النكرة هي ما يصدق على الكثير والقليل، هي ما شاع في جنسه بلا تعيين، هـٰذه هي النكرة، ما شاع في الجنس بغير تعيين، فيصدق على العدد الكثير والقليل، بخلاف المعرفة؛ فإن المعرفة لا تصدق إلا على عدد يسير؛ عدد قليل إما واحد أو أكثر لكنه قليل.
النكرة إذا وردت في سياق النفي، أو النهي هـٰذا ثانٍ، أو الشرط هـٰذا ثالث، أو الاستفهام هـٰذا رابع، دلت على العموم؛ يعني أفادت عموم المعنى فيما سيقت له: نفياً أو نهياً أو استفهاماً أو شرطاً، ويتبيَّن هـٰذا إن شاء الله تعالىٰ بالأمثلة التي ساقها المؤلف رحمه الله.
(كقوله تعالىٰ:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ سورة : النساء (36). فإنّه نهي عن الشرك به في النيات، والأقوال والأفعال، وعن الشِّرك الأكبر والأصغر، والخفي والجلي. فلا يجعل العبد لله ندّاً ومشاركاً في شيء من ذلك) .
هـٰذا مثال لأي شيء؟ لمجيء النكرة في سياق النهي، أين النكرة؟ قوله: (شَيْئاً) هـٰذه نكرة تصْدُق على القليل والكثير؛ لكن لما جاءت في سياق النهي أفادت النهي عن كل ما يصدق عليه أنه شرك، ولذلك قال المؤلف: (فإنها) يعني هـٰذه الآية (نهي عن الشرك به في النيات) يعني المقاصد، (والأقوال) مثل الحلف بغير الله، ومثل ما شاء الله وشئت، (والأفعال) كالذبح لغير الله، والنذر لغير الله وما إلىٰ ذلك، (وعن الشرك الأكبر) كالذبح لغير الله، (والأصغر) كيسير الرياء، (والخفي) كالرياء أيضاً، (والجلي) الظاهر. فهـٰذه الآية تنتظم جميع الشرك وتنهى عنه، فأفادت النكرة في سياق النهي نهياً عن شرك معين أو عن كل شرك؟ عن كل شرك. وهـٰذا المقصود من هـٰذه القاعدة، فالنكرة لما وقعت في سياق النهي أفادت العموم في المعنى، واضح.
هـٰذا نفي أو نهي؟ نفي، أين النكرة؟ ﴿نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ ثلاث نكرات عندنا ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ أيّ نفس، ﴿لِنَفْسٍ﴾ أيّ نفس، ﴿شَيْئاً﴾ يعني أيّ شيء، فلا يمكن أن ينفع أحدٌ أحداً يوم القيامة إلا بما قدّره الله ورضيه وقضاه، وهـٰذا يقطع كل العلائق، وأنّ الإنسان لا يعلِّق قلبه إلا بالله عز وجل؛ لأنّه إذا كان لا ينفع في ذلك اليوم إلا هو جل وعلا، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، لم يجُز للعبد أن يعلق قلب بغيره جل وعلا.
(وكقوله تعالى:﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ سورة : يونس (107). ، فكل ضر قدره الله على العبد ليس في استطاعة أحد من الخلق كائناً من كان كشفه بوجه من الوجوه.
ونهاية ما يقدر عليه المخلوق من الأسباب والأدوية:إنما هو جزء من أجزاء كثيرة داخلة في قضاء الله وقدره.
وقوله:﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ سورة : فاطر (2).،وقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ سورة : النحل (53).يشمل كل خير في العبد ويصيب العبد، وكل نعمة فيها حصول محبوب، أو دفع مكروه، فإن الله هو المتفرد بذلك وحده) .
الآية الأولى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ هنا أين النكرة؟ قوله: ﴿بِضُرٍّ﴾ هـٰذه نكرة وهي في سياق الشرط في قوله: ﴿وَإِن﴾ إن شرطية، و ﴿يَمْسَسْكَ﴾ فعل الشرط، ﴿بِضُرٍّ﴾ هـٰذه جاءت في سياق الشرط فأفادت أي شيء؟ العموم؛ عموم أي ضر مما يقدره الله؛ أي ضر يصيبك فهو بتقدير الله عز وجل ﴿فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ أيضاً فيه شاهد آخر في قوله: ﴿فَلاَ كَاشِفَ﴾ كاشف نكرة في سياق النفي فتعم، وكذلك في قوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾.
وقوله تعالىٰ:﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾النكرة قوله: ﴿رَّحْمَةٍ﴾ وهي في سياق الشرط فإن ما شرطية ﴿فَلا مُمْسِكَ﴾ هـٰذا نفي وهي كالتي قبلها.
مراد المؤلف رحمه الله بقوله: (صارت نصّاً في العموم) أي لا تقبل الاحتمال؛ لأن دلالة صيغ العموم عليه نوعان : دلالة نص ودلالة ظاهر.
دلالة النص هي: ما لا يقبل الاحتمال.
ودلالة الظاهر هي: ما يحتمل العموم ويحتمل الخصوص.
فإذا دخلت مِن على الكلام على النكرة وهي في سياق نفي أو شرط أو استفهام أو نهي أفادت أي شيء؟ أفادت العموم وهي نص فيه؛ يعني لا تقبل الاحتمال فتصدق على القليل والكثير، هـٰذا معنى قوله رحمه الله: (صارت نصًّا في العموم).
فمثلاً: ما عندي رجل، (ما) نافية أليس كذلك؟ و(رجل) نكرة في سياق النفي أليس كذلك؟ تفيد العموم.
هل العموم هنا ظاهر أو نص؟ ظاهر، لماذا؟ لأنه يحتمل أن أقول: بل رجلان. أليس كذلك؟ ألا يحتمل أن يكمل الجملة ويقول: ما عندي رجل بل رجلان، أو: بل رجال، فصار العموم هنا ظاهراً أو نصًّا؟ ظاهراً؛ لأنه يحتمل العموم ويحتمل الخصوص.
لكن إذا قلت: ما عندي من رجل. هل هـٰذه نص أو ظاهر؟ نص؛ لأنه لا يسوغ في اللغة العربية أن تقول: ما عندي من رجل. ثم تقول: بل رجلان. وهـٰذا الفرق بين الظاهر والنص.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القاعدة الخامسة
المقرر: أن المفرد المضاف يفيد العموم
كما يفيد ذلك اسم الجمع)
الاسم المفرد ضد الجمع، وهو ما لا يدل إلا على واحد؛ ولكن قيده قال: (المفرد المضاف) يعني إلى غيره (يفيد العموم) يعني في السياق الذي ورد فيه.
أمثلة للقاعدة:
(فكما أن قوله تعالى:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ سورة : النساء (23).إلى آخرها يشمل كل أم انتسبت إليها، وإن علت. وكل بنت انتسبت إليك وإن نزلت -إلى آخر المذكورات-.
فكذلك قوله تعالى:﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ سورة : الضحى (11). فإنها تشمل النعم الدينية والدنيوية).
النعمة اسم مفرد أو جمع ؟ مفرد، مضاف؟ الآن هو في هـٰذا السياق مضاف أو ليس مضافاً؟ مضاف إلىٰ ﴿رَبِّكَ﴾ هل أفاد العموم؟ نعم، ولذلك:﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾قال المؤلف رحمه الله: (فإنها تشمل النعم الدينية والدنيوية).
يعني كل نعمة ينعم الله بها عليك فهي صادقة أو مندرجة في هـٰذه الآية، فتدخل في قوله:﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾فتحدث بنعمة الله عليك في دينك وبنعمة الله عليك في دنياك.
﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ اسم جمع فأفادت العموم، ألم يقل: (المفرد المضاف يفيد العموم) ثم نظّر هـٰذا باسم الجمع قال: (كما يفيد ذلك اسم الجمع)؟ فأعطانا أول مثال لاسم الجمع الذي قيس عليه، ثم رجع إلىٰ القاعدة المقصودة، وهي أن المفرد المضاف يفيد العموم، واضح؟
وقوله:﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ سورة : البقرة (125). على أحد القولين:إنه يشمل جميع مقاماته في مشاعر الحج:اتخذوه معبداً.
وأصْرَح من هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ سورة : النحل (123). ،وهذا شامل لكل ما هو عليه من التوحيد والإخلاص لله تعالى، والقيام بحق العبودية.
وأعم من ذلك وأشمل:قوله تعالىٰلما ذكر الأنبياء:﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ سورة : الأنعام (90). فأمره الله أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدى المستقيم.
وهذه الآية أحد الأدلة على الأصل المعروف:أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه. وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ سورة : الأنعام (153). ،وهذا يعمّ جميع ما شرعه لعباده، فعلاً وتركاً، اعتقاداً وانقياداً، وأضافه إلى نفسه في هذه الآية لكونه هو الذي نصبه لعباده، كما أضافه إلى الذين أنعم عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ سورة : الفاتحة (7) 0 لكونهم هم السالكين له. فصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين في نسخة: ما اتصفوا به.من العلوم والأخلاق والأوصاف والأعمال.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ سورة : الكهف (110). يدخل في ذلك جميع العبادات الظاهرة والباطنة، والعبادات الاعتقادية والعملية).
هذا عطف بيان، من الصفة الكاشفة: العبادات الاعتقادية ترجع إلىٰ الباطنة، والعبادات العملية ترجع إلىٰ الظاهرة.
فالعبادات الباطنة هي ما يقوم بالقلب من الخوف والخشية والإنابة والتوكل وغير ذلك.
وأما العملية فهي الظاهرة وأصلها أركان الإسلام.
(كما أن وصف الله لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعبودية المضافة إلى الله كقوله:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ سورة : الإسراء (1). وكقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ سورة : البقرة (23). وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ سورة : الفرقان (1). تدل على أنه وفَّى جميع مقامات العبودية، حيث نال أشرف المقامات بتوفيته لجميع مقامات العبودية، وقوله:﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ سورة : الزمر (36). فكلما كان العبد أقوم بحقوق العبودية كانت كفاية الله له أكمل وأتم، وما نقص منها نقَص من الكفاية بحسبه.
وقوله:﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ سورة : القمر (50).،﴿إِنَّمَاقَوْلُنَالِشَيْءٍإِذَاأَرَدْنَاهُأَنْنَقُولَلَهُكُنْفَيَكُونُ﴾ سورة : النحل (40). يشمل جميع أوامره القدرية الكونية. وهذا في القرآن شيء كثير) .
هـٰذه القاعدة الخامسة وهي قاعدة واضحة سهلة مفيدة، وقد ذكر المؤلف رحمه الله لها من الأمثلة ما يوضحها توضيحاً لا مزيد عليه.
القواعد التي مضت من القاعدة الثانية إلى القاعدة الخامسة هي قواعد أصولية من حيث الأصل، استعملها العلماء رحمهم الله في آيات الكتاب وفي أحاديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يعني في النصوص.
وأما القاعدة السادسة وما بعدها من القواعد، فهي القسم الثاني مما تضمنه هـٰذا الكتاب وهي القواعد القرآنية، يعني القواعد التي تبين طريقة القرآن في معالجة بعض الأمور، فهي ليست قواعد أصولية كالسابقة، إنما هي قواعد قرآنية تبين منهج القرآن في معالجة بعض القضايا والأمور.
مراده بالتوحيد في هـٰذه القاعدة جميع أنواع التوحيد:
· توحيد الإلهية وهو بالدرجة الأولى.
· وتوحيد الأسماء والصفات.
· وتوحيد الربوبية.
طرق تقرير التوحيد:
(وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الألوهية، وإخلاص العبادة لله وحده، لا شريك له، ويخبر أن جميع الرسل في نسخة: إنما أرسلت. تدعو قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأن الكتب والرسل في نسخة: بل الفطر والعقول السليمة كلها. اتفقت على هذا الأصل، الذي هو أصل الأصول كلها، وأن من لم يَدِنْ بهذا الدين الذي هو إخلاص العبادة والقلب والعمل لله وحده فعمله باطل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ سورة : الزمر (65).، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة : الأنعام (88).).
هذه الآية خطاب لمن في قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؟ هذه خطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن قبله من الأنبياء، فهل يتصور الشرك من الأنبياء؟ هل يمكن أن يقع الشرك من الأنبياء؟ لا، إذاً لماذا خوطبوا بهذا الخطاب؟ خوطبوا بهذا لبيان مراتب الأعمال.
ليس المقصود احتمال وقوع ذلك منهم، فهم معصومون من كبائر الذنوب فضلاً عن الشرك، وإنما جاء هذا الخطاب ليبين لنا مرتبة الشرك وخطورته، فمثل هذه النصوص تبين لنا مرتبة العمل ومنزلته، وليس المقصود أن ذلك يمكن ذلك أن يقع منهم. وكذلك: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ عائد على الأنبياء المذكورين في سورة الأنعام ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
(ويدعو العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم من أن الله المنفرد بالخلق والتدبير والمنفرد بالنعم الظاهرة والباطنةهو الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولا ينبغي أن يكون شيء منها لغيره، وأن سائر الخلق ليس عندهم أي قدرة على خلق، ولا نفع، ولا دفع ضر عن أنفسهم، فضلاً عن أن يغنوا عن أحد غيرهم من الله شيئاً).
(ويدعوهم أيضاً إلى هذا الأصل بما يَتَمَدَّح به، ويُثني على نفسه الكريمة، من تفرده بصفات العظمة والمجد، والجلال والكمال، وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه مشارك:أحق من أُخلصت له الأعمال الظاهرة والباطنة.
ويقرر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده، فلا يحكم غيره شرعاً ولا جزاءً: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ سورة : يوسف (40). ) .
أين القدر؟ قال: (فلا يحكم غيره شرعاً ولا جزاء) ولم يذكر القدر، لم يذكره المؤلف رحمه الله، وسبب عدم ذكره أنه لا خصومة بين الأنبياء وأقوامهم في الحكم القدري، فهم مقرون بأنه لا يحكم قدراً إلا الله جل وعلا، وإنما خلافهم في الحكم الشرعي، فهم عبدوا الأصنام من دون الله عز وجل ورجعوا إليها وتركوا عبادة الله وحده، ولذلك احتاج إلىٰ أن ينص على الشرع والجزاء دون القدر.
(وتارة يقرر هذا بذكر محاسن التوحيد، وأنه الدين الوحيد الواجب شرعاً وعقلاً وفطرة، على جميع العبيد، وبذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحابه بعد اختلال أديانهم، وتقليب أفئدتهم، وكونهم في نسخة: أضل من الأنعام سبيلاً. في شك وأمر مريج) .
كم طريقاً ذكر لتقرير التوحيد؟ إلىٰ الآن ثلاثة طرق:
الطريق الأول: تقرير توحيد الربوبية في قوله رحمه الله: (ويدعو العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم من أن المتفرد بالخلق والتدبير) إلىٰ آخره، هـٰذا استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، هـٰذا الطريق الأول، وهو الطريق الأكثر في كتاب الله عز وجل في مناقشة المشركين والكفار.
الطريق الثاني: ذكر صفات الكمال والجلال وما اتصف به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من العظمة والمجد، فإذا كان كاملاً في صفاته فلا يسوغ ولا يجوز أن يسوى به غيره، هـٰذا الطريق الثاني، وهو الاستدلال بكمال الصفات على وجوب الإخلاص لله عز وجل في العبادة.
الطريق الثالث: ذكر محاسن التوحيد والثناء على أهله، وبيان حسن عاقبة من أخذ به وعمل.
إذاً هـٰذه ثلاثة طرق.
الطريق الرابع: (وتارة يدعو إليه بذكر ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتّب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة، وكيف كانت عواقبهم أسوأ العواقب وشرها.
وبالجملة:فكل خير عاجل وآجل فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل وآجل فإنه من ثمرات الشرك والله أعلم) .
إذاً الطريق الرابع: بيان عاقبة الموحدين وعاقبة المشركين، وبيان العاقبة يحث هـٰذا الإنسان على سلوك أحد الطريقين.