كتاب الحج من كتاب الكافي

من وحتى

عداد المشاهدات : 467

التاريخ : 2026-08-04 15:57:44

  

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

فباب الهدي، الهدي هو ما أهدي من النعم إلى الحرم قربة إلى الله تعالى، هذا تعريفه، وبه يعلم أن الهدي في اللغة وفي الاصطلاح يطلق على ما يبعث إلى الحرم من النعم، والنعم هي بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم.

باب الهدي:

يقول المؤلف رحمه الله: (يستحب لمن أتى مكة سواء أتاها في حج أو عمرة أن يهدي).

أي أن يصطحب معه هدياً، وعلل ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجته مائة بدنة رواه البخاري حديث(1718) ، ولم يقل في حجته، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبعث بالهدي إلى مكة وهو في المدينة، كما جاء ذلك في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أخرجه البخاري (5566)، ومسلم (1321) ، لكن ذكر المؤلف رحمه الله هذا على وجه الخصوص أي إتيانه صلى الله عليه وسلم بالهدي في حجة الوداع، لأنه ذكر أنه يستحب لمن أتى مكة، لكن هذا الاستحباب لا يختص بمن أتى مكة، بل يشمل من أتى مكة، ومن لم يأتها، فإن بعث الهدي إلى الكعبة، وإلى مكة مما ثبتت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث الهدي إلى مكة، وكانت رضي الله تعالى عنها أخبرت أنها كانت تفتل قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في المدينة لم يحرم عليه شيء مما أحل الله تعالى.

وقال: (ويستحب استسمانها واستحسانها).

استسمان الهدي المبعوث إلى مكة، أو المصطحب لمن أتى مكة، استسمانها أي طلب السمن فيها واستحسانها، أي طلب الحسن فيها، لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[الحج: 32]، والهدي من شعائر الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ[المائدة: 1] في سورة المائدة، يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ[المائدة: 2]، وقد قال جل وعلا في سورة الحج: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ[الحج: 36]، قال ابن عباس: هو الاستسمان والاستحسان والاستعظام.

ثم ذكر أفضل ما يهدى.

قال: (وأفضل الهدي والأضاحي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم على الترتيب).

واحتج لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «مَنِ اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعةِ غُسلَ الجَنابةِ ثُمَّ راحَ، فكَأنَّما قَرَّبَ بَدَنةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّانيةِ فكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّالِثةِ فكَأنَّما قَرَّبَ كَبشًا» أخرجه البخاري (881)، ومسلم (850) ، فجعلها مرتبة في المنزلة على حسب منزلة العبادة، فمن تقدم في الساعة الأولى كان أفضل ممن تقدم في الساعة الثانية، والثانية أفضل ممن كان في الساعة الثالثة.

وقوله رحمه الله: (ويجوز للمتطوع أن يهدي ما أحب من كبير الحيوان وصغيره وغير الحيوان. استئذاناً بهذا الحديث، إذ ذكر فيه الدجاجة والبيضة).

يعني أن هدي التطوع أوسع من الهدي الواجب سواء كان واجباً تقرباً مما يكون شكراً لنعم الله تعالى، أو كان جبراناً لنقص، فإن الواجب ينقسم إلى قسمين في الهدي: شكران وجبران، شكران هدي التمتع والقران، وجبران ما يجب في ارتكاب محظور أو ترك واجب، فما كان واجباً فإنه لا يجزئ إلا ما كان من بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.

وأما ما كان من هدي تطوعاً، فالمؤلف قال: ويجوز للمتطوع في الهدي اصطحاباً وبعثاً، أن يهدي ما أحب من كبير الحيوان وصغيره، مما يكون من بهيمة الأنعام، وهذا يفهم منه أنه لا يشترط فيه ما يشترط في الواجب من بلوغ السن الذي لا يجزئ ما دونه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: «لا تَذبَحوا إلَّا مُسِنَّةً»صحيح مسلم(1963)، بل يجزئ الصغير والكبير.

قال: (وغير الحيوان).

يعني غير الحيوان، مما يهدى من الأعيان.

قال: (استدلالاً بهذا الحديث).

أي استناداً إلى هذا الحديث حديث أبي هريرة، إذ ذكر فيه الدجاجة والبيضة، وهذا القول الذي ذكره ابن قدامة رحمه الله هنا هو ما ذهب إليه الظاهرية، وجاء عن الحسن بن صالح، وهو أن الهدي لا يقتصر على بهيمة الأنعام، بل يشمل غير بهيمة الأنعام، وجماهير العلماء في المذاهب الأربعة وغيرها أن الهدي لا يكون إلا من بهيمة الأنعام، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ[الحج: 28]، وبقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ[الحج: 34]، فخص ما يتقرب به إلى الله تعالى من الهدي والأضاحي ببهيمة الأنعام، وما ذكره ابن قدامة هنا لم يشر إليه في المغني، ولم أقف عليه قولا في المذهب في غير هذا المرجع.

وأما الاستدلال بالحديث، فالاستدلال بالحديث لا يظهر أنه مستقيم، وذلك أن ذكر هذه الأشياء من البيضة والدجاجة هي لبيان مراتب العمل والتقرب إلى الله تعالى بالدجاجة والبيضة يمكن أن يكون في غير الهدي، فذكر الإبل والبقر والغنم والدجاجة والبيضة هو ذكر لمراتب العمل مما يتقرب به الناس إلى الله تعالى بالصدقة، والإخراج في أوجه البر، ولا يلزم أن يكون ذلك في الهدي، فإن الهدي قد قصر وحصل ببهيمة الأنعام كما دلت على ذلك الآيات، وأيضاً هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا الصواب أنه في التطوع بالهدي لا يجزئ إلا ما يجزئ في الواجب من الهدي جنساً وشروطاً؛ جنساً من بهيمة الأنعام، وشروطاً من بلوغ السن المعتبرة، والسلامة من العيوب.

قال رحمه الله: (والأفضل بهيمة الأنعام).

يعني أفضل ما يتقرب به من الهدي المصطحب، أو المبعوث للحرم أن يكون من بهيمة الأنعام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى منها، فإن كانت إبلاً سن إشعارها بأن تشق صفحة سنامها اليمنى، حتى يسيل الدم ويقلدها نعلاً أو نحوه، وذكر الأصل في ذلك لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذِي الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها، أي جعل فيها شعراً يعلم به أنها هدي، فأشعرها في صفحة سنامها اليمنى مسلم (1243) ، وذلك بأن يشق سنامها بما يتبين به أنه هدي.

قال: (وسنة الدم عنها بيده).

وهذا من إظهار العبادة، لأنها من العبادات الظاهرة، فهي من شعائر الله عز وجل، ويقصد بها أيضاً التعظيم لله عز وجل، وإظهار العبودية له، وهذا كالعبادات التي شرعت ظاهرة، فالعبادات من حيث الإظهار والخفاء تنقسم إلى قسمين: عبادات يقصد إظهارها كصلاة الجماعة والحج والعمرة وإشعار الهدي، وعبادات يقصد إخفاؤها.

قوله رحمه الله: (ولأنها ربما اختلطت بغيرها).

هذا تعليل لمشروعية الإشعار.

قال: (ولأنها ربما اختلطت بغيرها، أو ضلت فتعرف بذلك فترد).

قال: (وإن كانت غنماً).

يعني إن كان الهدي المبعوث للحرم أو المستصحب لمن أتى مكة، كانت غنماً قلدت آذان القرب والعرى، أي جعل في أعناقها ما يدل على أنها هدي من القرب والعرى، لقول عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالاً". أخرجه البخاري ومسلم نحوه. أخرجه البخاري (5566)، ومسلم (1321) .

قال: (ولا يشعرها).

أي لا يجرحها كما هو شارع في الإبل لضعفها، ولأنه يستتر موضع إشعارها بشعرها وصوفها، فلم يشعر النبي صلى الله عليه وسلم الغنم، وأيضاً مثله البقر، فقد لا يظهر هذا، إنما الإبل يظهر لعلو السنام ولتحمله.

يقول رحمه الله: (ولا يجب الهدي بسوقه مع نيته).

هذا بيان أن الهدي إذا ساقه ناوياً التقرب بذبحه في الحرم، فإنه لا يكون بذلك متعيناً، بل يبقى طلقاً له أن يستبدله، وله أن يعدل عن التقرب به، لأنه لم يعينه، فلا يتحقق التعيين بمجرد النية، تعيين الهدي معناه أنه يلزم ذبحه، وليس له أن يرجع عن ذلك، ويترتب أحكام أخرى بالتعيين، فتعيين الهدي لا يكون بمجرد النية، هذا مقصود الفصل، بل لا بد من فعل من إشعار أو تقليد أو قول، لا بد من فعل أو قول؛ الفعل كالإشعار، ووضع القلائد على الهدي، أو باللفظ بأن يقول: هذا هدي، أو هو لله، ونحو ذلك، وأيضاً مما يتعين به الذبح، وهذا مندرج تحت الفعل.

إذًا تعين الهدي لا بد فيه من فعل أو قول، أما مجرد النية فإنه لا يتعين بها.

ولذلك قال: ولا يجب الهدي بسوقه مع نيته، ونظر ذلك.

قال: (كما لو أتى بصدقة بالمال بخروجه به).

يعني لو وضع في يده مالاً نوى به الصدقة وخرج ليتصدق به، فإنه لا يجب عليه إمضاء ذلك، لأنه ما زال في يده.

قال: (ويبقى على ملكه).

هذا مقتضى عدم التعيين أنه يبقى على ملكه.

قال: (ونماؤه له حتى ينحره).

أي أنه إذا لم يعينه بلفظ ولا بفعل، كالإشعار والتقليد، فإن ملكه باقٍ على هذا الهدي، وله التصرف فيه بجميع أوجه التصرفات، وما ينتج عنه وهو نماؤه، فإنه في ملك صاحبه.

قال: (حتى ينحره، فإذا نحره تعين).

ومعنى ذلك أنه يكون هدياً ويثبت فيما يثبت في الهدي.

قال: (وإن قلده وأشعره وجب).

أي كان هدياً واجباً بالإشعار والتقليد، ونظره كما لو بنى مسجداً وأذن للصلاة فيه يكون وقفا.

قال: (وإن نذره أو قال: هذا هدي أو لله وجب).

هذه الصورة الثانية من أوجه التعيين، التعيين يكون كما ذكرنا بالفعل، وذكر ثلاثة أمور: التقليد والإشعار والذبح، ويكون بالقول كما لو قال: هذا نذر، أو هذا هدي، أو هذا لله.

قال: (وجب).

لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فأشبه لفظ الوقف. ثم بعد أن ذكر بماذا يحصل التعيين، انتقل إلى أثر التعيين، ما أثر التعيين؟

قال: (وله ركوبه عند الحاجة من غير إضرار به، فإن استغنى فإنه لا يلزم أن يركب).

هذا أول ما يتعلق بالتعيين من الأحكام التي ذكرها المؤلف رحمه الله، واستدل لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ورواية أبي داوود قال: «اركَبْها بالمَعروفِ، إذا أُلجِئتَ إليها» أخرجه مسلم (1324). ، هذا دليل قيد عند الحاجة «حتَّى تَجِدَ ظَهرًا» طيباً، أما قوله من غير ضرر؟

قال: (فإن نقصها ضمنها).

أيضاً من النقص الحاصل، لأنه تعلق حق غيره بها من غيره؟

قال: الفقراء والمساكين.

قال: (وإن ولدت).

هذا فيما يتعلق بما يحصل من نماء، إن ولدت، يعني نمت بالولادة.

(فولدها بمنزلتها).

يعني يكون هدياً يذبحه معها، واستدل لذلك بأثر علي رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلاً يسوق بقرة معها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإن كان يوم النحر فانحرها وولدها. قال: (ولأنه هذا التعليل بعد الأثر معنى تصير به لله تعالى، فاستتبع الولد كالعتق).

أيضاً من الأحكام قال: وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها لما تقدم، ولقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[الحج: 33]، من الأحكام أيضاً.

قال: (ولا يجوز أكثر من ذلك للخبر).

يعني أكثر مما يفضل عن ولدها، فلا يزاحم ولدها في اللبن.

قال: ولأن اللبن غذاء الولد، فلا يجوز منعه منه كما لا يجوز منع الأم علفها، فإن لم يمكنه المشي، يعني إن كان الولد لا يمكنه المشي، ولد الهدي لا يمكنه المشي، حمله على ظهرها، على ظهر أمه، وذكر فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فإن لم يمكنه حمله ولا سوقه، صنع به كما يصنع بالهدي الذي يخشى عطبه، وسيأتي أنه يذبحه في موضعه، ويجري فيه ما يجري في الهدي.

قال: (وإن كان عليه صوف، في جزه صلاح له أن يصلح بقطعه وجزه جزه، وتصدق).

أي تصدق بالصوف الذي جزه.

قال: (لأنها تسمد فتنفع المساكين، وإن لم يكن جزه صلاح لم يجز أخذه لأنه جزء منها).

أي جزء من الهدي، وينفع الفقراء عند ذبحه.

قال: (وإن أحصر).

أي عن الوصول إلى البيت، بأن منع من الوصول إلى البيت نحره، أي في موضع حصره، ولذلك قال: نحره حيث أحصر، واستدل بما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم في عام الحديبية، حيث حصر صلى الله عليه وسلم ونحر هديه بالحديبية.

قال: (وإن تلف).

فهذا ما يترتب على تعيين الهدي.

قال: (وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه).

لأنه أمانة عنده، فلم يضمنه من غير تفريط كالوديعة، فإن تعيب، يعني أصابه عيب، ذبحه وأجزأه، لأنه لا يضمن جميعه فيما إذا تلف، فبعضه أولى، نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق