كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 474

التاريخ : 2026-08-04 15:53:04

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

صفة الحج:

يقول المصنف رحمه الله: (باب صفة الحج).

وقد بين في صفة الحج في هذا الباب ما يتعلق بالمكان، وما يتعلق بالزمان، وما يتعلق بالهيئة، وما يتعلق بالعمل، فالصفة تضمنت بيان هذه الأمور كلها.

قال رحمه الله: (يستحب لمن بمكة الخروج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة قبل صلاة الظهر).

لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومئذ، فصلى الظهر بمنى، فمن كان حرامًا خرج على حاله، أي: من كان قد بقي على إحرامه بعد قدومه إلى مكة، من قارن ومفرد، خرج على حاله، لا يحتاج إلى تجديد إحرام، ولا إلى تلبية خاصة، ومن كان حلالًا أي: ومن كان قد حل من المكيين الذين لم يحرموا في الأساس، والمتمتعين الذين تحللوا أحرم بالحج.

قال رحمه الله: (وفعل ما فعله عند الإحرام من الميقات).

أي من السنن والمستحبات، ومن حيث أحرم من الحرم جاز، فليس ثمة موقع أو مكان يقصد للإحرام في الحرم، بل الصحابة أحرموا من حيث نزلوا؛ قال لأن جابرًا، قال:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الأبطح"صحيح مسلم(1214)، أي من الموضع الذي نزلوا فيه مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طواف القدوم، وسعي الحج، نزل في الأبطح صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فأهلوا من موضع نزولهم.

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الإحرام بالحج للمكيين والمتمتعين يكون من الحرم لا من الحل، فلو أحرم المكي من الحل فإنه ترك ما شرع له من الإحرام من الحرم، واختلف العلماء في: هل يجوز ذلك أو لا؟

 فذهب الحنابلة وغيرهم: إلى أنه يكون قد ترك ما وجب عليه من الإحرام من الحرم، فهو كمن ترك الإحرام من الميقات، هذا إذا كان قد أحرم من الحل.

 وذهب الإمام مالك رحمه الله خلافا للجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنه يكون قد زاد فيما شرع له بما لا يترتب عليه أثر.

 وقال جماعة من أهل العلم: إن أحرم من الجهة المقابلة لعرفه من الحل، فيجوز؛ لأنه سيدخل الحرم، فيكون قد أتى بما شرع له من الإحرام من الحرم، فيكون كمن أحرم قبل الميقات.

وعلى كل حال الذي يظهر، والله أعلم، أن في الأمر سعة، وأن الأولى أن يحرم من الحرم.

قال رحمه الله: (والمستحب أن يطوف بالبيت سبعًا، ويصلي ركعتين، ثم يستلم الركن وينطلق منه مهلًا بالحج).

لأن عطاءً كان يفعل ذلك ذكر المؤلف أن المستحب لمن أحرم بالحرم أن يطوف ببيته سبعًا، ويصلي ركعتين، ثم يستلم الركن وينطلق منه مهلًا بالحج، لأن عطاءً كان يفعل ذلك، ولكن يقال: إن هذا الاستحباب لا دليل عليه، وفعل عطاء اجتهاد منه، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا الاستحباب هو أقرب إلى مخالفة السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أحدًا من أصحابه بهذا الذي ذكر، بل الحديث جاء بالصريح في أنهم أهلوا من البطحاء وتوجهوا إلى منى، فكيف يقال إنه يستحب أن يطوف بالبيت سبعًا، ويصلي ركعتين، ثم يستلم الركن وينطلق منه مهلًا بالحج يعني ملبيًا بالحج؟! هذا خلاف السنة، ولذلك الصواب أنه لا يستحب.

قال: (ويفعل في إقامته بمنى ورواحه منها ووقوفه مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم).

أي: ويسن أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يكون مما يستقبل من أعمال النسك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذوا مناسككُم عنّي»أخرجه النسائي (3062)، والطحاوي في أحكام القرآن (1359)، إسناده صحيح. البدر المنير لابن الملقن(6/183)، قال جابر: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمسصحيح مسلم(1218).

وذكر المؤلف رحمه الله صفة ما يكون من أعمال الحج في اليوم الثامن من المكث في منى، وصلاة الفرائض، والمسير إلى عرفة في ضحى يوم عرفة، والنزول بنمرة، حيث ضربت القبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزل بها حتى زالت الشمس، ثم لما زالت الشمس بادر إلى القصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، ثم أذن بلال لصلاة الظهر، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، جمع بين الصلاتين وقصر، ثم لم يصل بينهما شيئًا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حتى أتى الموقف أي موضع وقوفه في عرفة، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أولى ما فعل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بيان ما يكون من الأعمال في يوم الثامن وفي يوم التاسع.

قال رحمه الله: (ويستحب أن يخطب الإمام خطبة يعلم الناس مناسكهم، وفعلهم في وقوفهم، ودفعهم في أول ما تزول الشمس).

وهذه الخطبة كما ذكر المؤلف رحمه الله ليست شرطًا لصحة الصلاة، فلو صلى دون خطبة لم يكن ذلك مخلاً بصحة صلاته، فالخطبة مستحبة وليست فرضًا، ولا شيء يترتب عليه صحة الصلاة.

وما ذكر مما يكون من مضمون الخطبة متفق عليه بين أهل العلم أنه يعلم الناس المناسك، ويبين لهم ما يتعلق بأحكام النسك، وما يصلح به حالهم، وما يبين شرائع الإسلام، كما كانت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسن أن يقصر الخطبة، أي ألا يطيل فيها، لما كان من حديث سالم ويقارب ابن عمر رضي الله تعالى عنه.

قال رحمه الله: (ويأمر بالأذان، فينزل فيصلي بهم الظهر والعصر ويجمع بينهما بأذان وإقامتين للخبر).

 

قال: (ومن لم يصدر مع الإمام جمع في رحله).

يعني من لم يتمكن من الصلاة مع الإمام فإنه يصلي في رحله؛ لأنهما صلاة جمع، فشرع جمعهما في حق المنفرد، كصلاتي المزدلفة ثم يصير إلى موقف عرفة، وأين وقف منها أي من عرفة في أي موضع جاز لقوله صلى الله عليه وسلم: «عَرَفةُ كُلُّها مَوقِفٌ»صحيح مسلم(1218)، أي يستوي الوقوف فيها في كل مواضع ما يصدق عليه اسم عرفة.

ثم بين حدودها المعروفة في زمنه، قال: (وهي من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر إلى بطن عرنة).

فهذا ضبطها من جهة شمالها وشرقها وجنوبها وغربها، واليوم وضع من العلامات ما لا يلتبس به على الإنسان عرفة من غيرها.

قال في الاستدلال على أن الوقوف يكون في هذا الموضع الذي حدد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَرَفةُ كلُّها مَوْقِفٌ، وارفَعوا عن بطنِ عُرَنةَ»، فدل ذلك على أن ما كان خارجًا عن عرفة فإنه لا يوقف فيه، بل ينبغي أن يكون الوقوف في عرفة بقوله: «وارفَعوا عن بطنِ عُرَنةَ»، واختلف العلماء رحمهم الله في بطن عرنة هل هو من عرفة أو لا؟ على قولين: المذهب: أنه ليس من عرفة لهذا الحديث، وذهب مالك: إلى أن بطن عرنة من عرفة.

والأحوط للحاج أن يتحرى الوقوف فيما لا خلاف فيه من المواضع، وهو ما حد ما عدا بطن عرنة.

    

 

ثم قال رحمه الله: (فصل في الذكر والدعاء).

هذا الفصل بين فيه المؤلف رحمه الله أعظم ما يشرع في الوقوف بعرفة، فإن الوقوف بعرفة ليس فيه عمل أو انتقال أو ذهاب أو مجيء، بل هو موضع لذكر الله عز وجل ودعائه وتعظيمه وإجلاله، فهو يوم عظيم يشرع فيه الاجتهاد في الذكر والدعاء.

وفضائل يوم عرفة تنقسم إلى قسمين: فضائل تختص أهل الموقف، وفضائل تعم أهل الموقف وغيره، ففضل عرفة ليس مقصورًا على أهل الموقف يعني الحجاج، بل يشمل الحجاج وغيرهم، ومن ذلك الذكر والدعاء، فإن الأحاديث الواردة في ذلك لم تقصر فضائل يوم عرفة في الذكر والدعاء على أهل الموقف، فخير الدعاء دعاء عرفة، هذا للحاج ولغيره، و «خير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»أخرجه أحمد (6961)، والبيهقي في شعب الإيمان(3489) واللفظ لهما، والترمذي (3585)  يشمل الحاج وغيره، لكن يتأكد هذا في حق الحاج الذي خرج من أهله وماله وبلده، وكلف نفسه المجيء إلى هذه البقعة أن يكون أعظم اشتغالاً بالدعاء والذكر في هذا الموقف المبارك.

ومن الفضائل المشتركة بين أهل الموقف وغيرهم أنه يوم عتق، فما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وهذا يشمل أهل الموقف وغيرهم، لكن ميزة أهل الموقف بقية الحديث، فإنه ليدنو عز وجل فيباهي بهم الملائكة أي بأهل الموقف فيقول: «ما أرادَ هؤلاء؟» وقوله: «ما أرادَ هؤلاء؟» إشعار بأن ما طلبوه مجاب لهم، وأنه سيستجيب دعاءهم، وأيضًا يشعر بتعظيم هذا المجيء، حيث قال: «ما أرادَ هؤلاء؟» على وجه التعظيم والتفخيم لعملهم وجزيل ما يعطيه هؤلاء الذين جاؤوا إلى هذه البقعة طاعة لله وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. وما ذكر من الدعاء منه ما هو مأثور، ومنه ما هو لم يرد على وجه الخصوص في موقف عرفة، فيدعو بما يسر الله عز وجل، ويكثر من التهليل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو.

قال رحمه الله: (لوقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر).

هذا بيان لما يشرع في الوقوف بعرفة من جهة بيان زمانه، ومن جهة بيان جملة من أحكامه.

أما الوقت قال: (وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر).

هذا مذهب الحنابلة خلافا للجمهور، فوقت عرفة ثمة ما هو متفق عليه، فالاتفاق منعقد على أن من وقف بعرفة من بعد الزوال إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد وقف في وقت الوقوف المشروع، واختلفوا فيما إذا وقف نهارًا وانصرف قبل الغروب: فذهب الجمهور: إلى أنه ترك ما يجب عليه من البقاء في عرفة إلى غروب الشمس وذهاب الصفرة، لكنه لا يؤثر على صحة حجه، فيكون قد ترك واجبًا يجبره بدم.

 وذهب الإمام مالك: إلى أن من خرج من عرفة قبل غروب الشمس، ولم يرجع إليها نهارًا أو ليلاً قبل طلوع الفجر يوم النحر، فلا حج له؛ لأنه لم يجمع بين الليل والنهار في وقوفه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا في حق من وقف نهارًا بعد الزوال ثم انصرف.

أما من وقف ليلاً فالاتفاق منعقد على أنه أتى بما يجب عليه من الوقوف، ولا يلزمه شيء بترك الوقوف نهارًا، أما من وقف قبل الزوال، فالمذهب أنه وقف في وقت معتبر ويصح وقوفه، فلو انصرف قبل الزوال يكون قد ترك واجبًا يجبره بدم، والجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية يرون أنه لا حج له؛ لأنه لم يقف في الوقت، إذ إن أول وقت الوقوف بعرفة هو بزوال الشمس.

والأقرب والله تعالى أعلم هو ما ذهب إليه الحنابلة لعموم حديث عروة بن مضرس كما ذكر المؤلف رحمه الله، حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من شهدَ صلاتَنا هذه ووقفَ معنا حتى ندفعَ وقد وقفَ قبل ذلك بعرفةَ ليلًا أو نهارًا»أخرجه الترمذي (891)، وأبو داود (1950)، والنسائي (3043)، وابن ماجه (3016)، قال الشوكاني: حديث صحيح. السيل الجرار(2/212). ، فيستوي الوقوف في أي جزء من الليل السابق أو النهار السابق، فقد تم حجه وقضى تفثه، وهذا يشمل ما قبل الزوال، ويشمل من وقف بعد الزوال وانصرف قبل غروب الشمس خلافًا لمالك.

 

قال رحمه الله: (ومن حصل في عرفة).

أي جاءها في وقت الوقوف قائمًا أو قاعدًا أو مجتازًا أو نائمًا أو غير عالم بأنه عرفة، فقد أدرك الحج للخبر"، أي خبر عروة بن مضرس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط علمًا ولا زمنًا في الوقوف، بل قال: «من شَهِدَ صلاتَنا هذه» يقصد صلاة الفجر يوم النحر، «ووقفَ معنا حتى ندفعَ» يعني في مزدلفة، «وقد وقف بعرفة قبل ذلك» يعني قبل الصلاة وهو ما قبل الفجر من يوم النحر «ليلًا أو نهارًا» في ليلة النحر وفي نهار يوم عرفة، «فقد تم حجه وقضى تفثه»، ولم يشترط علمًا ولا وقتًا ولا صفة أو هيئة في الوقوف، فدل ذلك على ما ذكره المؤلف رحمه الله من أن من حصل في عرفة في وقت الوقوف قائمًا أو قاعدًا أو مجتازًا أو نائمًا أو غير عالم بأنه عرفة فقد أدرك الحج للخبر.

قال: (ومن كان مغمى عليه أو مجنونًا لم يحتسب له به).

لماذا؟

قال: (لأنه ليس من أهل العبادة بخلاف النائم).

فالمجنون فاقد العقل، والمغمى عليه ملحق به، ويفارقان النائم في أن النائم في حكم المستيقظ في جريان الأحكام عليه، ويفارق المغمى عليه في أنه إذا أوقظ استيقظ.

قال: (ومن فاته ذلك فقد فاته الحج).

أي من فاته الوقوف في هذا الزمن فقد فاته الحج، ويترتب عليه ما يتعلق بأحكام الفوات.

ثم قال المؤلف (قال ابن عقيل: والسكران كالمغمى عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادات).

فلو وقف وهو سكران لم يعتد بهذا الوقوف؛ لأنه ليس من أهل العبادات، الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَالنساء: 43) فليس هو من أهل العبادة.

قال: (ولا يشترط للوقوف طهارة ولا سترة ولا استقبال).

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما حاضت: «افعَلي ما يَفعَلُ الحاجُّ غيرَ أن لا تَطوفي بالبَيتِ»صحيح البخاري(1650).

قال رحمه الله (قال أحمد: يستحب أن يشهد المناسك كلها على وضوء).

أي إن السنة والمستحب أن يكون على وضوء في كل مناسكه، وهذا على وجه استحباب المحافظة على الطهارة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحافظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ» أخرجه ابن ماجه(277)، وأحمد (22414).

 

 

    

 

قال رحمه الله: (ويجب أن يقف حتى تغرب الشمس).

لأن النبي وقف كذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم، فإذا دفع قبل الغروب ثم عاد فلا دم عليه"؛ لأنه جمع بين الليل والنهار، فإن لم يعد فعليه دم؛ لأنه ترك نسكًا واجبًا، وقد جاء عن ابن عباس: "من ترك شيئًا من نسكه فليهرق دمًا" أخرجه مالك في موطأه (1583) .

قال: (ولا يبطل حجه).

لحديث عروة بن مضرس، خلافًا لما ذهب إليه مالك.

قال: (ومن وافى عرفة أي جاءها ليلاً-أجزأه).

وهذا محل اتفاق، من وافى عرفة ليلاً أجزأه أي: وقوفه ولا دم عليه بالاتفاق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه» أخرجه ابن ماجه (3015) بلفظه، وأبو داود (1949)، والترمذي (889)، والنسائي (3044).

قال: (يستحب ألا يدفع قبل الإمام).

يعني إذا غربت الشمس ينتظر حتى يكون أول من يدفع هو الإمام فيتبعه، والمقصود بالإمام من له الولاية على الحج، وما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفعوا قبله.

قال رحمه الله: (ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة).

هذا بيان ما يشرع للحاج في المزدلفة، وهي أولى المنازل التي ينزلها الحاج في الحرم، ولذلك سميت مزدلفة لأنه يقترب بها الحاج إلى الحرم، فهي أولى المنازل التي ينزلها الحاج إذا دخل الحرم، وسميت "جمعًا" لأنه يجتمع فيها الحجيج.

قال رحمه الله: (ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة، ويسير وعليه السكينة وإذا وجد فرجة أسرع).

أي في مسيره لحديث جابر في صفة خروج النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة، وكان يقول: «يا أيها الناس، السكينة السكينة» أي إلزموا السكينة ألزموها-حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء. ولم ينزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل لم تمس قدماه الأرض حتى بلغ صلى الله عليه وسلم المزدلفة إلا ما كان من نزول عارض، فقال له أسامة رضي الله تعالى عنه -وكان قد أردفه النبي صلى الله عليه وسلم-: "الصلاة"، قال: «الصلاة أمامك»، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي في خروجه وفي سائر تنقلاته صلى الله عليه وسلم حتى رمى جمرة العقبة.

فإذا وصل مزدلفة أناخ راحلته، ثم صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال، يجمع بينهما أي المغرب والعشاء لخبر جابر، والعلة في مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة في وصوله لمزدلفة امتثال ما أمره الله تعالى به من ذكر الله عز وجل في المشعر الحرام: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِالبقرة: 198، ومن ذكره الأذان والصلاة أول نزوله، فكان مبادرًا لامتثال ما أمره الله تعالى به من الذكر بإقامة الصلاة في أول وصوله إلى مزدلفة قبل إنزال رحله، وروى أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فصلى المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلوا ثم حلوا، أي نزلوا المقصود بالحلول هنا في قوله "ثم حلوا" أي نزلوا.

وإن صلى المغرب في طريق مزدلفة ترك السنة وأجزأه؛ لأن الجمع رخصة فجاز تركها كسائر الرخص يعني إن فرق ولم يجمع، وكذا لو جمع تقديمًا قبل خروجه من عرفة صح ذلك وجاز، إلا أنه خلاف السنة، ما لم يكن خروج الحجيج من عرفة متأخرًا بسبب التفويج، فهنا إذا خشوا أن لا يصلوا إلا بعد منتصف الليل؛ فليصلوا قبل انصرافهم.

قوله رحمه الله: (ثم يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر).

وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم أنه المشروع للحاج إذا جاء إلى مزدلفة أن يمكث فيها ويصلي فيها الفجر وينصرف منها قبل طلوع الشمس، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فبَات، ثم صلى الفجر في أول وقتها، ثم أتى المشعر الحرام وهو موضع المسجد الآن، ويقف ويستقبل القبلة، ويدعو بما فتح الله تعالى عليه من الدعاء والذكر امتثالاً لما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِالبقرة: 198

يقول المصنف رحمه الله في دليل ما ذكر المؤلف رحمه الله، دليل ما تقدم من صفة مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة وصلاته، واشتغاله بالذكر بعد صلاة الفجر إلى ما قبل طلوع الشمس وانصرافه إلى منى بحديث جابر، وهو أوسع الأحاديث في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رحمه الله: (وأين وقف من مزدلفة جاز"، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر»).

وإنما ذكر محسر على وجه الخصوص هنا، وعرنة في عرفة -ذكر عرنة على وجه الخصوص في قوله: «وارفعوا عن بطن عرنة» لأن محسرًا وعرنة يشبهان بعرفة وبمزدلفة، فعرنة يشتبه بعرفة، ومحسر قد يشتبه بمزدلفة، فلذلك نص عليه صلوات الله وسلامه عليه.

ثم بين حدها قال: (وحدها ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر).

وهذا شرقًا وغربًا.

(ويستحب أخذ حصى الجمار منها).

ولا دليل على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يلتقط له الحصى من الطريق، فلا تختص مزدلفة بذلك، فحيثما وجد الحصى لقطه في طريقه.

قال رحمه الله في تعليل الأخذ بالحصى من المزدلفة.

قال: (ليكون مستعدًا بالحصى حتى لا يشتغل بجمعه في منى عن تعجيل الرمي).

وذلك أن الرمي تحية منى لا يبدأ بشيء قبله، ومن حيث أخذه جاز، وعدده سبعون حصاة، أي عدد ما يرمى به من الحصى على وجه الكمال في الحج سبعون حصاة.

وصفته قالوا: يستحب أن يكون مثل حصى الخذف، أي في قدره، ويلقطهن لقطًا يعني من دون تكسير لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة: «القِطْ لي حصًى فلَقطتُ لَه سبعَ حصَياتٍ هنَّ حصَى الخَذفِ فجَعلَ ينفضُهُنَّ في كفِّهِ ويقولُ أمثالَ هؤلاءِ فَارْموا ثمَّ قالَ يا أيُّها النَّاسُ إيَّاكم والغُلوَّ في الدِّينِ فإنَّهُ أهْلَكَ من كانَ قبلَكُمُ الغلوُّ في الدِّينِ» رواه ابن ماجه أخرجه ابن ماجه (3029) واللفظ له، والحاكم (1711)، والبيهقي (9806).

بعد ذلك انتقل المؤلف إلى ذكر حكم المبيت بمزدلفة.

قال: (والمبيت بمزدلفة واجب، يجب بتركه دم).

والدليل لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بها وسماه موقفًا.

ثم قال: (وليس بركن).

إشارة إلى ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم من أن الوقوف بعرفة ركن، وهو قول في مذهب الشافعي أن الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به، واستدلوا لذلك بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِالبقرة:198.

وذكر المؤلف رحمه الله دليل عدم الركنية حيث قال: «الحجُّ عرفةُ، فمن أدرك عرفةَ فقد أدرك الحجَّ» أخرجه أبو داود(1949)، والنسائي(3044 )، وفي السنن الكبرى(3998 )، والترمذي(2975 ) ، وهذا يدل على أن الحج يتم ولو لم يقف بمزدلفة.

واختلف العلماء رحمهم الله فيمن لم يأت مزدلفة لمنع سير أو عذر: فذهب الحنابلة: إلى أنه يجبره بدم، وذهب الجمهور: إلى أنه إن عجز عن المجيء لحبس سير أو غير ذلك، فإنه لا شيء عليه، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وهو الراجح، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله.

    

 

قال رحمه الله: (ويجوز الدفع منها بعد نصف الليل).

هذا بيان أول وقت الدفع من مزدلفة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة لما روت عائشة قالت: «أرسل رسولُ اللهِ بأمِّ سلَمةَ ليلةَ النحرِ فرمتِ الجمرةَ قبل الفجرِ ثم أفاضتْ» رواه أبو داودأخرجه أبو داود (1942)، والدارقطني (2/276)، والحاكم (1723) ، وهذا الحديث لا دليل فيه على هذا التحديد؛ لأنه ليس فيه ذكر أنها دفعت من منتصف الليل، لكن قالوا إن الواجب هو المبيت، وأقله نصف الليل، أي أقل ما يتحقق به ذلك أن يمضي في مزدلفة نصف الليل.

وذهب آخرون: إلى أنه لا ينفر حتى يغيب القمر، لحديث أسماء رضي الله تعالى عنها، حيث إنها كانت تسأل عبدًا لها عن مغيب القمر، فلما أخبرها بأنه قد غاب نفرت، وهذا رواية في مذهب أحمد، وذهب الحنفية: إلى أن المطلوب من الوقوف بعرفة هو أدنى ما يكون من مرور، وأما المالكية: فقدروه بقدر إنزال الرحل وهو وقت يسير.

والأمر في هذا واسع لعدم ورود النص بتحديد القدر الذي يلزم المكث فيه، لكن قول الشافعية والحنابلة بتقديره بنصف الليل أحوط، ومقصودهم بنصف الليل يعني إذا جاء قبل منتصف الليل، أما إذا جاء بعد منتصف الليل فيكفيه أدنى ما يكون من مكث؛ لأنه يكون قد أذن له في الدفع، فمن جاء مثلاً الساعة العاشرة، فيمكث حتى يمضي نصف الليل، لكن من جاء مثلاً الساعة الواحدة، فقد جاء في وقت جواز الدفع، فله أن يدفع بعد نزوله ومروره بالمزدلفة.

قوله رحمه الله: (ويجوز الدفع منها بعد نصف الليل لما روت عائشة)

إلى آخر ما ذكر، ولا بأس بتقديم الضعفة ليلاً لهذا الحديث، ولما روى ابن عباس قال: «كُنتُ فيمَن قدَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ضَعَفةِ أهلِه» أخرجه البخاري (1678)، ومسلم (1293) من المزدلفة إلى منى متفق عليه.

قال: (ولا يجوز الدفع قبل نصف الليل، فمن خرج قبل ذلك، ثم عاد إليها في ليله فلا دم عليه، ومن لم يعد فعليه دم).

قال: (فإن وافها بعد نصف الليل فلا دم عليه).

يعني إذا دفع كما قلنا في عرفة سواء، فيكفيه أدنى ما يكون من المكث.

نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق