القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن

من وحتى

عداد المشاهدات : 53

التاريخ : 2026-06-06 06:53:07

  

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة العشرون

القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار،

وبعضه محكم وبعضه

القرآن بالإحكام والتشابه نعلم أن التشابه والإحكام ليسا واردين على معنى واحد، بل على معنيين متشابه باعتبار ثالث)

شرح القاعدة:

وبهـٰذا التقسيم الذي ذكره المؤلف رحمه الله في وصف:

فالإحكام الذي وصف به القرآن على وجه العموم معناه الإتقان، وذلك كقوله تعالىٰ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)﴾  سورة : هود (1).  فهـٰذا الإحكام الذي وصف به القرآن هو الإتقان.

والتشابه الذي وصف به القرآن على وجه العموم أيضاً، وذلك في مثل قوله تعالىٰ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا سورة : الزمر (23).  فالمقصود بالتشابه هنا أنه يصدّق بعضه بعضاً، فمعنى التشابه تصديق بعضه بعضاً وتناسب بعضه مع بعض.

وأما الإحكام الذي وصف به بعض القرآن والتشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو بخلاف المعنى المتقدم:

فالإحكام الذي وُصف به بعض القرآن هو ظهور المعنى، فما كان معناه ظاهراً لا يشتبه على أحد فهو من الآيات المحكمات.

وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فالمراد به خفاء المعنى؛ وذلك أن من الآيات ما يخفى معناها على بعض من يقرأ كتاب الله عز وجل.

فعرفنا بهذا أن التشابه الذي وُصف به الكتاب هو غير التشابه الذي وُصفت به بعض الآيات، والإحكام الذي وصف به الكتاب هو غير الإحكام الذي وصف به بعض الآيات.

فليتنبه إلىٰ هـٰذا، وسيأتي إن شاء الله تعالىٰ بيان ذلك في كلام المؤلف.

 

 

 

 

    

 

 (وقد وصفه الله تعالى بكل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة.

فوصفه بأنه محكم في عدة آيات، وأنه:﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ سورة : هود (1).   ومعنى ذلك أنه في غاية الإحكام ونهاية الانتظام، فأخباره كلها حق وصدق، لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خير وبركة وصلاح، ونواهيه متعلقة بالشرور والأضرار والأخلاق الرذيلة والأعمال السيئة، فهذا إحكامه) .

هـٰذا الوصف هل يخص بعض الآيات أو جميع القرآن؟ نعم جميع القرآن.

 

    

 

 (ووصفه بأنه متشابه في قوله من سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ سورة : الزمر (23). أي: متشابهاً في الحسن والصدق والحق، ووروده بالمعاني النافعة المزكية للعقول، المطهرة للقلوب، المُصلحة للأحوال، فألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني).

 

    

 

(ووصفه بأنه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سورة : آل عمران (7).    . فهنا وصفه بأن بعضه هكذا وبعضه هكذا).

 

    

 

(ووصفه بأنه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سورة : آل عمران (7).  . فهنا وصفه بأن بعضه هكذا وبعضه هكذا، وأن أهل العلم بالكتاب يردون المتشابه منه إلى المحكم، فيصير كله محكماً ويقولون: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ سورة : آل عمران (7).   . أي: وما كان من عنده فلا تناقض فيه، فما اشتبه منه في موضع، فسره الموضع الآخر المحكم، فحصل العلم وزال الإشكال.

 

ولهذا النوع أمثلة:

منها: ما تقدّم من الإخبار بأنه على كل شيء قدير، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

فإذا اشتبهت على من ظن به خلاف الحكمة، وأن هدايته وإضلاله يكون جزافاً لغير سبب، وضحت هذا الإطلاق الآيات الأخر الدالة على أن هدايته لها أسباب، يفعلها العبد ويتصف بها، مثل قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام﴾ سورة : المائدة (16).   ، وأن إضلاله لعبده له أسباب من العبد، وهو توليه للشيطان: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنهم اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ سورة : الأعراف (30).  ، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ سورة : الصف (5).   .

وإذا اشتبهت آيات على الجبري الذي يرى أن أفعال العباد مجبورون عليها، بينتها الآيات الأُخر الكثيرة الدالة على أن الله لم يجبر العباد، وأن أعمالهم واقعة باختيارهم وقدرتهم، وأضافها إليهم في آيات غير منحصرة.

كما أنّ هذه الآيات التي أضاف الله فيها الأعمال إلى العباد حسنها وسيِّئها، إذا اشتبهت على القدرية النفاة، وظنوا أنها منقطعة عن قضاء الله وقدره، وأنّ الله ما شاءها منهم ولا قدّرها، تليت عليهم الآيات الكثيرة الصريحة الدالة على تناول قدرة الله لكل شيء من الأعيان والأعمال والأوصاف، وأنّ الله خالق كل شيء.

ومن ذلك: أعمال العباد، وأن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.

وقيل للطائفتين- الجبرية والقدرية؛ المثال سيق فيهما-: إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها، وإنها لا تتنافى).

هـٰذا يسمى الجواب الإجمالي، وهـٰذا يسلكه العلماء المحققون في رد الشبه الواردة عليهم من كلام المشبهين؛ يجيبون بجواب إجمالي ينتظم جميع ما يورده الخصم من شبه.

ثم بعد تقرير هـٰذا الجواب الإجمالي الذي يصلح الجواب به على كل شبهة فيه جواب تفصيلي على أفراد الشبه التي يوردونها، هـٰذا الكلام المقدم في قوله: (وقيل للطائفتين: إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلِّها)هـٰذا كله من الجواب الإجمالي.

(وقيل للطائفتين: إن الآيات والنصوص كلها حق، ويجب على كل مسلم تصديقها والإيمان بها كلها، وإنها لا تتنافى، فهي واقعة منهم وبقدرتهم وإرادتهم، والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم.

وما أُجْمِلَ في بعض الآيات فسرته آيات أخر، وما لم يتوضح في موضع توضح في موضع آخر، وما كان معروفاً بين الناس وورد فيه القرآن أمراً أو ناهياً، كالصلاة والزكاة والزنى والظلم، ولم يفصله فليس مجملاً؛ لأنه أرشدهم إلى ما كانوا يعرفون، وأحالهم على ما كانوا به متلبسين، فليس فيه إشكال بوجه، والله أعلم) .

وهـٰذا الكلام الأخير لرفع دعوى من يدعي الإجمال في هـٰذه الأمور التي ذكرها المؤلف من الصلاة والزكاة والزنى والظلم، فإن من المبتدعة المنحرفين عن الصراط المستقيم من يفسر هـٰذه الأمور بأمور غير ما عُرفت شرعاً ولغة.

وهـٰذا من الإلحاد في القرآن والميل به عن ظاهره.

فالمؤلف رحمه الله يقول: الصلاة والزكاة والزنى والظلم التي ورد الأمر بها والنهي عنها مجملاً في كلام الله عز وجل قد ردّ الشرع الناس في معرفة هـٰذه الأمور إلىٰ ما كانوا يعرفونه من معاني هـٰذه المأمورات وهـٰذه المنهيات، مع أن الشارع في كل هـٰذه الأمور قد أضاف إضافات لا تقتضيها اللغة، ولذلك تجد أن التعريف الاصطلاحي أو الشرعي لهـٰذه الأمور إما أن يزيد على ما هو معروف لغة وهـٰذا قليل، وإما أن يقصر عما هو معروف لغة وهـٰذا هو الأغلب.

فالصلاة في اللغة معناها: الدعاء، وفي الشرع: التعبد لله عز وجل بأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فالمعنى أخص.

لكن المراد أن أصل المعنى في هـٰذه المأمورات وأصل المعنى في هـٰذه المنهيات معروف لدى المخاطبين، وإنما جاء الشرع بزيادة بيان وتوضيح.

 

 

    

خلاصة القاعدة:

نعم قبل أن ننتقل من هـٰذه القاعدة نذكِّر:

أن الإحكام العام معناه الإتقان.

والتشابه العام معناه التصديق.

والإحكام الخاص الذي في بعض الآيات: ظهور المعنى بحيث لا يشتبه.

والتشابه الخاص: خفاء المعنى.

فالواجب في المحكم والمتشابه رد المتشابه إلىٰ المحكم بحيث يكون الكتاب كله محكماً.

˜˜¹™™

 

 

 

 

    

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الحادية والعشرون

القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال

في أحكامه الراجعة للعرف والعادة)

 

شرح القاعدة, وبيان أهميتها:

 (هذه قاعدة جليلة المقدار، عظيمة النفع، فإن الله أمر عباده بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعاً وعقلاً وعرفاً، ونهاهم عن المنكر، وهو ما ظهر قبحه شرعاً وعقلاً وعرفاً.

 وأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصفهم بذلك.

فما كان من المعروف لا يتغير في الأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة، والصوم والحج، وغيرها من الشرائع الرّاتبة، فإنه أمر به في كل وقت. والواجب على الآخِرِين نظير الواجب على الأولين من هذه الأمة. وما كان من المنكر لا يتغير كذلك بتغير الأوقات كالشرك والقتل بغير حق، والزنى وشرب الخمر، ونحوها، ثبتت أحكامه في كل زمان ومكان، لا تتغير ولا يختلف حكمها) .

القسم الأول مما جاء الأمر به في الشرع: ما لا يتغير بتغير الزمان والمكان ولا بتغير الأحوال والأشخاص، فهو أمر الله عز وجل بما أمر به من هـٰذه الأمور، فأصلها ثابت في حق كل أحد، في كل زمان وفي كل مكان.

 القسم الثاني: هو الذي يجري فيه التغيُّر، وهو موضوع هـٰذه القاعدة التي ذكرها المؤلف في قوله: (القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة للعرف والعادة).

إذاً القسم الثاني من قوله:

(وما كان يختلف باختلاف الأمكنة والأزمة والأحوال، فهو المراد هاهنا.

فإن الله تعالى يردهم فيه إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت) .

العرف و العادة شيء واحد، العرف هو العادة، وهي ما يتكرر بلا موجب عقلي، هكذا عرفها بعض الأصوليين، ما يتكرر بلا موجب عقلي، إنما يتكرر عادة وألفة، وأما المصلحة فالمصلحة أمر آخر.

إذاً يكون هـٰذا القسم قد ردّ الشرع فيه الناس إلىٰ أمرين: إلىٰ العادة هـٰذا الأمر الأول، والثاني: المصلحة المتعيِّنة في ذلك الوقت.

 

    

أمثلة القاعدة:

(وذلك أنه أمر بالإحسان إلى الوالدين بالأقوال والأفعال، ولم يعين لعباده نوعاً خاصّاً من الإحسان والبر؛ ليعم كل ما تجدد من الأوصاف والأحوال، فقد يكون الإحسان إليهما في وقت غير الإحسان في الوقت الآخر، وفي حق شخص دون حق الشخص الآخر.

فالواجب الذي أوجبه الله: النظر في الإحسان المعروف في وقتك ومكانك، في حق والديك.

ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم).

وهـٰذا ما يسأل عنه كثير من الناس: كم مرة يزور والديه حتى يكون بارّاً بهما؟ مرة في الأسبوع، كل يوم، مرة في الشهر، مرة في السنة؟ هـٰذا لم يرد من الشرع فيه ضابط محدد، إنما هو يختلف باختلاف أحوال الناس: فقد يكون في الزمن السابق لما كان الاتصال عسيراً وصعباً ومكلِّفاً قد يكون الزيارة في السنة أو في الشهر أو في فترة متباعدة من البر، لكن الآن لو أن الشخص لا يرى أباه في السنة إلا مرة واحدة مع تيسر الوصول إليه وقرب حصول الاجتماع به، هل يكون هـٰذا من البر؟ لا يكون هـٰذا من البر.

إذاً مثل هـٰذا يرجع فيه إلىٰ العرف، فما هو ضابط بر الوالدين؟ العرف، لكن الضابط العام الذي تندرج تحته الصور المتعددة للبر هو الإحسان، فكل ما كان من الإحسان فهو من البر الذي أمرت به.

 

(ومثل ذلك: ما أمر به من الإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب ونحوهم، فإن ذلك راجع في نوعه وجنسه وأفراده إلى ما يتعارفه الناس إحساناً.

وكذلك ضده من العقوق والإساءة، ينظر فيه إلى العرف.

 وكذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة : النساء (19). ، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة : البقرة (228).  ، فرد الله الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما على الآخر إلى المعروف المتعارف عند الناس في قطرك، وبلدك وحالك.

وذلك يختلف اختلافاً عظيماً، لا يمكن إحصاؤه عداًّ.

فدخل ذلك كله في هذه النصوص المختصرة، وهذا من آيات القرآن وبراهين صدقه.

وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ﴾  سورة : الأعراف (31).  ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً﴾   سورة : الأعراف (26).   . فقد أباح لعباده الأكل والشرب واللباس، ولم يعين شيئاً من الطعام والشراب واللباس، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأحوال، فيتعلق بها أمره حيث كانت، ولا ينظر إلى ما كان موجوداً منها وقت نزول القرآن فقط.

وكذلك قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ سورة : الأنفال (60).  . ومن المعلوم: أن السلاح والقوة الموجودة وقت نزول القرآن غير نوع القوة الموجودة بعد ذلك.

فهذا النص يتناول كل ما يستطاع من القوة في كل وقت وبما يناسبه ويليق به.

وكذلك لما قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة : النساء (29). . لم يعيِّن لنا نوعاً من التجارة ولا جنساً، ولم يحدد لنا ألفاظاً يحصل بها الرِّضا، وهذا يدل على أن الله أباح كل ما عد تجارة ما لم ينه عنه الشارع، وأن ما حصل به الرضا من الأقوال والأفعال انعقدت به التجارة، فما حقق الرضا من قول أو فعل، انعقدت به المعاوضات والتبرعات.

وكم في القرآن من هذا النوع شيء كثير) .

هـٰذا من إعجاز القرآن وكونه صالحاً مصلحاً لكل زمان ومكان؛ لأنه أتى بهذه الجمل العامة التي يندرج تحتها ما لا يحصى ولا يحصر من الصور.

 

    

 

 وهـٰذه الآية: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أصل في جواز جميع العقود، وأن الأصل في جميع العقود-عقود المعاوضات- على اختلافها الحل، فمن قال في معاملة من المعاملات: إنها حرام فعليه أن يقيم الدليل على تحريم هـٰذه المعاملة، وإلا فالأصل في كل معاملة تعامل بها الناس الإباحة؛ لكن يبقى أنه يجب على الإنسان أن ينظر إلىٰ أسباب التحريم التي وردت في الشرع هل هي موجودة في هذه المعاملة أو لا؟ فإن سلمت المعاملة من أسباب التحريم فهي مباحة، فينظر هل فيها ربا؟ فإن سلمت من الربا فإنها ليست  محرمة لأجل الربا، ينظر إلى الغرر، ينظر إلى الميسر، ينظر إلىٰ الظلم، وما إلىٰ ذلك من الضوابط التي يرجع إليها التحريم في المعاملات، وإلا فالأصل أن المعاملة مباحة. ولذلك إذا اشتبه على الإنسان هل هـٰذه معاملة مباحة أو معاملة محرمة ؟ اشتبه ولم يصل إلىٰ حل وإلى نتيجة فهل يقول بالتحريم أو يقول بالإباحة؟ يقول بالأصل وهو الإباحة؛ لكن إن شاء أن يتورع فهـٰذا باب مفتوح، الكلام في التحليل والتحريم، التحليل والتحريم لابد أن يكون مستنداً إلىٰ دليل واضح بين يعذر به الإنسان بين يدي الله عز وجل في قوله: إن هـٰذا الشيء حرام، أو: هـٰذا الشيء ممنوع، أو: هـٰذا الشيء ليس بجائز. فالأصل في المعاملات الإباحة.

 

˜˜¹™™

 

 

 

 

    

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

(القاعدة الثانية والعشرون

في مقاصد أمثلة القرآن)

شرح القاعدة:

المراد بـ(أمثلة) جمع مثال، وهو المثل المضروب في كتاب الله عز وجل.

 وأصل المثل تشبيه الشيء بالشيء في الحكم. هذا أصل المثل، وهو:

إما أن يكون ضرب مثالٍ لمعنى معقول في أمر محسوس حتى يدركه الإنسان؛ لأن كثيراً من الأمور المعقولة لا يدركها الإنسان إلا بنظيرها من المحسوس.

وإما أن يكون تقريب محسوس بمحسوس، وسيأتي لذلك أمثلة من كلام المؤلف رحمه الله.

المهم أنّ الأصل في المثال هو تشبيه الشيء بالشيء في الحكم، والمراد به التوضيح والبيان، وأمثلة القرآن أنفع الأمثلة وأحسنها وأكملها، وتنفع الإنسان في التوصل للحكم، والتوصل لتعبير الرؤى وغير ذلك من المقاصد، ولكن كلما تعمق الإنسان في فهم المثل وتدبره حصّل من ذلك شيئاً كثيراً.

 

(اعلم أن القرآن الكريم احتوى على أعلى وأكمل وأنفع الموضوعات التي يحتاج الخلق إليها في جميع الأنواع، فقد احتوى على أحسن طرق التعليم، وإيصال المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأوضحه.

فمن أنواع تعاليمه العالية: ضرب الأمثال، وهذا النوع يذكره الباري في الأمور المهمة، كالتوحيد وحال الموحد، والشرك وحال أهله، والأعمال العامة الجليلة. ويَقصد بذلك كله توضيح المعاني النافعة، وتمثيلها بالأمور المحسوسة؛ ليصير القلب كأنه يشاهد معانيها رأي العين. وهذا من عناية الباري بعباده ولطفه).

 

 

 

 

    

أمثلة للقاعدة :

مثل الوحي والعلم:

(فقد مثّل الله الوحي والعلم الذي أنزله على رسوله في عدة آيات بالغيث والمطر النّازل من السماء، وقلوب الناس بالأراضي والأودية، وأن عمل الوحي والعلم في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأراضي:

فمنها: أراضٍ طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير، كمِثْل القلوب الفاهمة التي تفهم عن الله ورسوله وحيه وكلامه، وتعقله، وتعمل به علماً وتعليماً بحسب حالها، كالأراضي بحسب حالها.

ومنها أراضٍ تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، فينتفع الناس بالماء الذي تُمسكه فيشربون ويسقون مواشيهم وأراضيهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسّنة وتلقيه إلى الأمة؛ ولكن ليس عندها من الدراية والمعرفة بمعانيه ما عند الأولين، وهؤلاء على خير؛ ولكنّهم دون أولئك) .

لماذا كانوا دون أولئك؟ لأن أولئك حصّلوا المقصود من النصوص وهو الفهم والإدراك للمعنى الذي يثمر العمل والاستقامة، أما الحفظ المجرد فهو خيرٌ؛ لأن به تحفظ الشريعة وبه تحفظ السنة؛ لكن من حيث الإفادة من هـٰذه النصوص لم يحصل المقصود.

ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: عندي أن الفهم عن الله وعن رسوله خير من كثير من الحفظ. وهـٰذه المسألة تخفى على كثير ممن يشتغل بطلب العلم: تجده يحرص على كثرة المحفوظات، حتى المحفوظات التي لا تُفيده في فهم كلام الله وكلام رسوله، وليس عنده نظير ذلك من الحرص في فهم كلام الله وكلام رسوله، مع أن الأصل هو الاشتغال بالفهم لا بكثرة الحفظ.

ولذلك قال أبو عبد الرحمـٰن السلمي: "حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ـ لا يتجاوزون عشر آيات حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل، حتى تعلمنا العلم والعمل جميعاً"  أخرجه أحمد(23482) .

وذلك لإدراكهم المقصود من هـٰذه النصوص، فمن أشغل نفسه بفهم النصوص والاستنباط منها والإفادة منها، خير ممن اشتغل بالإكثار من الحفظ الذي يعرى عن الفهم؛ لكن إذا اجتمع حفظ وفهم فذلك خير إلىٰ خير ونور على نور.

(ومنها: أراضٍ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي لا علماً ولا حفظاً ولا عملاً.

ومناسبة الأراضي للقلوب كما ترى في غاية الظهور. وأما مناسبة تشبيهه الوحي بالغيث؛ فلأن الغيث فيه حياة الأرض والعباد وأرزاقهم الحسية، والوحي فيه حياة القلوب والأرواح ومادة أرزاقهم المعنوية) .

ولذلك لما كانت هـٰذه الأمور بها حياة القلوب وحياة الخلق في معاشهم ومعادهم كان من السنة في استفتاح صلاة الليل أن تتوسل إلىٰ الله عز وجل بربوبيته لمن اختصوا بهذه الأمور: ((اللهم رب جبرائيل)) معه حياة القلوب وهو الوحي ((وإسرافيل)) معه حياة الأبدان ((وميكائيل))  مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعائه بالليل، حديث رقم (770).    ومعه حياة الأرض بالمطر، فتوسل العبد إلىٰ الله عز وجل بأسباب الحياة أو بمن معهم وأوكل إليهم أسباب الحياة.

 

تمثيل كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة:

 (وكذلك مثّل الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فكذلك شجرة التوحيد ثابتة بقلب صاحبها معرفةً وتصديقاً وإيماناً وإرادةً لموجبها، وتؤتي أكلها -وهو منافعها- كل وقت من النّيّات الطيبة والأخلاق الزكية، والأعمال الصالحة والهدى المستقيم، ونفع صاحبها وانتفاع الناس به. وهي صاعدة إلى السماء؛ لإخلاص صاحبها وعلمه ويقينه) .

كل شجرة لها مادة تحيا بها، ولا بد من سقيها لتستقيم وتدوم، فما هي مادة حياة هـٰذه الشجرة شجرة التوحيد؟ مادة حياتها هي العلم النافع والعمل الصالح، فبقدر ما مع الإنسان من العلم النافع والعمل الصالح بقدر ما تزكو شجرة توحيده وترسخ وتزكو وتستقيم وتثمر. وهـٰذا من نعمة الله على العبد التي تظهر بهذه العبادات الموظفة في الأوقات: فجر، ظهر، عصر، مغرب، عشاء، كل هـٰذا لماذا؟ لتحيا القلوب وتتغذى بهذه العبادات وتقوى، فمادة هـٰذه الشجرة هي العلم النافع والعمل الصالح.

 

تمثيل الشرك:

(ومثّل الله الشرك والمشرك بأن اتخذ مع الله إلهاً يتعزز به، ويزعم أنه سينال منه النفع، ودفع الضرر في ضعفه ووهنه كالعنكبوت اتخذت بيتاً وهو أوهن البيوت وأوهاها، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفاً إلى ضعفها. كذلك المشرك ما ازداد باتخاذه ولياًّ ونصيراً من دون الله إلا ضعفا؛ لأنّ قلبه انقطع عن الله، ومن انقطع قلبه عن الله حلّه الضعف من كل وجه، وتعلّقه بالمخلوق زاده وهناً إلى وهنه، فإنّه اتكل عليه وظنّ منه حصول المنافع، فخاب ظنّه وانقطع أمله) .

ولذلك كلما قوي ركون القلب إلىٰ الله عز وجل وتوكله عليه قوي الإنسان، وبقدر ما يدخل على الإنسان من الشرك بقدر ما يدخل عليه من الوهن، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)﴾  سورة : الجن (6). . فالواجب على المؤمن أن يخلّص توحيده، وأن يتوكل على الله عز وجل حق توكله، وإذا كان كذلك فقد سلم من أسباب الخوف وقوي إيمانه وقويت نفسه، وأصبح راسخاً ثابتاً، لا تستفزّه الحوادث ولا تخيفه الخطوب.

(وأما المؤمن فإنه قوي بقوة إيمانه بالله وتوحيده وتعلّقه بالله وحده، الذي بيده الأمر والنفع، ودفع الضرر، وهو المتصرف في أحواله كلها، كالعبد الذي استقام على صراط مستقيم في أقواله وأفعاله، منطلق الإرادة حرٌّ في نسخة: تحرر. عن رق المخلوقين، غير مقيد لهم بوجه من الوجوه. بخلاف المشرك فإنه كالعبد الأصم الأبكم الذي هو كَلٌّ  في نسخة: وعالة. على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، لأن قلبه متقيد للمخلوقين مُسْتَرق لهم، ليس له انطلاق ولا تصرف في الخير ولا شعور به.

ومثله أيضاً كالذي خر من السماء فتخطفته الطيور ومزقته كل ممزق.

وهؤلاء الذين زعموا أنهم آلهة ينفعون ويدعون لو اجتمعوا كلهم على خلق أضعف المخلوقات -وهو الذّباب- لم يقدروا باجتماعهم على خلقه، فكيف ببعضهم!! فكيف بفرد من مئات الألوف منهم!! وأبلغ من ذلك أن الذباب لو يسلبهم شيئاً لم  يقدروا على استخلاصه منه ورده، فهل فوق هذا الضعف ضعف؟ وهل أعظم من هذا الغرور الذي وقع فيه المشرك غرور؟ وهو مع هذا الغرور وهذا الوهن والضعف منقسم  في نسخة: متقسِّم.  قلبه بين عدة آلهة، كالعبد الذي بين الشركاء المتشاكسين، لا يتمكّن من إرضاء أحدهم دون الآخر. فهو معهم في شر دائم وشقاء متراكم. فلو استحضر المشرك بعض هذه الأحوال الوخيمة لربأ بنفسه عما هو عليه، ولعلم أنه قد أضاع عقله ورأيه بعدما أضاع دينه.

وأما الموحّد فإنه خالص لربه، ولا يعبد إلا إياه  في نسخة: خالقه وبارئه. ، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه، وقد اطمأن قلبه واستراح، وعلم أن الدين هو الحق وأن عاقبته أحمد العواقب، ومآله الخير والفلاح والسعادة الأبدية، فهو في حياة طيبة، ويطمح في نسخة: يطمع. في حياة أطيب منها).

 

مثل الأعمال:

(ومثَّل الله الأعمال بالبساتين، فذكر العمل الكامل الخالص له الذي لم يعرض له ما يفسده كبستان في أحسن المواضع وأعلاها، تنتابه الرياح النافعة، وقد ضَحَى وبرز للشمس، وفي خلاله الأنهار الجارية المتدفقة، فإن لم تكن غزيرةً فإنها كافيةٌ له كالطل الذي ينزل من السّماء، ومع ذلك فأرضُه أطيب الأراضي وأزكاها، فمع توفّر هذه الشروط لا تسأل عما هو عليه من زَهاءِ الأشجار وطيب الظلال ووفرة  في نسخة: ووفور.  الثمار، فصاحبه في نعيم ورغد متواصل، وهو آمن عن انقطاعه وتلفه، فإن كان هذا البستان لإنسان قد كبر وضعف من العمل، وعنده عائلة ضعاف لا مساعدة منهم ولا كفاءة، وقد اغتبط به حيث كان مادته ومادة عائلته، ثم إنه جاءته آفة وإعصار أحرقه وأتلفه عن آخره. فكيف تكون حسرة هذا المغرور‍‍‍‍‍‍؟ وكيف تكون مصيبته؟ وهذا هو الذي جاء بعد العمل بما يُبطل عمله الصالح من الشرك أو النفاق أو المعاصي المحرقة. فيا ويحه، بعد ما كان بستانه زاكياً زاهياً أصبح تالفاً قد أيس من عوده، وبقي بحسرته مع عائلته.

فهذا من أحسن الأمثال وأنسبها: فقد ذكر الله صفة بستان من ثبّته الله على الإيمان والعمل الصالح، و بستان من أبطل عمله بما ينافيه ويضاده. ويؤخذ من ذلك أن الذي لم يوفّق للإيمان ولا للعمل أصلاً أنه ليس له بستان أصلاً.

ووجه تشبيه الأعمال بالبساتين: أن البساتين تمدها المياه وطيب المحل وحسن الموقع، فكذلك الأعمال يمدها الوحي النازل لحياة القلوب الطيبة. وقد جمع العامل جميع شروط قبول العمل من الاجتهاد والإخلاص والمتابعة، فأثمر عملُه كل زوج بهيج.

وقد مثّل الله عمل الكافر بالسّراب الذي يحسبه الظمآن ماء، فيأتيه وقد اشتد به الظمأ، وأنهكه الإعياء، فيجده سراباً.

ومثّله بالرماد الذي أحرق، فجاءته الرياح فذرته فلم تبق منه باقية. وهذا مناسب لحال الكافر وبطلان عمله، فإن كفره ومعاصيه بمنزلة النار المحرقة، وعمله بمنزلة الرماد والسراب الذي لا حقيقة له، وهو ما كان يعتقده نافعاً له، فإذا وصله ولم يجده شيئاً تقطعت نفسه حسرات، ووجد الله عنده فوفاه حسابه.

كما مثّل نفقات المخلصين بذلك البستان الزكي الزاهي.

ومثّل نفقات المرائين بحجر أمْلسَ عليه شيء من تراب، فأصابه مطر شديد تركه صلداً لا شيء عليه، لأن قلب المرائي لا إيمان فيه ولا تصديق ولا إخلاص، بل قاسٍ كالحجر، فنفقته حيث لم تصدر عن إيمان، بل عن رياء وسمعة لم تؤثر في قلبه حياةً ولا زكاةً، كهذا المطر الذي لم يؤثر في هذا الحجر الأملس شيئاً).

 

    

 

(وهذه الأمثال إذا طُبِّقت على مُمَثَّلاتها وضَّحتها وبينتها وبينت مراتبها من الخير والشر والكمال والنُّقصان).

 

 

 

    

 

(ومثّل الله حال المنافقين بحال من هو في ظلمة، فاستوقد ناراً من غيره، ثُمّ لما أضاءت ما حوله، وتبين له الطريق، ذهب نورهم وانطفأ ضوؤهم، فبقوا في ظلمة عظيمة أعظمَ من الظلمة التي كانوا عليها أولاً.

وهكذا المنافق: استنار بنور الإيمان، فلما تبين له الهدى غلبت عليه الشِّقوة، واستولت عليه الحيرة، فذهب عنه نوره أحوج ما هو إليه، وبقي في ظلمة متحيراً. فهم لا يرجعون؛ لأن سنة الله في عباده أن من بان له الهدى، واتَّضح له الحق ثم رجع عنه أنه لا يوفقه بعد ذلك للهداية؛ لأنه رأى الحق فتركه، وعرف الضلال فاتَّبعه.

وهذا المثل ينطبق على المنافقين الذين تبصروا وعرفوا، ثم غلبت عليهم الأعراض الضارة فتركوا الإيمان.

والمثال الثاني وهو قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانهم مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ سورة : البقرة (19).  . ينطبق على المنافقين الضالين المتحيِّرين الذين يسمعون القرآن ولم يعرفوا المراد منه؛ لأنهم أعرضوا عنه، وكرهوا سماعه اتباعاً لرؤسائهم وسادتهم).

    

 

ومثّل الله الحياة الدنيا وزهرتها والاغترار بها بحالة زهرة الرّبيع، تعجب الناظرين، وتغر الجاهلين، ويظنون بقاءها، ولا يؤَمِّنون زوالها، فَلَهَوا بها عما خلقوا له، فأصبحت عنهم زائلة، وأضحوا لنعيمها مفارقين في أسرع وقت، كهذا الرّبيع إذا أصبح بعد الاخضرار هشيماً، وبعد الحياة يبساً رميماً.

وهذا الوصف قد شاهده الخلق واعترف به البر والفاجر، ولكن سكر الشهوات وضعف داعي الإيمان اقتضى إيثار العاجل على الآجل) .

 

    

 

قال جل وعلا في كتابه: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ (43)  سورة : العنكبوت (43). . كان بعض السلف إذا قرأ هـٰذه الآية، فإذا قرأ مثلاً لم يفهمه ولم يدرك المراد منه بكى، فقيل له في ذلك، فقرأ هـٰذه الآية، وذلك أن الأمثال التي يضربها الله جل وعلا في كتابه لا يدركها إلا من كمل علمه، وكثير من المعاني التي مرت علينا في كلام الشيخ رحمه الله تغيب عن أكثر من يقرأ كلام الله جل وعلا. فينبغي للإنسان أن يهتم بهذا الأمر، وأن ينتفع من كلام أهل العلم في العناية بهذه الأمثال المضروبة.

وقد أطال الكلام على فائدة الأمثال وبيان ما فيها من الأسرار ابن القيم رحمه الله في عدة مواضع، من ذلك ما ذكره في كتاب إعلام الموقعين في أول الكتاب، مراجعة ذلك مفيدة تنبه الإنسان على غفلته عن تدبر كلام الله عز وجل والعناية بمعناه.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق