القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 21

التاريخ : 2026-06-06 06:49:34

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة السابعة

في طريقة القرآن في تقرير نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

هذا الأصل الكبير قرّره الله في كتابه بالطرق المتنوعة التي يُعرف بها كمال صدقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

فأخبر أنه صدّق المرسلين، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأنّ جميع المحاسن التي في الأنبياء هي في نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما نُزِّهوا عنه من النقائص والعيوب، فرسولنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاهم وأحقهم بهذا التنزيه، وأن شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، وكتابه مهيمن على كل الكتب.

فجميع محاسن الأديان والكتب قد جمعها هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف لم توجد في غيره.

وقرر نبوته بأنه أميّ لا يكتب ولا يقرأ، ولا جالس أحداً من أهل العلم بالكتب السّـابقة، بل لم يفْجَـأ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أَتوا ولا قَدِروا، ولا هو في استطاعتهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وأنّه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه، أو متقول أو متوهم فيما جاء به في نسخة: أو أن يكون قد تقوَّله على ربه، أو أن يكون على الغيب ظنيناً. .  وأعاد القرآن وأبدى في هذا النوع.

وقرّر ذلك بأنه يخبر بقصص الأنبياء السابقين مطولة على الوجه الواقع، الذي لا يستريب فيه أحد، ثم يخبر تعالى أنه ليس له طريق ولا وصول إلى هذا إلا بما آتاه الله من الوحي، كمثل قوله تعالىٰ لما ذكر قصة موسى مطولة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ سورة : القصص (44).  . وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ سورة : القصص (46).  وكما في قوله: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) سورة : آل عمران (44). .

ولما ذكر قصة يوسف وإخوته مطولة قال: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ سورة  يوسف (102). ، فهذه الأمور والإخبارات المفصلة التي يفصلها تفصيلاً، لم يتمكن أهل الكتاب الذين في وقته ولا من بعدهم على تكذيبه فيها ولا معارضته من أكبر الأدلة في نسخة: صحح به أكثر الأخبار والحوادث التي كانت في كتب أهل الكتاب محرفة ومشوهة بما أضافوا إليها من خرافات وأساطير، حتى ما يتعلق منها بعيسى وأمه وولادتهما ونشأتهما، وبموسى وولادته ونشأته، كل ذلك وغيره لم يكن يعرفه أهل الكتاب على حقيقته حتى جاء القرآن، فقص ذلك على ما وقع وحصل، مما أدهش أهل الكتاب وغيرهم، وأخرس ألسنتهم حتى لم يقدر أحد منهم ممن كان في وقته، ولا ممن كانوا بعد ذلك، أن يكذبوا بشيء منها، فكان ذلك.    على أنه رسول الله حقّاً) .

 

 

    

 

 واضح أن إخبار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهـٰذه الأخبار التي جاءت مفصّلة دون مجالسة لأهل الكتاب وتلقٍّ عنهم، ودون التمكن من القراءة والكتابة لأنه أمي، يدل على أنه وحي يوحى، أنه إنما تلقاه عن الوحي، ولذلك لما كانت هـٰذه الأخبار مفصلة ودقيقة جاء بهذا التعبير: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾؛ يعني أنه لا يأتي بهذا الخبر الدقيق المفصل إلا من كان شاهداً حاضراً، أو من يخبر عمن شهد وعلم وهو الله جل وعلا.

هـٰذه هي الطريق الأولى من طرق إثبات نبوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتاب الله عز وجل.

 

 

    

 

(وتارة) هـٰذا الطريق الثاني:

(وتارة يقرر نبوته بكمال حكمة الله، وتمام قدرته، وأن تأييده لرسوله ونصره على أعدائه، وتمكينه في الأرض موافق غاية الموافقة لحكمة الله في نسخة: هو مقتضى حكمةِ ورحمةِ العزيز الحكيم. ، وأن من قدح في رسالته فقد قدح في حكمة الله وفي قدرته، وفي رحمته، بل وفي ربوبيته.

وكذلك نصره وتأييده الباهر لهذا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الأمم الذين هم أقوى أهل الأرض من آيات رسالته، وأدلة توحيده، كما هو ظاهر للمتأملين) .

يعني أن هـٰذا الأمر لا يظهر لكل أحد، إنما يظهر بالتأمل، فكيف يجوز على الحكيم الخبير الرّحيم الرؤوف بعباده أن يأتي رجلٌ يخبر بالأخبار ويدعي بأنه رسول الله، ثم تتوالى عليه الانتصارات والإمدادات، ويموت منتصراً وقد ظهرت دعوته؟ كيف يكون هـٰذا متفقاً مع اتصاف الله عز وجل بالعلم والخبرة والحكمة والرحمة جل وعلا وغير ذلك من الصفات؟

  إنّ هـٰذا لا يتفق؛ فدل ذلك لما تمكّن وانتصر وظهر على خصومه وأعدائه، دلّ ذلك على صدق نبوته، وهـٰذا الانتصار ليس انتصاراً مؤقتاً؛ لأنّ الدجال الذي يأتي بين يدي الساعة ينتصر انتصارات؛ لكنها انتصارات مؤقتة، ثمّ يضمحل ويتبين أمره ويكون آخر أمره أن يذوب كما يذوب الملح كما في صحيح مسلم مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في فتح القسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسىٰ ابن مريم، حديث رقم (2897).، فعاقبة أمره إلىٰ خسر؛ لكن انتصارات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتصارات ثابتة دائمة مستمرة إلى قيام الساعة، فهـٰذا مما يدل على صدقه، وقد أشار إلىٰ هـٰذا المعنى قول الله تعالىٰ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) سورة : الحاقة (44-46). . وهـٰذا تهديد عظيم من ربّ العالمين، في تَقَوُّل قول، فكيف برسالة تامة وشريعة كاملة؟ هـٰذا من دلائل صدق نبوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكن هـٰذا لا يظهر لكل أحد، إنما يظهر بالتأمل والنظر.

 

 

    

 

(وتارة يقرر نبوته ورسالته بما جمع له وحازه وكمله به من أوصاف الكمال، وما هو عليه من الأخلاق الجميلة، وأنّ كل خلق عال سام فلرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلاه وأكمله.

فمن عظمت صفاته، وفاقت نعوته جميع الخلق التي أعلاها:الصدق والأمانة، أليس هذا أكبرَ الأدلة على أنه رسول ربّ العالمين، والمصطفى المختار من الخلق أجمعين؟)

بلى والله، كما قالت عائشة: لو كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخفياً شيئاً من كتاب الله لأخفى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ سورة : الأحزاب (37). . وهـٰذا دليل على كمال تبليغه، أنه بَلَّغ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ما عاتبه الله فيه.

 

    

(وتارة يقررها بما هو موجود في كتب الأولين، وبِشارات الأنبياء والمرسلين السابقين، إما باسمه العلم أو بأوصافه الجليلة، وأوصـاف أمته وأوصـاف دينـه، كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ سورة : الصف (6). ).

معنى هـٰذا الكلام أن من الأمور التي أخبرت بها الشرائع مما يتعلق باسمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفاته تبينت، فاسمه جاء ذكره في الشرائع السابقة وطابق الاسم الذي كان له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وكذلك الكثير من الأوصاف التي جاء وصفه بها في الكتب السابقة وُجدت فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولذلك كان بعض أهل الكتاب إذا أراد أن يُسْلم يبحث عن هـٰذه الصفات، فإذا وجدها انقاد لمقتضاها من التصديق بنبوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

 

    

 (وتارة يقرر رسالته بما أخبر به من الغيوب الماضية والغيوب المستقبلة، التي وقعت في زمانه، أو وقعت في زمانه ولا تزال تقع في كل وقت، فلولا الوحي ما وصل إليه شيء من هذا، ولا كان له ولا لغيره طريق إلى العلم به) .

لأنه لا سبيل إلىٰ معرفة هـٰذه الغيوب إلا ممن هي في يده، وهو الله -جل وعلا- عالم الغيب والشهادة، وبهذا يكون قد تم الوجه. ثم قال: (وتارة يقرِّرها بحفظه إياه) هـٰذا وجه جديد.

 

 

    

 

  (وتارة يقررها بحفظه إياه، وعصمته له من الخلق، مع تكالب الأعداء وضغطهم عليه، وجِدِّهم التام في الإيقاع به بكل ما في وسعهم، والله يعصمه ويمنعه منهم وينصره عليهم، وما ذاك إلا لأنه رسوله حقّاً، وأمينه على وحيه، والمبلغ ما أمر به).

 

 

    

 (وتارة يقرر رسالته بذكر عظمة ما جاء به وهو القرآن الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ سورة : فصلت (42).   ويتحدى أعداءه، ومن كفر به أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة، فعجزوا ونكصوا وباؤوا بالخيبة والفشل،  في نسخة: وهم أهل اللسان المُبـَرِّزون في ميدان القـول والفصـاحة، ومع ذلك ما استطاعوا -مع شدة حرصهم  ومحاولتِهم- أن يأتوا بسورة منه، وما استطاعوا ولا قدروا -مع شدة حرصهم ومحاولتِهم- أن يجدوا فيه نقصاً أو عيباً ينزل به عن أعلى درجات الفصاحة التي ملكت أزمة قلوبهم، فلجؤوا إلى السيف وإراقة دمائهم، وما كانوا يعمدون إلى هذا لولا أنهم لم يجدوا سبيلاً إلى محاربته بالقول، وما كانوا يزعمونه عندهم علوماً وحكماً، فكان عدولهم إلى السيف وإراقة الدماء أكبر الأدلة على صدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وأقطع البراهين على أنه الحق والهدى من عند الله الذي جمع الله فيه لرسوله وللمؤمنين به كل ما يكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة في كل شؤونهم. وإن هذا القرآن لأكبرُ.  وهذا القرآن أكبرُ أدلة رسالته وأجلُّها وأعمُّها  في نسخة: والله تعالى يقرر أن القرآن كاف جدّاً أن يكون هو الدليل الوحيد على صدق رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مواضع عدة، منها قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[العنكبوت:51].  ).

لا ريب أن القرآن أعظم آيات الأنبياء، وليس فقط أعظم آيات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بل جميع الأنبياء على ما أتوا به من الآيات واختلافها وتنوعها أعظم آياتهم هـٰذا الكتاب المبين؛ ولذلك قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما من نبيِّ من الأنبياء إلا وأوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)) البخاري: كتاب الفضائل، باب كيف نزل الوحي؟ وأول ما نزل، حديث رقم (4981). ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جميع الناس، حديث رقم (152).   . فدل ذلك على أن أعظم آيات الأنبياء هي آية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه رجا بهذه الآية أن يكون أكثرهم تابعاً، وكثرة الأتباع إنما تكون ناشئة عن عظم الآية التي رأوها وأتي إليهم بها، وآية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هـٰذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو آية مستمرة، بخلاف سائر آيات الأنبياء فإنها آيات مؤقتة وفي مكان محدد، فهي محدودة في المكان والزمان، أما القرآن فهو آية على مرّ العصور وعلى اختلاف الأزمان وعلى اختلاف الأماكن أيضاً، فهو آية عظيمة مستمرة باهرة، ولذلك كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر الأنبياء تابعاً، ولكنها آية لمن تأمل فيها ونظر وتدبر ما تضمنه من الآيات والبينات الواضحات على صدق ما جاء فيه، وعلى صدق نبوة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

 

    

 

 (وتارة يقرر رسالته بما أظهر على يديه من المعجزات، وما أجرى له من الخوارق والكرامات، الدالِّ كل واحد منها بمفرده -فكيف إذا اجتمعت- على أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصادق المصدوق، الذي ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) .

المؤلف رحمه الله جعل المعجزات والخوارق والكرامات كلها لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

والذي جرى عليه أهل العلم أنّ الكرامات تكون لأتباع الرسل، وأن المعجزات وهي الآيات والبراهين الدّالة على صدقهم تكون للأنبياء، ويجمع الأمرين أنهما خارقان للعادة.

 

 

    

 

فالجامع بين الآية أي المعجزة وبين الكرامة أن كلاًّ منهما خارقة للعادة؛ لكن الفارق بينهما:

أن الآية تكون على يد نبي.

والكرامة تكون على يد تابع لنبي.

ثم إنه في الغالب أن الآية أعظم تأثيراً وأكبر أثراً من الكرامة، وهـٰذا فارق آخر بين الآية والكرامة.

لكن المؤلف رحمه الله جعل المعجزات والكرامات كلها للنبي.

واعلم أنّ هـٰذا الكلام لا إشكال فيه؛ لأن كل كرامة لتابع فهي آية للنبي؛ يعني ما يجريه الله عز وجل من الكرامات لأتباع الرّسل هي في الحقيقة آيات دالة على صدق من اتبعوهم، على صدق الرسل الذين آمنوا بهم، فهي عائدة إلىٰ تصديقهم بالرسل، وهي دالة على صدق ما جاؤوا به.

 

 

    

 (وتارة يقررها بعظيم شفقته على الخلق، وحُنوِّه الكامل على أمته، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه لم يوجد ولن يوجد أحد من الخلق أعظم شفقة ولا براًّ وإحساناً إلى الخلق منه، وآثار ذلك ظاهرة للناظرين) .

لا إشكال، من تأمل سيرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى صدق ذلك، فقد أوذي أشد الأذى، وامتحن أشد الامتحان، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقابل ذلك كله بالإحسان إلىٰ خصومه والشفقة عليهم والسعي في إخراجهم من الظلمات إلىٰ النور.

 (فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه، وقررها بعبارات متنوعة، ومعانٍ مفصلة وأساليب عجيبة، وأمثلتها تفوق العد والإحصاء. والله أعلم) .

إذاً هـٰذه هي القاعدة السابعة، وهي قاعدة قرآنية في بيان طريقة القرآن في تقرير نبوة النبي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

    

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثامنة

طريقة القرآن في تقرير المعاد

وهذا الأصل الثالث من الأصول التي اتفقت عليها الرسل والشرائع كلها، وهي:التوحيد، والرسالة، وأمر المعاد وحشر العباد.

وهذا قد أكثر الله من ذكره في كتابه الكريم، وقرره بطرق متنوعة:

 

 الطريق الأول: لتقرير المعاد في القرآن العظيم:

إخباره -وهو أصدق القائلين عنه- في نسخة: عنه وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى. ، ومع إكثار الله من ذكره، فقد أقسم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه).

فقد أقسم عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإلا فالله جل وعلا أقسم على ما يكون في اليوم الآخر بإقسامات كثيرة لا حصر لها؛ ولكنّ الكلام في إقسامات النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنّ الله جل وعلا أمر رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ أن يقسم في ثلاثة مواضع من كتابه، كلها أقسم فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أنّ الله جل وعلا يعيد الخلق بعد موتهم، وأنه يحاسبهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكلام المؤلف هنا يحتاج إلى توضيح.-

المواضع التي أمر الله عز وجل فيها رسوله بالإقسام معروفة، وهـٰذا الموضع الأول: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ سورة : التغابن (7).   هذا في سورة التغابن.  وهـٰذا الموضع الثاني في عدِّنا وإلا فهو الموضع الأول في ترتيب القرآن: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)﴾ سورة : يونس (53).  فهـٰذا هو الموضع الأول الذي أمر الله فيه نبيه بالإقسام. الموضع الثالث وهـٰذا في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ سورة : سبأ: (3). .  فهـٰذا أمر من الله -عز وجل- لرسوله بالإقسام على مجيء الساعة ووقوعها.

هـٰذه هي المواضع الثلاثة التي أمر الله عز وجل رسوله فيها بالإقسام: في سورة يونس، وفي سورة سبأ، وفي سورة التغابن.

من طرق تقرير المعاد في القرآن العظيم:

 (ومنها الإخبار بكمال قدرة الله تعالىٰ، ونفوذ مشيئته، وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته.

ومنها تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأنّ الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً، لا بد أن يُعيدهم كما بدأهم، وأن الإعادة أهون عليه، وأعاد هذا المعنى في مواضع كثيرة بأساليب متنوعة.

ومنها: إحياؤه الأرضَ الهامدة الميتة بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي الموتى.

وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك، وهو خلق السماوات والأرض، والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المنكرون ذلك، ولن يقدروا على إنكاره، فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى؟

وقرر ذلك بسعة علمه، وكمال حكمته، وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين، لا يُؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون. وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد.

ومما قرر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بإساءتهم:ما أخبر به من أيامه و سننه سبحانه في الأمم الماضية والقرون الغابرة. وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث، ونوَّعَ عليهم العقوبات، وأحل بهم المَثُلات، فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة) .

المثلات جمع مَثْلة بفتح الميم وتسكين الثاء وفتح اللام، وهي الآية التي ينزلها الله عز وجل فيمن يشاء من عباده؛ لتكون عبرة ونكالاً ورادعاً لغير من نزلت به. والمراد العقوبات الظاهرة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، وبعضهم قال: إن أصلها مُثلة. ولكن الأول أصوب.

(ومن ذلك: ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا: كما ذكره الله عن صاحب البقرة، والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى بن مريم للأموات، وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار؛ ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار، وأن العباد لا بد أن يَرِدوا دار القرار، إما الجنة أو النار.

وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محالّ كثيرة. والله أعلم) .

وهـٰذه النماذج المذكورة من إحياء الله عز وجل للموتى في هـٰذه الدنيا ذكر الله عز وجل أكثرها في سورة البقرة: فصاحب البقرة مذكور في سورة البقرة، والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية، قصة إبراهيم، إحياء عيسىٰ ابن مريم الأموات في المائدة وفي آل عمران أيضاً. وإنما نوع الله عز وجل الأدلة وكررها في هـٰذا الأمر لتقوم الحجة على كل من علم بذلك، وكل من شاهده وأبصره، فإن ذلك نموذج لما يكون في الآخرة من إعادة الأرواح إلىٰ الأبدان بعد موتها.

˜˜¹™™

 

 

 

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة التاسعة

في طريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية

 

قد أمر الله تعالىٰ بالدعاء إلى سبيله بالتي هي أحسن، أي بأقرب طريق موصل للمقصود، محصل للمطلوب).

أحسن تعريف بالتي هي أحسن ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة : النحل (125). التي هي أحسن، أحسن ما يعرف به هـٰذا أو يوصف به هـٰذا الطريق هو قوله: بأقرب طريق موصل إلىٰ المقصود محصل للمطلوب.

 

الطريق الأول: في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية: تصدير الخطاب بالنداء بوصف الإيمان:

 (ولا شك أن الطرق التي سلكها الله في خطاب عباده المؤمنين بالأحكام الشرعية هي أحسنها وأقربها.

فأكثر ما يدعوهم إلى الخير وينهاهم عن الشر بالوصف الذي منَّ عليهم به وهو الإيمان، فيقول: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا واتركوا كذا؛ لأن في ذلك دعوة لهم من وجهين: )

يعني دعوة إلى أي شيء؟ دعوة إلىٰ فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه، يعني دعوة إلىٰ الامتثال من وجهين، انتبه لهذين الوجهين.

(أحدهما من جهة الحث على القيام بلوازم الإيمان، وشروطه، ومكمِّلاته).

لأن المأمورات والمنهيات المصدّرة بهذا الخطاب:

إما أن تكون من لوازم الإيمان.

وإما أن تكون من شروطه.

وإما أن تكون من مكملاته.

فلوازمه هي واجباته، وشروطه هي الأمور التي لا يوجد الإيمان إلا بوجودها، ومكملاته هي ما يوجد الإيمان ولكنه يكون ناقصاً بنقص هـٰذه الصفات المأمور بإيجادها أو المطلوب التخلص منها.

(فكأنه يقول:  يا أيها الذين آمنوا قوموا بما يقتضيه إيمانكم من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتخلق بكل خلق حميد والتجنب لكل خلق رذيل.

فإن الإيمان الحقيقي هكذا يقتضي، ولهذا أجمع السلف أن الإيمان يزيد وينقص، وأن جميع شرائع الدِّين الظاهرة والباطنة من الإيمان ولوازمه، كما دلت على هذا الأصل الأدلة الكثيرة، من الكتاب والسنة -وهذا أحدها- حيث يصدِّر الله أمر المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو يعلق فعل ذلك على الإيمان، وأنه لا يتم الإيمان إلا بذلك المذكور) .

نرجع إلىٰ الوجه، الوجه الأول ملخصه الإغراء والحث، تصدير الخطاب بالنداء بوصف الإيمان إنما هو لحث الموجه إليهم الخطاب علىٰ فعل المأمور وترك المنهي عنه، فإذا سمعت الله -جل وعلا- يقول: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا. كان ذلك حاثّاً لك إذا كنت ممن يحرص على الاتصاف بهذه الصفة، ومرغباً لك، ومغرياً لك أن تكون ممن اتصف بهذا الوصف.

فهـٰذا الوجه هو الوجه الأول، وهو الإغراء والحث.

أيضاً يتضمن هـٰذا وجهاً آخر؛ يعني هـٰذا الوجه الذي ذكره المؤلف يعود إلىٰ الإغراء أولاً.

وثانياً إلىٰ أن تصدير الخطاب بوصف الإيمان دليل على أن مضمون الخطاب من شروط الإيمان أو من واجباته أو مكمِّلاته؛ يعني أن المذكور من لوازم الإيمان، فإذا حرص الإنسان على تكميل صفات الإيمان فليأت بهذا الوصف.

الوجه الثالث الذي يندرج في كلام المؤلف هو أن ترك هـٰذه الصفات المأمور بها أو فعل هـٰذه الصفات المنهي عنها دليل على نقص إيمانه.

وهـٰذه الأوجه كثيراً ما كان يكررها شيخنا رحمه الله في تفسيره عند كلامه على الآيات، وهي كلها مندرجة في الوجه الأول الذي ذكره المؤلف رحمه الله.

 

 

 

    

 

 ما فائدة تصدير الخطاب بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؟ ثلاث فوائد:

 

الفائدة الأولى: الإغراء والحث على فعل ما أمروا به، أو ترك ما نهوا عنه.

الفائدة الثانية: أن المذكور من أمر أو نهي من لوازم الإيمان وواجباته.

الفائدة الثالثة: أن مخالفة الأمر الذي صُدِّر بوصف الإيمان، أو ارتكاب النهي الذي صدر بوصف الإيمان يدل على أي شيء؟ على نقص الإيمان. هـٰذه فوائد توجيه الخطاب وتصديره بوصف الإيمان.

 

أما قول المؤلف رحمه الله: (هـٰذا أحدها) أي هـٰذا أحد الأدلة الدّالة على أن الأعمال مندرجة في مسمى الإيمان، وأنه لا يصح الإيمان ولا يكمل ولا يقر إلا بالأعمال.       

وهـٰذه مسألة مشهورة معروفة، تواتر فيها النقل عن الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وعن أئمة التابعين، وعن جمهور السلف: أن الإيمان لا بد فيه من قول وعمل، ولذلك نص أعلام السنة المشهورة في العقائد كلها أن الإيمان قول وعمل.

مقصودي بالعقائد كلها عقائد أهل السنة كلها أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال مندرجة تحت مسمى الإيمان، فلا يمكن فصلها ولا يمكن إخراجها.

(والوجه الثاني أنه يدعوهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، أو يعلق ذلك بالإيمان، يدعوهم بمنته عليهم، بهذه المنة التي هي أجل المنن، أي: يا من مَنَّ الله عليهم بالإيمان، قوموا بشكر هذه النعمة، بفعل كذا وترك كذا) .

هـٰذا الوجه يعود إلىٰ المنة والإغراء، فكما دعاكم الله عز وجل بهذه المنة وأن جعلكم من المؤمنين، فاحرصوا على تكميل صفات أهله بفعل ما أمركم به، وبترك ما نهاكم عنه.

(فالوجه الأول: دعوة لهم أن يتمموا إيمانهم ويكملوه بالشرائع الظاهرة والباطنة.

والوجه الثاني: دعوة لهم إلى شكر نعمة الإيمان، ببيان تفصيل هذا الشكر، وهو الانقياد التام لأمره ونهيه).

 

 

    

 

 

(وتارة يدعو المؤمنين إلى الخير وينهاهم عن الشر: بذكر آثار الخير، وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر، وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر نعمه المتنوعة، وآلائه الجزيلة، وأن النعم تقتضي منهم القيام بشكرها، وشكرها هو القيام بحقوق الإيمان.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب، وبذكر ما أعد الله للمؤمنين الطائعين من الثواب، وما للعصاة من العقوبات.

وتارة يدعوهم إلى ذلك بذكر ما له من الأسماء الحسنى، وما له من الحق العظيم على عباده، وأن حقه عليهم أن يقوموا بعبوديته ظاهراً وباطناً، ويتعبدوا له وحده، ويدعوه بأسمائه الحسنى وصفاته المقدسة.

فالعبادات كلها تعظيم وتكبير لله، وإجلال وإكرام، وتودد إليه، وتقرب منه) .

فركن العبادة الأعظم المحبة والتعظيم، والمحبة إنما يُحب من كان متصفاً بالصفات الحسنى؛ بالصفات العليا، ومتسمياً بالأسماء الحسنى جل وعلا، فهو موصوف بالأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال الجميلة، ولذلك كانت عبادته لا تقوم إلا بمحبته، ولا تقوم المحبة إلا بتمام المعرفة بأسمائه وصفاته وأفعاله الجميلة سبحانه وتعالىٰ.

ولذلك يدعو الله عز وجل عباده المؤمنين بذكر أسمائه وصفاته، فإذا تبين للعبد عظمة الرب وما يتّصف به من صفات الكمال كان ذلك حاملاً له على عبادته وحسن طاعته جل وعلا.

وأما إذا كان العبد غافلاً عن الأسماء الحسنى والصفات العليا له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فإنه يغفل عن عبادات كثيرة، وتصبح العبادات جافة لا أثر لها في قلبه، ولا ثمرة لها في سلوكه وخلقه.

ولذلك من المهم، من المهم لطالب العلم، أن يعتني بأسماء الله عز وجل وصفاته، وإذا علمنا هـٰذا فلا نستغرب أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)) البخاري: كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط..، حديث رقم (2736). ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالىٰ وفضل من أحصاها، حديث رقم (2677). . وليس الإحصاء هو الإحصاء اللفظي بأن يعدها: الله الرحمـٰن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، هـٰذا كل أحد يحسنه، إنما الإحصاء هو إحصاء لفظها ومعناها، وإحصاؤها في العمل؛ بأن يتعبد لله عز وجل بها، عبادة الرحمـٰن تقوم على أمرين: محبة الله عز وجل غاية المحبة، وتعظيمه غاية التعظيم:

 مع ذل عابده هما قطبان
 

 

وعبادة الرحمـٰن غاية حبه
 

هكذا قال ابن القيم رحمه الله في بيان العبادة في نونيته: (وعبادة الرحمـٰن غاية حبه) يعني منتهى حبه ( مع ذل عابده هما قطبان) أي قطبان للعبادة، لا تقوم العبادة إلا بهما.

(وتارة يدعوهم إلى ذلك، لأجل أن يتخذوه وحده ولياًّ وملجأً، وملاذاً ومَعاذاً، ومفزعاً إليه في الأمور كلها، وإنابةً إليه في كل حال، ويخبرهم أن هذا هو أصل سعادة العبد وصلاحه وفلاحه، وأنه إن لم يدخل في ولاية الله وتوليه الخاص تولاه عدوه الذي يريد له الشر والشقاء، ويمنيه ويغره، حتى تفوته المنافع والمصالح، ويوقعه في المهالك.

وهذا كله مبسوط في القرآن بعبارات متنوعة.

وتارة يحثهم على ذلك ويحذرهم من التشبه بأهل الغفلة والإعراض، والأديان المُبَدَّلة؛ لئلا يلحقهم من اللوم ما لحق أولئك الأقوام. كقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ سورة : الزمر (65). ، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين﴾  سورة : البقرة (35). ،  ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾  سورة : الأعراف (205). ، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ سورة : الحديد (16). ،  إلى غير ذلك من الآيات.

ولا شك أن المؤمن- إذا سمع الأمر والنهي، وتعقيب ذلك بنهي الله عزّ وجل، أو وتعقيب ذلك ببيان أن من خالف الأمر أو ارتكب ذلك النهي يكون من الموصوفين بهذه الصفات- أن ذلك يدعوه إلىٰ فعل ما أمر وترك ما نهي عنه؛ لأن الخسار مبغوض عند كل أحد، والظلم كذلك، وكذلك الغفلة.

فهـٰذا سبيل من السبل التي سلكها القرآن لتقرير الخطاب في أحكام الله عز وجل، وحمل الناس على فعلها، والذي ذكره المؤلف رحمه الله فيه كفاية، وإن كان رحمه الله لا يحرص على ذكر الأمثلة؛ لأنه لو أراد ذكر الأمثلة لطال المقام؛ لكنه اكتفى بإشارات يستطيع الإنسان أن يهتدي إليها من خلال مطالعته وقراءته في كلام الله عز وجل.

 

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق