة واحدة ففدية واحدة، إذا فعل جميع هذه المحظورات؛ تعليل لهذا قال: لأن لكل محظور، فأشبه اللبس في رأسه وبدنه، والأقرب والله تعالى أعلم أن كل جنس من أجناس المحظورات إذا فُعل فإنه يستقل بالفدية، فلا يتداخل، يعني الرواية الأولى هي المذهب، وهي الأقرب إلى الصواب والله تعالى أعلم.

قال رحمه الله: (وعنه إن فعل ذلك دفعة واحدة ففدية واحدة).

لأن الكل محظور فأشبه اللبس.

قال: (في رأسه وبدنه. وإن كرر محظوراً واحداً فلبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب إلى آخره).

ففدية واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني.

وعنه: إن فعله لأسباب؛ يعني مختلفة، مثل من لبس أول النهار للبرد، وسطه للحر، وآخره للمرض، ففديات، هذه الرواية نظر فيها إلى تعدد السبب، والذي يظهر والله أعلم أن تعدد السبب لا أثر له في تكرار الفدية، فتعدد الأسباب واختلافها لا يصيرها أجناسًا، بل هي جنس واحد؛ ولذلك قال المصنف رحمه الله في الترجيح.

قال: (والأولى أولى).

والتعليل قال: لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه، وهذا ما أشرنا إليه في التعليق قبل قليل، فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمان على شيء واحد لأسباب مختلفة، وقليل اللبس وكثيره سواء يعني في الحكم.

ثم قال: (وحكم كفارة الوطء في التداخل مثل ما ذكرنا يعني).

فلو كرر الوطء فيجب كفارة واحدة، إلا أن يكفر عن الوطء الأول ثم يطأ ثانياً فتجب كفارتان، ولا فرق في ذلك بين أن يطأ زوجته أو زوجات في كونه يترتب على ذلك كفارة واحدة، فإذا لم يكفر، فإن كفر فإنه إن كرر الوطء وجب به كفارة أخرى.

قال رحمه الله: (فأما جزاء الصيد فلا تداخل فيه).

ذكر ما يتميز به جزاء الصيد من جهة التكرار والتداخل.

قال رحمه الله: (وكلما قتل صيداً حُكم عليه).

يعني بالجزاء الذي يترتب عليه، وعنه رواية عن الإمام أحمد: أنه يتداخل كسائر الكفارات، وعنه: لا يجب الجزاء إلا في المرة الأولى، فلا يجب عليه شيء بالتكرار، والصواب: أنه يلزمه جزاء لكل صيد لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ[المائدة: 95]، والانتقام هو بإثبات ما ترتب على الأول.

قال رحمه الله: (ولم يذكر جزاء).

الحقيقة الاستدلال بالآية ليس على أنه يكفي، واستدل بهذه الآية المؤلف يقول لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ[المائدة: 95]، أنه لا يترتب على قتل صيد إلا جزاء واحد ولو كرر فلا جزاء عليه لقوله: ينتقم الله منه، والجواب: أن الآية دالة على الانتقام، والانتقام بما ذكره الله من الأحكام، وقد ذكر في الحكم أن عليه الجزاء.

قال: (والأول المذهب) لقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[المائدة: 95].

وجه الدلالة قال: (وهذا يقتضي كل قاتل، ومثل الصيدين أكثر من مثل واحد).

وهذا تقرير جيد وواضح ووضاح.

    

 

ثم قال رحمه الله: (وإن وطئ المحرم في الفرج في الحج قبل التحلل، فعليه بدنة).

وما رتبه من المسائل الأخرى كل ذلك مبني على أن الحكم يتعلق بمن فعل المحظور؛ فإذا فعله الرجل وجبت عليه الفدية، وإن فعلته المرأة مطاوعة وجبت عليها فدية، إلا في الرواية الثانية عن أحمد، واستدل بما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والأصل في هذا ما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والرواية الثانية: أنه يجب به هدي واحد عليهما، وهذا كما في الفدية المترتبة على الجماع في نهار رمضان؛ منهم من قال: إنها على الرجل دون المرأة حتى لو كانت مطاوعة.

قال رحمه الله: (فإن وطئها نائمة أو مكرهة).

وهنا زال وصف الموافقة، فليست مطاوعة؛ المطاوعة هي الموافقة والمنقادة، والصواب: أنها إن وُطئت نائمة أو مكرهة لا شيء عليها ولا يفسد بذلك حجها، أما ما يترتب على الرجل، فالذي يترتب عليه فدية تتعلق بفعله فيجب عليه فدية واحدة.

قوله: (ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت بفساد حجها).

وهذا الاحتمال بعيد، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا[البقرة: 286] فكيف بالمكرهة أو الغائبة التي لا اختيار لها؟

قال: (ويحتمل أن تكون عليها).

يعني هي الكفارة في حال كونها نائمة، في حال كونها وطئت نائمة أو مكرهة؛ لأنها وجبت بالفساد لحجها، والصواب: أنه لا شيء عليها، احتمال بعيد لا يجب عليها فدية ما وقع على المرأة من فساد النسك على قول بفساده، وإنما عليه ما يتعلق بفعله.

قال: (وإن وطئ في العمرة، أو وطئ في الحج بعد التحلل).

هذا بيان أن الوطء في العمرة يختلف عنه في الحج، والوطء في الحج بعد التحلل الأول يختلف عنه فيما كان من الوطء قبل التحلل الأول، ففيما تقدم أنه إذا وطئ في الحج قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وأما إذا وطئ بعد التحلل الأول وقبل تمام التحلل أو في العمرة فعليه شاة.

وقوله: (فعليه شاة).

معناه أنه يلزمه ما يلزم لفعل المحظور، فيكون مخيراً بين ثلاثة أمور: بين الصيام والصدقة والنسك، فعليه فدية هذا، لكنهم قالوا فعليه شاة لأنها الأعلى فيما يجب على من فعل محظورا.

قال: (لأنه فعل محظور لم يفسد حجاً فلم يوجب بدنة كالقبلة).

قوله رحمه الله: (وإن أنزل فعليه بدنة لأنه استمتاع بالمباشرة).

هذا لا دليل عليه، وتسوية بين الجماع، وهو غاية المطلوب في الاستمتاع، وبين ما هو دون ذلك من وطئ المحرم دون الفرج، فالصواب: أنه لا تجب بذلك بدنة، وأما إن استمتع ولم ينزل، قال: (فعليه شاة)؛ فهذا محل تأمل ونظر، لأنه فعل محظوراً؛ هذا التعليل لأنه فعل محرماً بالإحرام، لا يفسد الحج لكنه يثبت به الفدية.

والقول الثاني: أنه يأثم بذلك، وأما الفدية فإنها لا تكون إلا بالإنزال، ولعل هذا أقرب من الصواب والله تعالى أعلم.

وذكر ما يتعلق بالنظر وتكرار النظر، كل هذا فيما يظهر والله تعالى أعلم أنه لا يجب به شيء، وإن كان المحرم ممنوعاً منه لعموم قوله: ﴿فَلا رَفَثَ[البقرة: 196]، لكن إيجاب الفدية يحتاج إلى ما هو أظهر وأعلى من المنع؛ لأنه إذا وقع في فسوق من غيبة أو نميمة أثم، ولم يترتب على ذلك فدية، وكذلك كل ما لم يرد فيه دليل صريح في إيجاب الفدية؛ فالأصل حرمة مال المسلم «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»أخرجه البخاري (6064) مختصراً، ومسلم (2564)، حتى يقوم الدليل على ثبوت الفدية.

قوله رحمه الله: (ومن لزمته بدنة أجزأته بقرة).

ظاهره في كل ما تقدم مما يتعلق بمحظورات الإحرام، ولو كان ذلك في جزاء الصيد.

والقول الثاني: أن جزاء الصيد لا تكون فيه البدنة كالبقرة؛ لا تجزئ البقرة لأن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[المائدة: 95]، فما كان مثل الإبل ليس كما هو مثل البقر، وهذا قول وجيه وهو الأقرب إلى الصواب والله تعالى أعلم؛ أن قوله: من لزمته بدنة أجزأته بقرة ليس على الإطلاق، بل هذا في غير جزاء الصيد.

قال: (وإن لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع).

لأن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو قالوا للواطئَين: أهديا هدياً، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، وهم الأصل في ثبوت حكم الوطء وإليهم المرجع فيه فكذا في بدله.

قال: (وقال بعض أصحابنا: تُقوَّم البدلة ليشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به).

والصواب: أنه لا تقوم، الصواب أن من لزمته بدنة وقدر عليها، فهذا هو الذي يلزمه، فإن لم يتمكن من ذلك لم يلزمه شيء آخر وما روى عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من البدل، إنما هو على وجه الاستحباب، هذا فيما يتعلق بقوله: (وإن لم يجد هدياً فعليه الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع).

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

                                 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق