من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 96

التاريخ : 2024-02-23 22:38:52


بسم الله الرحمـٰن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه, وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إليه بإذنه، وسراجا منيرا؛ فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أيّها الإخوة الأحباب، أسأل الله –تعالى- أن يجعل هـٰذا المجلس مجلسا مباركا، وأن يبارك في هـٰذه الدورة التي تكررت على مدى تسع سنوات، هـٰذه الدورة التاسعة في هـٰذا الجامع المبارك جامع عبد اللطيف آل الشيخ.

فنسأل الله –تعالى- أن يجزي الإخوة القائمين على هـٰذه الدورة خير الجزاء، وأن ينفع بهـٰذه الدورات العلمية التي يحصل فيها من الخير ونشر العلم وتقريب العلوم وتيسير اللقاء بطلبة العلم وأهل العلم ما هو مشهود ملموس.

ولهـٰذا فإنّ البذل والعطاء والمعاونة والدّعم لمثل هـٰذه المشاريع هو من الأجر الباقي للإنسان، فإن العلوم التي تُعلّم في مثل هـٰذه الدّورات هي من العمل الذي يُرجى ثمره، وتُؤمّل بركته فيما بعد الموت.

فأسأل الله –تعالى- أن يأجر القائمين على هـٰذه الدورات خيرًا، وأن يمدهم بعون منه وتأييد، وأن يرزقنا وإياكم الاستفادة من هـٰذه الدروس التي تقرِّب فيها العلوم.

كما أنه من المهم بين يدي هـٰذه الدّورات أن نستحضر أمرًا مهما أن هـٰذه الدّورات هي في الحقيقة مفاتيح للعلم، وليست غايات ونهايات للعلم، إنما هي في الحقيقة مفاتيح يدرك بها الإنسان شيئا من العلوم التي تفتح له الطّريق وتيسر له تحصيل ما وراءها من العلوم، فمَن كان يظنّ أنه بحضور دورة أو بملازمة درس حاز العلم فقد أخطأ، فإن هـٰذه الدورات -في الحقيقة- بدايات ومفاتيح تقرِّب فيها العلوم وتيسر فيها المغلقات من أبواب العلم، ويعتني فيها بالضوابط والقواعد، وأما تفاصيل الأبواب العلمية فهـٰذا يحتاج إلى دروس متطاولة، ويحتاج إلى عناء متتابع حتى يدرك الإنسان العلم.

يا إخواني العلم أشرف ما يشتغل به الإنسان، وأعظم ما يمنّ الله –تعالى- به على العبد أن يسلك به هـٰذا الطريق، الذي هو طريق الجنة ((من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)) سنن الترمذي: كتاب العلم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم(2682). سنن ابن ماجه: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم (223).قال الشيخ الألباني: صحيح. أقرب الطُّرق الموصلة إلى الجنة هو طريق العلم، ولذلك قال الإمام أحمد -رحمه الله- لما سئل عن أطيب العمل؟ قال: طلب العلم لمن صحّت نيته. العلم لا عِدْل له  لمن صحت نيّته. أي لمن سلم قصده وغرضه فإنه مشهود البركة، ملموس الخير على الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا يستبصر الإنسان مواقع الهدى ويدرك بالعلم الحق ويميز بين الخير والشر.

وأما فيما يتعلّق بالآخرة فإنه أقصر الطرق التي يصل بها الإنسان إلى الله تعالى.

ويمكن اختصار هـٰذه الكلمة في كلمات؛ أي اختصار أهمية العلم في كلمات:

العلم علمان:

·       علم بالله تعالى.

·       وعلم بالطريق الموصل إليه.

العلم بالله هو الغاية والمنتهى والمطلوب.

والعلم بالطريق الموصل إليه هو العلم بالحلال والحرام، العلم بالأحكام الشرعية التي بها يدرك كيف رضوان الله –تعالى- ومرضاته، هـٰذا هو العلم، العلم الشرعي لا يخرج عن أحد هذين، كل ما يكون من العلوم الشرعية فإنه يدور على تحقيق هذين الغرضين.

ولذلك إذا أردت أن تعرف مدى ما حصّلت من العلم فانظر قدر نصيبك من هذين الشيئين:

·       إلى نصيبك من العلم بالله تعالى الذي هو الأصل.

·       ثم العلم بالطريق الموصل إليه.

وهـٰذا يختلف فيه الناس باختلاف طبقاتهم وجهدهم وأعمارهم وما أمضوه في التحصيل؛ لكن به يدرك الإنسان مراضي الله جل وعلا.

فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنّ علينا بالعلم به وبالعلم بالطريق الموصل إليه، وأن يجعلنا من أوليائه وحزبه، وأن يرزقنا البركة في العمر والعمل وأن يجعلنا من المباركين أينما كانوا وحيثما حلّوا.

درسنا -إن شاء الله تعالى- في هـٰذا المجلس على مغرب هـٰذا الأسبوع –إن شاء الله تعالى- سيكون في رسالة وجيزة مختصرة لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وهي رسالة موسومة بـ(حقيقة الصيام)، هـٰذه الرسالة من اسمها يتبين موضوعها، فإن هـٰذه الرسالة وُسمت بهـٰذا الاسم (حقيقة الصيام) ولمعرفة مضمون هـٰذه الرسالة نحتاج أن نعرف ما معنى حقيقة الصيام.

(حقيقة) فعيلة، مأخوذة من الحق، والحق هو مطابقة الواقع وموافقته، الحق هو مطابقة الشيء لواقعه وموافقته. فـ(حقيقة الصيام) هي مطابقة العمل للصيام المشروع، فحقيقة الصيام هي المواصفات التي يتحقق بها الصوم الشّرعي، ويمكن أن يقال: حقيقة الصيام هو كنهه، وكيفيته التي يتحقق بها مقصود الشّارع من الصّيام.

و(الصّيام) هو تلك الفريضة التي فرضها الله –تعالى- على عباده فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ سورة: البقرة الآية (183). وأجود ما يعرّف به الصيام أنه التعبّد لله –تعالى- بالإمساك عن المفطّرات من طلوع الفجر  إلى غروب الشمس. هـٰذا أجود ما يعرّف به الصوم، وذكر التّعبد ليتميّز الصيام المشروع عن غيره، فإنّ الإنسان قد يمسك عن الطعام والشراب وسائر محظورات الصيام وممنوعات الصيام لغرض من الأغراض إما حمية وإما مصلحة من المصالح يدرك بها نفعا من المنافع؛ لكن المشروع هو التعبد لله تعالى بهـٰذا الإمساك، فلهـٰذا كان ذكر التعبد في تعريف الصوم مميزا له عن غيره، إذا نظرنا إلى تعريفات العلماء للصيام غالبهم لا يذكر التعبد، إنما يذكرون الإمساك فيقولون: الصوم هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

فلماذا لم يذكروا التعبّد؟ لم يذكروه لأن الصوم عبادة، فهم يعرّفون الصوم العبادي.

وكذلك في الصلاة، يقولون: أفعال مفتتحة بالكبير ومختتمة بالتسليم. فلا يذكرون التعبّد.

الحج؛ قصد البيت الحرام في وقت معلوم بأفعال مخصوصة، لا يذكرون التعبد.

الزكاة؛ إخراج قدر من المال في وقت مخصوص على صفة مخصوصة لجهات مخصوصة، لا يذكرون التعبد، لماذا؟ لأنهم قد فرغوا من هـٰذا بأن هـٰذه عبادات، فهم يعرّفون العبادات.

والأنسب في التعريف الذي يذكره الإنسان لطلبة العلم وغيرهم، أن يذكر التعبد لأنه به يتميز العمل عن غيره، وحتى يتنبه المطالع أو القارئ لهـٰذه التعاريف أن الصوم الذي يُعرّف هو عبادة وليس مجرد إمساك دون عمل باطن وهو القصد والغرض الذي من أجله يصوم الإنسان.

إذن تعريف الصوم هو: التعبد لله –تعالى- بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هـٰذا هو التعريف الشرعي للصوم.

واختصرنا القول فيما يتعلق بالتعريف اللغوي وأصل الكلمة وشواهد هـٰذا لوضوحه ولعدم إطالة المقام بذكر هـٰذه الزوائد التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بمطالعة أي كتاب من الكتب التي تكلمت عن الصوم من كلام الفقهاء أو من كلام شراح الحديث.

إذن (حقيقة الصيام) هـٰذه الرسالة تدور على بيان كيفية الصيام المشروع، وبيان كنه الصيام الذي تعبد الله –تعالى- به الخلق.

هـٰذه الرسالة تدور على بيان المفطرات، لم يتطرق المؤلف لشيء في هـٰذه الرسالة غيرَ المفطّرات فلم يبحث مثلا في ما يثبت به شهر رمضان، ولم يبحث في مكروهات الصيام، ولم يبحث في شروط وجوب الصيام، وهـٰذا ما درج عليه الفقهاء في مؤلفاتهم.

إنما بَحْثه في هـٰذه الرسالة عن أحكام المفطِّرات، وهـٰذا بحث متخصِّص، فهي رسالة معنيَّة ببيان أحكام الفطر؛ يعني ما الذي يفطِّر؟ ما الذي لا يفطِّر؟ الرسالة من أولها إلى آخرها تدور على هـٰذا الأمر.

ومن المهم في قراءة هـٰذا الكتاب أن نعتني بالضوابط والقواعد التي يذكرها المؤلف -رحمه الله-؛ لأن المؤلف طبق هـٰذه القواعد والضوابط على المسائل التي بحثها، ولكن جدّت قضايا كثيرة من مسائل النوازل لم يتكلم عنها المؤلف -رحمه الله-، فيسترشد طالب العلم بتلك القواعد والضوابط لمعرفة أحكام تلك النوازل فيما يتعلق بتأثير تلك النوازل على الصيام.

فمثلا البخّاخات التي يستعملها مرضى الصدر هـٰذه لم يتكلّم عنها المؤلف -رحمه  الله-، اللَّصقات التي توضع على البدن إما ليستغني بها الإنسان عن شيء يحتاجه البدن اعتاد عليه كالذين يشربون الدخان فيستعملون اللاصقات على البدن، هل هـٰذه تفطر أو لا تفطر، كل هـٰذه القضايا النّازلة التي يبحثها الفقهاء المعاصرون ويتناولونها يحتاج طالب العلم إلى أن يدرك الأصول التي يبنى عليها الباب حتى يستطيع أن يجيب عن القضايا النازلة والمسائل الحادثة.

ولذلك ينبغي في قراءتنا لهـٰذا الكتاب أن نعتني وأن نهتم بقضية الضوابط والقواعد التي من خلالها يحكم على شيء بأنه مفطّر أو غير مفطِّر، هـٰذه من المهمّات الأساسية.

قد يقول القائل: من المهم أن نخرج فيما ذكره الشيخ مثلا عن الحجامة، ما رأي الشيخ في الحجامة، ليس مهمّا أن تعرف رأيه في الحجامة بقدر أن تعرف كيف حكم على الحجامة أنها مفطرة أو ليست مفطرة. وهـٰذه مسألة تخفى على كثير من طلاب العلم، حيث يهتمون بالنتائج في كثير من المسائل العلمية، في حين أنه ينبغي لطالب العلم أن لا يقتصر همّه على النتيجة، النتيجة مهمة لا شك؛ لكن ليست هي الغرض والحاجة التي ينبغي أن نوفر هممنا عليها.

هناك في أي مسألة فقهية مرحلتان:

المرحلة الأولى: آلية التفقّه.

المرحلة الثانية: النّتيجة.

كثير من طلاب العلم عنايتهم بالنتائج؛ لكن لا يهتمون بالمقدمات، ولا يهتمون بالخطوات التي سلكها الفقيه حتى أوصلته إلى هـٰذه النتيجة، فبالتالي هو لا يعرف إلا النتائج، في حين أنّ المقدمات ضرورية لطالب العلم حتى يدرك كيف يكون فقيها، وكيف يستطيع أن يتوصّل إلى أحكام المسائل التي لم تمر من خلال دراسته على فلان أو قراءته لكتب فلان. هـٰذه مسائل مهمة في طريق الإنسان في التعلم سواءً في هـٰذا الباب أو في غيره من أبواب العلم. هـٰذه مقدمات نسأل الله –تعالى- أن يجعل فيها نفعا وبركة، ونبدأ القراءة في هـٰذه الرسالة.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق