مناسك الحج من الروض المربع

من 2024-06-01 وحتى 2030-06-17
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 88

التاريخ : 2024-06-13 03:32:06


 الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

يقول المصنف–رحمه الله-: (والأضحية: سنة مؤكدة على المسلم، وتجب بنذر).

أي: إن الأضحية سنة جاء الندب إليها على وجه التأكيد على أهل الإسلام، لا خلاف بين أهل العلم في مشروعيتها, يدل له أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» أخرجه مسلم في صحيحه (1977), وجه الدلالة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-علق الأضحية على الإرادة، ومثل هذا يدل على الاستحباب والندب لا عن الوجوب، فالوجوب لا يعلق عادة على الإرادة.

قالوا: ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تجب كالعقيقة، ولا فرق في الندب إلى الأضحية بين الغني والفقير لعموم ما تقدم.

وعن أحمد رواية أن الأضحية واجبة، وهو قول أبي حنيفة –رحمه الله-؛ لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» أخرجه ابن ماجه في سننه (3123).

وأجيب عليه بأن الحديث ضعيف، ولو صح فهو محمول على تأكيد الاستحباب نظير قول النبي –صلى الله عليه وسلم-«من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا» أخرجه أبو داود في سننه (3827)، وهذا لا يدل على التحريم.

واستدلوا أيضًا للوجوب بقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ» أخرجه ابن ماجه في سننه (3125). والحديث أخرجه ابن ماجه إلا أن إسناده فيه مقال، وقيل بأنه منسوخ.

وعلى تقدير صحته وعدم نسخه يحمل على تأكيد استحباب الأضحية على نظير قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «غُسلُ يومِ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلِمٍ» أخرجه البخاري (879)، ومسلم (846) من حديث أبي سعيد الخدري.

ويجزئ في تحصيل السنية شاة واحدة، وهذا لا خلاف فيه، فتجزئ الشاة عن الإنسان، وعن أهل بيته وعياله على الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد، وذهب إليه الأكثرون.

وعلى هذا تكون الأضحية سنة على الكفاية في حق أهل البيت الواحد، فإذا ضحى أحدهم حصل سنة التضحية في حقهم، والأصل فيه فعل النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإنه ضحى عن نفسه وعن أهل بيته، ففي الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي –صلى الله عليه وسلم-أتى بكبش ليضحي به فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّد...» أخرجه مسلم (1967) .

وعن جابر أن النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ذبح كبشَين أقرنَين أملحَين مُوجَئَيْنِ, وقال في ذبحه لهما « اللهم منك ولك, عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر» أخرجه أبو داود (2795) . ويدل له أيضًا حديث أبي أيوب أن شاة واحدة تكفي البيت الواحد ما جاء عن أبي أيوب قال: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ الناس»أخرجه الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147). هذا هو الصحيح من المذهب وبه قال الجمهور.

وقيل: لا تجزئ إلا عن واحد، فقيل: لا تجزئ الأضحية إلا عن واحد، والذي يظهر والله تعالى اعلم هو القول الأول.

  

 وقوله: (وتجب بنذر).
 أي إن الأضحية لا تجب إلا بالنذر، وهذا كالتأكيد عن السنية والتنبيه إلى عدم الوجوب إلا بالإلزام والدليل ما تقدم من حديث أم سلمة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «من أراد أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً حتى يضحي» أخرجه مسلم في صحيحه (1977).

وجه الدلالة واضح هو تعليق الأضحية بالإرادة والواجب لا يعلق على الإرادة، واستدلوا أيضًا بما رواه الدارقطني قال –صلى الله عليه وسلم-: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضٌ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ , وَالْوِتْرُ , وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ»سنن الدارقطني(1631), والمقصود بالنحر الأضحية، لاي كاد يستأنس به ولا يسد؛ لأنه ضعيف.

  

قوله –رحمه الله-: (وذَبحُهَا: أفضَلُ من الصَّدَقَةِ بثَمَنِها: كالهَدي والعَقيقَةِ؛ لحديثِ: «ما عَمِلَ ابنُ آدمَ يَومَ النَّحرِ عَمَلًا أحبَّ إلى اللَّهِ مِن إراقَةِ دَمٍ» أخرجه ابن ماجه (3126) من حديث عائشة، وضعفه الألباني ).

أي إن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها، أو أكثر إذا صدق به لأنه ليس المقصود الصدقة فقط، بل المقصود التقرب إلى الله تعالى للذبح، يدل له قول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: 37]، ولما ذكره الشارح من حديث «ما عَمِلَ ابنُ آدمَ يَومَ النَّحرِ عَمَلًا أحبَّ إلى اللَّهِ مِن إراقَةِ دَمٍ» أخرجه ابن ماجه (3126) من حديث عائشة ، ولأنه –صلى الله عليه وسلم-والخلفاء بعدهم واظبوا على الأضحية، وعدلوا عن الصدقة بثمنها، وهم لا يواظبون إلا على الأفضل، ولأن في الأضحية الجمع بين الصدقة وبين التقرب إلى الله تعالى بالذبح، وسائر ما يشرح فيها من تعظيم شعائر الله –عز وجل-بخلاف الصدقة، فهي إخراج مال فقط، لنفع فقيه، كل هذه الأوجه تؤيد ما ذكره –رحمه الله-من أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها.

  

قوله –رحمه الله-: (وسُنَّ: أن يأكُلَ من الأُضحِيَةِ, ويُهدِيَ، ويَتصدَّقَ أثلاثًا: فيأكُلُ هو وأهلُ بيتِه الثُّلُثَ، ويُهدِي الثُّلثَ، ويَتصدَّقُ بالثُّلثِ، حتى مِن الواجِبَةِ).

أي: إنه يسن في الأضحية أن يأكل منها، وأن يتصدق ويهدي، والدليل قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: 28] فكلوا منها هذا دليل مشروعية الأكل، واطعموا البائس هذا الوجه الثاني وهو المحتاج والفقير الذي قل ما في يده حتى بلغ حد الفقر.

ويدل له أيضًا ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج: 36] والقانع هو السائر، والمعتر الذي يعتر بالإنسان ويتعرض له دون سؤال.

وقد جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم-أنه قال: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا » أخرجه البخاري (5569)، ومسلم (1973) ، والإطعام يشمل إطعام الفقراء وإطعام غير الفقراء بالهدية.

 والمستحب في قدر ما يأكل الظاهر كما ذكر المؤلف أنه أثلاث، والذي يظهر أنه المستحب أن يأكل ما تيسر، والدليل أن النبي –صلى الله عليه وسلم-وتحقق سنية الأكل بأكل ما تيسر لما جاء في حديث جابر «أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» أخرجه مسلم (1218) ، ويجزئه في كل هذه الأمور الثلاثة اليسير يجزئهم يتصدق باليسير ويهدي اليسير ويأكل اليسير.

قوله: (وسُن أن يأكل) الثلث، (ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث).

 هذا على أعلى ما يكون من تحقيق المطلوب على ما دلت الآية، وقال ابن عمر: الهدايا والضحايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين، وجاء نظيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ينظر: المبدع في شرح المقنع(3/272).

قوله: (حتى من الواجبة).

 أي أنه يسن الأكل والإهداء والتصدق من الأضحية، ولو كانت الأضحية واجبة بالنذر أو واجبة بالتعيين، فحكمها حكم المتطوع بها.

وفي وجه أنه لا يأكل من الواجبة، والصواب أنه يسن في الأضحية الأكل سواء كانت واجبة أو متطوعًا بها.

قوله –رحمه الله-: (وما ذبح ليتيم ومكاتب: لا هدية ولا صدقة منه).

فإنه يستثنى من جعل الأضحية أثلاث: أضحية اليتيم، فإن الولي لا يتصدق منها بشيء ولا يهدي، بل يوفرها لليتيم لأن الصدقة لا تحل بشيء من ماله تطوعًا.

قال الماوردي –رحمه الله-: ولو قيل بجواز الصدقة والهدية منها باليسير عرفا لكان متجها، هذا هو المشروع في الأضحية ولا في فرق في أن يكون ذلك عن يتيم أو عن غيره.

قوله –رحمه الله-: (وهدي التطوع والمتعة والقران كالأضحية).

أي: انه يسن في هدي التطوع وهدي التمتع والقران ما يسن في الأضحية من الأكل والإهداء والتصدق سواء في ذلك ما أوجبه بالتعيين من غير أن يكون واجبا في ذمته، وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا [الحج: 36] وأقل أحوال الأمر بالاستحباب، ولفعل النبي –صلى الله عليه وسمل-حيث أكل من هديه –صلى الله عليه وسلم-ولقوله: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» أخرجه البخاري(1719), ومسلم (1972) ، ولغير ذلك من الأدلة الدالة على أنه لا فرق في هذا بين الأضحية وهدي القران والتمتع.

قوله –رحمه الله-: (والواجب بنذر أو تعيين: لا يأكل منه).

أي: ما وجب بنذر من الهدي، فإنه لا يأكل منه كما لو نذر أن يهدي هديًا فإنه لا يأكل منه، وكذلك ما عينه من الهدي، وظاهره قوله: (والواجب بنذر أو تعيين لا يأكل منه) أن ذلك مطلق، وقيد بما إذا كان واجبا قبل التعيين ثم عينه، لا ما عين ابتداء، وهذا أقرب إلى الظاهر.

وقيل: بل يستحب الأكل من الهدي ولو وجبه بالتعيين.

وقوله –رحمه الله-: (وإن أكلها أي: الأضحية إلا أوقية تصدق بها، جاز لأن الأمر بالأكل والإطعام مطلق، وإلا يتصدق منها بأوقية بأن أكلها كلها ضمنها أي: الاوقية بمثلها لحما لأنه حق يجب عليه أدائه مع بقاءه فلزمته غرامته إذا أتلفه كالوديعة).

 فيجوز للمضحي أن يأكل الأضحية كلها، إلا مقدار الأوقية، فإن أكلها ولم يبقي شيئًا وجب عليه أن يخرج ما يقع عليه اسم الصدقة؛ لأن الأمر بالأكل والإطعام جاء مطلقا، فيخرج عن العهدة بصدقة الأقل، ولأن ما أبيح له أكله لا تلزمه غرامته، وإنما يلزمه غرم ما وجبت الصدقة به وهو أقل ما يكون، ويعتبر في الصدقة تمليك الفقير كالزكاة، فلا يكفيه إطعامه لأنه إباحة، يعني لو أنه طبخ الهدي وقدمه في محله ليأكل منه الناس هذه إباحة، فلا يتحقق به ما ندب إليه من الصدقة، إلا بالتمليك وليس بالإباحة فقط.

  

قوله –رحمه الله-: (ويحرم على من يضحي أو يضحى عنه: أن يأخذ في العشر الأول من ذي الحجة من شعره أو ظفره أو بشرته شيئًا إلى الذبح؛ لحديث مسلم عن أم سلمة مرفوعًا: «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» أخرجه مسلم في صحيحه (1977).
أي: أنه يحرم على من يضحي أن يأخذ في عشر ذي الحجة من شعره، أو ظفره، أو بشرته شيئًا حتى يذبح للنهي في الحديث الذي ذكره الشارح، ومقتضى النهي التحريم.

وفي وجه لا يحرم ويكره، استدلوا لذلك بأن عائشة قالت: «كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» أخرجه البخاري (1613), ومسلم(1321)، فحمل حديث أم سلمة المتضمن للنهي على الكراهة؛ لأن أدنى أحوال النهي الكراهة، وهذا قول الجمهور فخصوا دلالة النهي بالتحريم على الكراهة وهذا القول هو قول الجمهور، وهو وجه في مذهب الإمام أحمد –رحمه الله-وهو أقرب إلى الصواب أن النهي محمول على الكراهة، لا على التحريم.

وقوله: (أو يضحى عنه). أي أن هذا النهي عن الأخذ من الشعر أو البشر سواء كان القول بالتحريم أو بالكراهة يشمل المضحي ومن يضحى عنه.

قول المصنف –رحمه الله-: والشارح: (ويحرم على من يضحي أو يضحى عنه) شامل لمن ضحى سواء باشر الأضحية بنفسه، أو ضحى عنه غيره، لكن لو ضحى هو عن غيره هذه المسألة خارجة عن موضع البحث على الراجح من كلام الشراح.

قوله –رحمه الله-: (وسن: حلق بعده).

أي: أنه يسن الحلق بعد ذبح الأضحية لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه حلق رأسه حين ذبح أضحيتهأخرج مالك في الموطأ حديث(1763)، وعللوا ذلك قالوا: تعظيمًا لذلك اليوم وأنه كان ممنوعًا قبله، فاستحب له ذلك كالمحرم.

وعن أحمد رواية لا يسن الحلق بعد ذبح الأضحية، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الأقرب إلى الصواب لعدم الدليل على السنية، وما جاء عن ابن عمر يحمل على أنه محتاج إلى ذلك لا على أنه فعل ذلك تقربًا إلى الله –عز وجل-بالحلق.

  

قال –رحمه الله-: (فصلٌ) (تسن: العقيقة) وهي قد بينها بقوله (الذبيحة عن المولود).

والعقيقة فعيلة مأخوذة من عق والمقصود به القطع.

وقوله –رحمه الله-: (تسن العقيقة).

 أي: إن ذبح العقيقة عن المولود سنة، وهذا قول عامة أهل العلم، فقد عق النبي–صلى الله عليه وسلم-عن الحسن والحسين كبشا كما في السنن من حديث ابن عباسأخرجه أبو داود (2841)، والنسائي (4230)، وقد ندب –صلى الله عليه وسلم-في أحاديث عديدة إلى العقيقة، منها حديث أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» أخرجه البخاري معلِّقًا مجزومًا به (5472)، وأبو داود (2839)، والترمذي (1515), وجاء نظيره من حديث سمرة بن جندب أخرجه أبو داود (2838)، والنسائي (7/ 166)، والترمذي (1522)، وابن ماجه (3165) وغيرهم، ومن حديث عائشة أخرجه الترمذي (1513)، وابن ماجه (3163) ، ومن حديث أم كرز أخرجه أبو داود (2834، 2836)، وابن ماجه (3162). وصححه الألباني تحت (1166)، والصحيحة (2720)، فكلها دالة على مشروعية العقيقة.

وعن أحمد –رحمه الله-رواية أن العقيقة واجبة، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الأمر بالذبح، وأجيب عن ذلك بأنه قد جاء ما يدل على الاستحباب، فيتعين في دلالتها الوجوب في حديث عمرو بن شعيب أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ»أخرجه أحمد(6822)، وهذا يدل على الاستحباب، فإن النبي علقه على المحبة والوجوب لا يعلق على المحبة.

وأيضًا أبرز ما استدلوا به على الوجوب قوله –صلى الله عليه وسلم-: «كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويُسمَّى» أخرجه أبو داود (2838)، والنسائي (7/ 166)، والترمذي (1522)، وابن ماجه (3165) وغيرهم، فالجواب عن هذا أن الحديث تضمن العقيقة في اليوم السابع والحلاق والتسمية، والأمر بالحلاق والتسمية في اليوم السابع ليسا واجبين، فلا دلالة في الحديث على الوجوب.

وقوله: (في حق أب, ولو معسرًا ويقترض).

 أي إن: العقيقة تسن في حق الأب، فهو المندوب إليها في الأحاديث السابقة، ويستدل له أيضًا بحديث من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عنه، فليفعل وهذا يقتضي أن العقيقة في مال الأب عن ابنه، فإن كان معسرًا قال: ويقترض أي: يستحب أن يقترض.

وقيل شيخ الإسلام –رحمه الله-: ذلك بما إذا كان له وفاء، وإلا فلا يقترض.

وقوله: في حق أب أي أنه لا يعق غير الأب، إلا أن يتعذر بموت أو امتناع، فإن عق غير الأب عن المولود أو عق المولود عن نفسه بعد أن كبر لم يكره، لكن هو في الأصل حق على الأب لولده.

وقد قال بعض أهل العلم: إذا عق غير الأب عن الولد أو الولد عق عن نفسه إذا كبر، ليس للذبيحة حكم الحقيقة واختار بعض أهل العلم أن المولود يعق عن نفسه إذا كبر استحبابًا إن لم يعق عنه أبوه.

والذي يظهر والله تعالى اعلم أنه لا دليل على ذلك، فهي في حق الأب والاستحباب يحتاج إلى دليل، لكن إن فعله فلا بأس، أما الاستحباب فيحتاج إلى دليل.

قوله: (عن الغُلامِ: شَاتَانِ مُتقاربتَانِ سِنًا وشَبَهًا، فإن عُدِمَ فواحِدَةٌ, وعن الجاريَةِ: شَاةٌ؛ لحديثِ أمِّ كَرْزٍ الكَعبيَّةِ، قالت: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: «عن الغُلامِ شاتانِ مُتكافِئَتَانِ، وعن الجاريةِ شَاةٌ» أخرجه أبو داود (2834، 2836)، وابن ماجه (3162). وصححه الألباني تحت (1166)، والصحيحة (2720).).

ظاهر في أن السنة أن يذبح في العقيقة عن الذكر شاتين، ويذبح عن الأنثى شاة، فإن عدم الشاتين فواحدة تكفي وعليه يحمل ما ورد أن النبي –صلى الله عليه وسلم-عق عن الحسن والحسين شاة شاةأخرجه أبو داود (2841)، والنسائي (4230)، فيحمل للتعدد في الذكر على وجه كمال في السنة، وإلا فالسنة تحقق بشاة واحدة.

قال: (تُذبَحُ يَومَ سَابِـعِه, أي: سابِـعِ المولودِ، ويُحلَق فيه رأسُ ذَكَرٍ، ويُتصدَّقُ بوزنِه وَرِقًا، ويُسمَّى فيه).

أي: إن مما يسن في اليوم السابع من ولادة المولود ذبح عقيقته من غير خلاف بين أهل العلم لمشروعية ذلك لما تقدم من الأدلة، وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأ على الصحيح؛ لأن المقصود حصل، فإن تجاوز واحدًا وعشرين يومًا احتمل أنه يستحب في كل سبع، ويحتمل أن يكون في كل الزمان على وجه سواء، وهذا هو الأقرب إلى الصواب.

وقوله: (ويحلق فيه رأس ذكر وتصدق).

 أي: إن مما يسن في اليوم السابع من ولادة المولود أن يحلق فيه شعر رأس المولود الذكر لحديث سمرة بن جندب «كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويُسمَّى» أخرجه أبو داود (2838)، والنسائي (7/ 166)، والترمذي (1522)، وابن ماجه (3165) وغيرهم).

وأما التصدق بوزن ما كان من شعره ورقًا، فقد جاء «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر برأس الحسن والحسين يوم سابعهما، فحلقا، وتصدق بوزنه فضة» أخرجه الترمذي (1519).

وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث، فعلى القول بضعفه لا تثبت هذه السنية.

وقوله: (ويسن: تحسين الاسم. ويحرم بنحو: عبد الكعبة) إلى آخره.

 هذا بيان أن من حق الولد على والده اختيار اسم الولد ابنا أو بنتا، ويجتنب ما يحرم من الأسماء، ونص على التعبيد لغير الله، والأصل أن كل اسم نهي عنه فإنه محمول على الكراهة، إلا ما كان متضمنًا لاعتقاد محرم كعبد الكعبة، عبد علي، عبد عمرو، وعبد العزى ونحو ذلك.

وقد جاء النهي عن جملة من الأسماء ذكر منها المؤلف حرب، ويسار ونحوهما كرباح ونجيح وعلة ذلك ما جاء من النهي عن جملة من الأسماء، وفقد جاء من حديث سمرة من جندب قال: «نهانا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-أن نسمى رقيقينا بأربعة أسماء أفلح، ورباح، ويسار، ونافع»أخرجه مسلم حديث(2136).

( فإن فات الذبح يوم السابع ففي أربعة عشر فإن فات ففي إحدى وعشرين من ولادته).

 هذا تقدم, يروى عن عائشةأخرجه الحاكم (4/ 238)، وصححه، ووافقه الذهبي؛ وضعفه الألباني لعلتين، انظرهما في: الإرواء (4/ 395).

(ولا تُعتَبَرُ الأسابيعُ بعدَ ذلك، فيَعُقُّ في أيِّ يَومٍ أرادَ) أي: إن ما فاته الذبح يوم السابع فيستحب له أن يكون وقت ذبح عقيقته في الرابع عشر، فإن فات في إحدى وعشرين لما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنهاأخرجه الحاكم (4/ 238)، وصححه، ووافقه الذهبي؛ وضعفه الألباني لعلتين، انظرهما في: الإرواء (4/ 395), ، وما بعد ذلك يستوي أي لا فرق في الأيام، هذا هو المذهب.

والوجه الثاني أنه يستحب بعد يوم الواحد والعشرين إن فات تحري السابع، فيذبح في ثمان وعشرين ثم في خمس وثلاثين وهكذا.

والأشهر والأظهر أنه لا تعتبر الأسابيع بعد الثالث أي: بعد الأسبوع الثالث، بل يفعل في كل وقت لأن هذا قضاء فلا يتوقف على زمن.  

قوله: (تنزع جدولا: جمع جدل، بالدال المهملة، أي: أعضاء ولا يكسر عظمها؛ تفاؤلًا بالسلامة).

إنه يستحب في ذبح العقيقة أن تقطع معا من المفاصل؛ من أجل التفاؤل بسلامة الولد, واستدلوا بذلك بأثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها وهذا الأثر لم يصح، ولو صح لحمل على معنى آخر غير الموضع السلامة.

 وقوله –رحمه الله-: (وطبخها أفضل)، يعني أفضل من توزيعها نيئة.

(ويكون منه بحلو) أي: فيما يظهر من العبارة أنه يكون منه أي: من المتبرع بالعقيقة يكون منه أي يعطي منه شيئا حلو يعني يشرك معه مع العقيقة شيئًا حلوا، فيكون مع الطبيخ شيء حلو؛ تفاؤل بحلاوة أخلاقه، هكذا قالوا, وليس على هذا دليل.

قال في المستوعب: ويستحب أن يطبخ منها طبيخ حلو تفاؤلا بحلاوة أخلاقه

  

أولا: ما تشترك

قوله –رحمه الله-: (وحكمها أي: حكم العقيقة فيما يجزئ ويستحب ويكره، والأكل، والهدية، والصدقة: كالأضحية).

 أي أن الأضحية والعقيقة متفقتان فيما يجزئ ويستحب ويكره، فحكم العقيقة حكم الأضحية في أكثر الأحكام.

 ثانيا: ما تفترق

واستثنى من ذلك أنه (يباع جلد، ورأس، وسواقط، ويتصدق بثمنه).

هذا كالاستثناء والتمييز بين الأضحية والعقيقة، فبعد أن قررت الاشتراك فيما يكره ويستحب وما إلى ذلك بين ما تتميز به من العقيقة أنه يباح بيع جلد ورأس وسواقط يتصدق بثمنه، خلاف الأضحية لأنها شرعت لسرور حادث أشبهت الوليمة جاز ذلك.

قال –رحمه الله-: (إلا أنه لا يجزئ فيها أي: في العقيقة شرك في دم).

 وهذا أيضًا ذكر لما تفارق فيه الأضحية العقيقة أنه لا يجزئ فيها شرك دم، فلا يذبح بعيرًا عن ولدين.

ولذلك قال: (فلا تجزئ بدنة، ولا بقرة إلا كاملة).

لأن المقصود إهراق الدم، وهذا يتحقق بالاشتراك لا يهرق إلا دم واحد، فيذبح بعيرًا عن شاتين بل لا بد أن يذبح بعيرين ليتحقق المطلوب.

قال في "النهاية": وأفضله أي أفضل ما يتقرب به في العقيقة الشاة وهذا أيضًا مما يفارق الأضحية والهدي، فبين المؤلف أن الأفضل الشاة، لأنها وردت بها السنة، فتكون الأفضل.

  

ثم قال: (ولا تسن: الفرعة بفتح الفاء والراء: نحو أول ولد الناقة ولا تسن: العتيرة وهي: ذبيحة رجب؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا فَرَعَ ولا عَتيرَةَ» أخرجه البخاري (5473)، ومسلم (1976/38). ولا يكرهان. والمراد بالخبر: نفي كونهما سنة).

فالفرعة والعتيرة ذبيحتان غير مشروعتين، لكن إن فعلهم على وجه التشبه منع من ذلك لحديث «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أخرجه أبوداود(4031).

 وفي قول: أنهما يكرهان وليس فقط لنفي المشروعية لا فرع ولا عتيرة، بل هو لإبطال ما كان عليه عمل الجاهلية، فإذا ذبح بهذه النية، فأقل أحوال الكراهة.

وأما إذا ذبح لمعنى آخر فوافق ما كانوا يفعلونه فهو لا يدخل فيما نهي عنه، كمن ذبح للحم في رجب، أو احتاج نحر أول ولد الناقة، فنحره، فهذا يدخل في النهي، إنما ينهى عنه إذا فعله على وجه المشابهة لهم.

والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

وبهذا يكون قد انتهى كتاب المناسك. 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق