كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 78

التاريخ : 2026-08-04 15:49:48

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد،

صفة الطواف:

فيقول المصنف رحمه الله: (ويحاذي الحجر بجميع بدنه).

هذا مما يتعلق بصفة، ابتداء الطواف أن يحاذي الحجر بجميع بدنه، وعلل ذلك بقوله: ليستوعب جميع البيت بالطواف لقوله تعالى فيما ذكر من مقاصد الحج ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[الحج: 29] والباء هنا للاستيعاب، فيتحقق هذا بما ذكر المؤلف رحمه الله من أنه عند ابتداء الطواف يحاذي الحجر بجميع بدنه، وقد ذكر الفقهاء في ذلك صفة أن يبتدئ، فيجعل الحجر يمينه، ويمر على الحجر بجميع بدنه، ثم بعد ذلك يمشي في طوافه، وهذه المسألة مما اختلف فيه العلماء، فكان مذهب الشافعية والحنابلة على نحو ما ذكر المؤلف رحمه الله، وذهب المالكية إلى أن المحاذاة للحجر بجميع البدن ليست واجبة، إذ المقصود البداءة من الحجر، لا أن يحاذي ببدنه جميع الحجر، والأمر في هذا واسع.

والمحاذاة قد تتضمن استقبال الحجر، وهذه مسألة ليست لازمة، لأن الاستقبال ذكر جماعة من أهل العلم أنه سنة وليس واجبا، وما ذكروه من صفة أن يجعل الحجر يمينه صفة من صفات المحاذاة بجميع البدن، لكن لو أنه حاذاهم بجزء بدنه من أول طوافه تحقق بذلك المطلوب

قوله رحمه الله: (ليستوعب جميع البيت بالطواف قال: ثم يأخذ في الطواف على يمين نفسه، ويجعل البيت عن يساره).

وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم أنه المشروع في الطواف، وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، إلى أن ذلك على وجه الوجوب، فلا يصح أن يطوف منكسا، والمطلوب أن يكون على هذه الصفة في جميع طوافه، إلا ما كان من مقتضيات السير من الانحراف يمينا أو يسارا، لكن لا يخل بهذه الصفة، وهي بأن يجعل بيته عن يساره.

قال: (ويطوف سبعا يرمل في الثلاثة الأول).

وهذا محل الاتفاق، أن المشروع في الطواف أن يطوف سبعة أشواط، ودليل ذلك حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ذكر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثا، ومشى أربعا مسلم(1218) ، والمجموع سبعة أشواط، ولا خلاف بين أهل العلم في أن المشروع في الطواف ليتحقق الطواف الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف سبعة أشواط.

وقوله رحمه الله: (ويطوف سبعا يرمل في الثلاث الأول منها، وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى، ولا يثب، وثبا).

هذا بيان المشروع في صفة الطواف أنه يرمل في الثلاث الأول، والمقصود بالثلاث الأول الثلاثة الأشواط الأولى جميعها من الحجر إلى الحجر، والرمل هو إسراع المشي مع مقاربة الخطى.

قال: (ولا يثب وثبا).

يعني لا يسير، سير العاجل الذي يقفز، فهذا ليس رملا، الرمل هو أن يسرع في مشيه مع مقاربة الخطى، والرمل سنة متفق عليها بين أهل العلم من جهة أصل مشروعيتها، ولذلك عده جماعة من أهل العلم من المتفق عليه في صفة الطواف، فقالوا مما اتفق عليه في صفة الطواف في الحج طواف القدوم، وفي طواف العمرة الاضطباع والرمل، وهما مشروعان للرجال دون النساء بالإجماع، فلا يستحب للنساء رمل، كما أنه لا يجوز لهن الاضطباع.

وقوله رحمه الله: (ويمشي أربعا).

أي يمشي في بقية طوافه على نحو من السير المعتاد الذي ليس بخبب ولا تماوت في المشي، بل يمشي على صفته المعتادة في مشيه لحديث جابر، وروى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الأول وهو طواف القدوم، خب ثلاثا، ومشى أربعا أخرجه البخاري(1644), ومسلم(1261) خب: أي أسرع السير من الخبب، وهو الإسراع.

قال: (ولا يرمل في غير هذا الطواف).

أي: بقية الأطواف المشروعة للحاج من طواف الزيارة الذي هو طواف الحج، ولا طواف الوداع، فإنه لا يشرع فيهما رمل.

قال: (ولا يرمل في غير هذا الطواف).

لذلك أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ترك الرمل في الثلاث يعني في الثلاث الأول لم يقضه في الأربع، لأنه سنة فات محلها فلم يقضه في غيره، ومثل له المؤلف رحمه الله بالجهر في الأوليين من الصلاة الجهرية، لا يقضى في الأخيرين، وهذا محل اتفاق بين عامة أهل العلم.

قوله رحمه الله: (ولو فاته الرمل والاضطباع في هذا الطواف لم يقضه فيما بعده).

أي من الأطواف، فلا يقول لم أطف في طواف القدوم، فأطف في طواف الحج، أو لم أطف في طواف العمرة، فأطف في طواف الحج، أو طواف الوداع.

قال رحمه الله: (كمن فاته الجهر في الصبح، لم يقضه في الظهر، ويكون الحجر داخلا في طوافه).

أي: مما يجب مراعاته أن يكون طوافه من وراء الحجر، والحجر من البيت، ولذلك قال المؤلف في التعليل قال: لأن الحجر من البيت فقد سألت عائشة رضي الله تعالى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي في الكعبة فقال لها: «صلي ها هنا، فإن الحجر من البيت» أخرجه النسائي(2912) فستة أذرع، وسبعة أذرع من الحجر هي من البيت ستة أذرع يعني ثلاثة أمتار أو ثلاثة أمتار ونصف من الحجر هي من البيت، فلو أنه طاف من داخل الحجر لم يكن قد حقق ما أمر به من الطواف بالبيت في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[الحج: 29] لم يحقق ما أخبر الله تعالى به، وهو أمر وليطوفوا بالبيت العتيق.

 

قوله رحمه الله: (ولا يطوف على جدار الحجر، ولا شاذروان الكعبة لأنه من البيت، فيجب أن يطوف به).

وذلك لقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[الحج: 29]، والباء تقتضي الاستيعاب، كما في قوله: وامسحوا برؤوسكم بجميع رؤوسكم، والشاذروان هو الطوق المحيط بالكعبة من أسفل البناء، وكان في الزمن السابق مسطحا يمشى عليه، لكن مما أحدث فيه أن أزيل هذا التسطيح، فأصبح مائلا لمنع من يمشي عليه، فيفوت ما أمر به من الطواف بالبيت، وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أنه يصح الطواف على الشاذروان لأنه ليس من البيت، فلو مشى عليه أو سار عليه، وهذا كحال أولئك الذين يمشون عليه لاستلام الحجر أو تقبيله، فيرتفعون عن الأرض على هذا المرتفع، ولو كان غير مسطح، فهذا لا يؤثر على صحة الطواف فيما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وأما على ما ذكر قرر المؤلف رحمه الله فإن ذلك مفوت لما وجب من الطواف بالبيت.

قال رحمه الله: (ولا يستلم الركن العراقي ولا الشامي).

أي لا يستلم الركنين اللذين في شمال الكعبة الأيمن منه والأيسر، الأيمن العراقي، والأيسر الشامي، فأول الأركان بعد الحجر الأسود، الركن العراقي، ثم بعد ذلك الركن الشامي، ثم الركن اليماني، والعلة في عدم استلام الركنين، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني، فلا يستلمان لترك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني، فدل ذلك على أن هذا هو المشروع، فيما يستلم من البيت، وقد اجتهد معاوية رضي الله تعالى عنه، فرأى أنه ليس شيء من البيت مهجور، لكن رد عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبينوا له، كما قال ابن عمر  لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستلم إلا الركنين أخرجه البخاري(1609), ومسلم(1267) ، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[الأحزاب: 21] فرجع معاوية رضي الله تعالى عنه عما كان يقوله من استلام جميع الأركان.

قال رحمه الله: (وكلما حاذى الحجر كبر أن يسلم).

أن يكبر في كل محاذاة للحجر، وهذا سنة بالاتفاق، لا خلاف بين أهل العلم فيه، ويقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201]، لما روى عبد الله بن السائب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ما بين ركني بني جمح في اليماني، والركن الأسود أخرجه أحمد (15399)، والحاكم (1673) ، فيدعو بهذا الدعاء ويكرره، وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم امتثالا للقرآن في قول الله تعالى ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[البقرة: 200]، ومنهم من يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201] وهو من الأدعية التي ينبغي أن يحرص عليها المعتمر والحاج في كل مواطن حجه وعمرته، فإن هذه الجملة وهذا الدعاء من أجمع الأدعية التي تجمع للإنسان خيري الدنيا والآخرة، إذ معنى آتنا في الدنيا حسنة، يعني يسر لنا في الدنيا كلما تحسن به أحوالنا في أنفسنا، وفي أهلينا، وفي أموالنا وفي سائر شؤوننا، وإذا تحقق ذلك للإنسان، فإنه تطيب حياته ويستقيم معاشه، وتنتفي عنه الأكدار والأوضاع، وكذلك في الآخرة قوله: وفي الآخرة حسنة، أي ما تحسن به أمورنا في الآخرة، ونص على الوقاية من النار لأنها أعظم المخوف مما يكون في الآخرة فقال: وقنا عذاب النار، وهو في الحقيقة جامع لإصلاح الدنيا وإصلاح الآخرة لأن الوقاية من عذاب النار يستلزم الوقاية من أفعال أهلها في الدنيا، وأما الثمرة إذا تحقق ذلك فهو يوقى ما يكره من عذاب النار في الآخرة، سواء العذاب الممتد أو العذاب الذي له أمد.

قال رحمه الله: (ويقول في بقية الطواف اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما أحب).

هذا توجيه على وجه الاستحباب فيما يدعو، وليس في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال يدعو بما شاء.

قال: (ويستحب أن يدنو من البيت).

لأنه المقصود، فإن كان يمكنه الرمل بعيدا، ولا يمكنه قريبا، فالبعيد أولى لأنه يأتي بالسنة المهمة يستحب أن يدنو من البيت أي يقترب منه في طوافه، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[الحج: 29]، قال بعضهم: الباء هنا تقتضي القرب، لأنها قد تتضمن معنى الإلصاق، فيدنو من البيت ما استطاع، لأن المقصود هو الطواف بالبيت، فكلما قرب منه حقق المقصود، فإن كان يمكنه الرمل بعيدا، بمعنى أن تعارض في حقه أمران إن اقترب لم يرمل، وإن بعد رمل.

فيقول المؤلف رحمه الله ولا يمكنه قريبا، أي لا يمكنه الرمل إذا اقترب من البيت، قال: فالبعيد أولى، أي يبعد عن البيت ويرمل، وعلل ذلك بقوله: لأنه يأتي بالسنة المهمة، والمقصود بالسنة المهمة السنة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وكونها مهمة لأنها صفة في العبادة، ومعلوم أن الفضيلة المتعلقة بصفة العبادة مقدمة على مكانها، فإذا تعارض فضيلة المكان وفضيلة الصفة في العبادة، كان الأولى مراعاة الصفة في العبادة، وتقديمها على الصفة في المكان، وهذا نظير ما إذا صلى في الصف الأول لم يخشع، لوجود ما يشغله، وإذا صلى في الصف الثاني كان أدعى للخشوع، فهنا الفضيلة المتعلقة بذات العبادة، أو صفتها، مقدمة على ما يتعلق بمكانها.

    

 

قوله رحمه الله: (ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف).

لأنه صلاة، والصلاة محل القرآن، وهذا على سبيل أن الطواف من مواطن الذكر، والاشتغال بتعظيم الله عز وجل، ومن ذلك تلاوة كلامه جل وعلا، لكن لم يرد شيء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كره جمع من العلماء، ومنهم مالك قراءة القرآن في الطواف، لأنه لم يرد، وأما التعليل بأنه صلاة والصلاة محل القرآن، فهذا التعليل ليس بسديد لأن المقصود بالصلاة في قول ابن عباس وروي مرفوعا طواف البيت صلاة إلا أن الله أحل الكلام فيه، أو أباح الكلام فيه، فالمقصود به أنه كالصلاة في الدعاء والذكر والتقرب إلى الله عز وجل، وليس أنه يكون فيه ما يكون في الصلاة.

قوله رحمه الله: (ويجوز الشرب في الطواف).

لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب في الطواف رواه ابن المنذر، أي يجوز الشرب في الطواف لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه فعل ذلك، وتعيين هذا هو بيان مفارقة الطواف للصلاة، وأنه وإن كان الطواف كالصلاة، إلا أنه يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة، وأما هذا الأثر الذي ذكر المؤلف رحمه الله عن ابن المنذر فليس محفوظا، لكن لا دليل على منع الشرب، كما أنه لا دليل عليه يسير الكلام، وسائر ما يكون من الأحوال.

قوله رحمه الله: (ويستحب أن يدع الحديث كله إلا ذكر الله، أو قراءة القرآن، أو دعاء، أو أمرا بمعروف، أو نهي عن المنكر، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير أخرجه الترمذي (960)).

هذا كالاستدلال لما تقدم من مسائل، وهذا الحديث عامة أهل العلم على ضعفه، وأنه موقوف على ابن عباس، وعلى القول بصحته، فهو لا يدل على ما فهمه بعض أهل العلم من أنه يأخذ حكم الصلاة من كل وجه إلا ما كان من مشي واستقبال القبلة فأوجبوا الطهارة والاستتار وما أشبه ذلك بناء على أنه صلاة.

والصواب أن المقصود أن الطواف بالبيت صلاة أي دعاء يتقرب به إلى الله تعالى، فيشتغل الإنسان بالذكر والدعاء، وسائر ما يكون من القربات القولية المقارنة للتقرب الفعلي بالطواف بالبيت تعظيما لله عز وجل ذلك، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[الحج: 32]

قوله رحمه الله: (فصل فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم يقرأ فيهما بـ قل يا أيها الكافرون، وسورة الإخلاص).

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق