كثيراً ما ينفي الله الشيء لانتفاء في نسخة: لعدم. فائدته وثمرته المقصودة منه، وإن كانت صورته موجودة).
شرح القاعدة:
هـٰذه القاعدة قاعدة مفيدة ومهمة في القرآن وفي غيره من النصوص، كأحاديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينفي الشيء، ونفي الشيء:
· تارة يرد لنفي وجوده وحقيقته.
· وتارة يرد لنفي مقصوده ومنفعته.
· وتارة يرد لنفي كماله وبيان نقصه.
· وتارة يرد ويراد به أن ذلك ليس مقصوداً، ولا ينفع صاحبه، وليس هو من غرض الشارع.
هـٰذه أربعة أسباب يرد لأجلها النفي.
وقد يرد النفي لغير هـٰذه الأمور، والذي يحدد المقصود من النفي هو السياق، فالقرائن اللفظية والقرائن الحالية هي التي تدل أي المرادات وأي المقاصد هو المراد بالنفي.
إذاً النفي يرد ويراد به نفي الوجود والحقيقة، ونفي المقصود والمنفعة، ونفي الكمال الذي هو دال على النقص في العمل، ويرد ويراد به عدم الانتفاع وأنه ليس مقصوداً للشارع.
نأخذ أمثلة على هـٰذه الأمور:
النفي لنفي الحقيقة والوجود: مثل كلمة (لا إلـٰه إلا الله)، فإنها نفي لحقيقة وجود إلـٰه مستحق للعبادة غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
النفي لأجل انتفاء المقصود وعدم حصول المنفعة في ذلك: مثل نفي السمع والبصر والعقل عن الكفار، كما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله في هـٰذه القاعدة، منه أيضاً قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا صلاة بغير طهور)) سنن أبي داوود: كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، حديث رقم (59). قال الشيخ الألباني: صحيح. ، فالنفي هنا لنفي المنفعة وإن كانت الصورة موجودة.
هـٰذه قاعدة مهمة مفيدة لطالب العلم في القرآن، وفي الحديث، وفي الفقه؛ ليستفيد منها في علوم كثيرة.
نقرأ ما ذكره المؤلف رحمه الله، الآن يبحث عن النوع الثاني أو يتكلم عن النوع الثاني مما ذكرنا، وهو أنه كثيراً ما ينفي الله الشيء لانتفاء فائدته وثمرته المقصودة منه، وإن كانت صورته موجودة.
(وذلك أن الله خلق الإنسان وركب فيه القوى، من السمع والبصر والفؤاد وغيرها؛ ليعرف بها ربه ويقوم بحقه، فهذا المقصود منها، وبوجود ما خلقت له تكمل ويكمل صاحبها.
وبفقد ذلك يكون وجودها أضر على الإنسان من فقدها في نسخة: عدمها. ، فإنها حجة الله على عباده، ونعمته التي توجد بها مصالح الدين والدنيا، فإما أن تكون نعمة تامة إذا اقترن بها مقصودها، أو تكون محنة وحجة على صاحبها إذا استعملها في غير ما خلقت له. ولهذا كثيراً ما ينفي الله تعالى هذه الأمور الثلاثة عن أصناف الكفار في نسخة: الكافرين. والمنافقين، كقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ(171)﴾ سورة : البقرة (171). ،﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾، ﴿وأكثرهم لا يعلمون﴾. وقال تعالىٰ: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ سورة : الأعراف (179). ، فأخبر أن صورها موجودة ولكن في نسخة: وأن. فوائدها مفقودة، وقال تعالىٰ: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ سورة : الحج (46). . وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(80)﴾ سورة : النمل (80). .والآيات في هـٰذا المعنى كثيرة جدّاً. وقال تعالىٰ:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(150) أُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ سورة : النساء (150-151). ، فأثبت لهم الكفر من كل وجه؛ فلم يكن دعواهم الإيمانَ ببعض ما يقولون: آمنا به من الكتب والرسل بموجب لهم الدخول في في نسخة: حقيقة. الإيمان؛ لأن إيمانهم به مفقودة فائدته في نسخة: ثمرة إيمانهم مفقودة. ، حيث كذبوهم في في نسخة: صحة. رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغيره من الرسل الذين لم يؤمنوا بهم في نسخة: ممن كفروا به. ، وحيث أنكروا من براهين الإيمان ما هو أعظم من الطريق الذي أثبتوا به رسالة من ادعوا الإيمان به).
النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم الرسل آيات، فآياته أعظم الآيات، فما جاء رسول بآية إلا وقد جاء الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنظيرها ومثيلها وما هو أعظم منها، وأعظم ما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تقدم القرآن العظيم.
فمن كذب رسالة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد كذب رسالة رسوله الذي يؤمن به؛ لأن رسوله الذي يؤمن به بشّر برسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبر به، هـٰذا من وجه.
ومن وجه آخر: أن الذي جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الآيات أعظم في الدلالة على نبوته من آيات ذلك الرسول الذي صدق به، فتكذيبه لهذه الآيات البينات الواضحات الظاهرات الساطعات التي لا تقبل النقاش يدل على أنه لم يؤمن برسوله؛ لأن آيات الرسول الذي يؤمن به دون آيات خاتمهم محمد بن عبد الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولذلك كل من كذب برسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه مكذب بكل رسول، وهـٰذا هو الذي أشار إليه قوله تعالىٰ:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ أي ببعض الرسل ﴿وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(150)﴾ أي طريقاًلم يشرعه الله ﴿أُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ سورة : النساء (150-151). ،سبحان الله، فأثبت الكفر بجميع معانيه لهؤلاء، ولذلك قال الشيخ رحمه الله: (فأثبت لهم الكفر من كل وجه).
كان يكفي أن يقول: ﴿أُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ لكن قال: ﴿حَقًّا﴾ أي ثابتاً صحيحاً واضحاً ظاهراً؛ لأن الحق هو الثابت الذي لا يقبل المعارضة.
ويشبه هذا:ترتيبَ الباري كثيراً من الواجبات والفروض على الإيمان،كقوله:﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة : آل عمران (122). ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سورة : المائدة (23).).
هناك فرق بين الآيتين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ لا فرق بينهما في أن من لوازم الإيمان التوكل على الله عز وجل؛ لكن الأولى جاءت بذكر الوصف في الحكم مما يدل على أن ذلك الوصف مؤثر في ثبوت الحكم، فمن لم يثبت توكله فإنه لا إيمان له، ولذلك قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة : آل عمران (122). ، فدل ذلك على أن الإيمان يزداد ويثبت للشخص بحصول التوكل منه، وأما الثاني -الآية الثانية- فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سورة : المائدة (23). ،فقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جملة شرطية، وجواب الشرط فيها فهم مما تقدمها وهو قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ وإنما قدم ذلك لبيان انفراده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالتوكل، وتقدير الشرط ﴿إن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فتوكلوا عليه أو فعليه فتوكلوا.
(وقال تعالىٰ:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى قوله:﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ سورة : الأنفال (41). ، وقوله:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3) أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ سورة : الأنفال (2-4). ، وذلك أن الإيمان في نسخة: الصادق. الواجب يقتضي (صدق العقيدة) وأداء الفرائض والواجبات، ويقتضياجتنابالشرك والمحرمات، فما لم يحصل ذلك فهو إلىٰ الآن في نسخة: بعد. لم يتم ولم يتحقق، فإذا وجدت هـٰذه الأمور تحقق؛ولهذا قال:﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾.
وكذلك لما كان العلم الشرعي يقتضي العمل به، والانقياد لكتب الله ورسله، قال تعالىٰعن أهل الكتاب المنحرفين:﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ سورة : البقرة (101). .
ولذلك يجب على المؤمن أن يتحرّى تحقيق المقصود من أمر الله ورسوله، وأن لا يشتغل بصورة العمل عن لبه وحقيقته، ولذلك أثنى أهل العلم قديماً وحديثاً على من اعتنى بالمقاصد، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: العلم الحقيقي هو إدراك مقاصد كلام الله وكلام رسوله. فإن من الناس من لا يتنبه لذلك لا في الأقوال ولا في الأعمال، ويغفل عنها غفلة عظيمة، ويهتم فقط بالرسوم والصور، لا شك أن الرسوم والصور لها أثر؛ لكن أهم من هـٰذا وأولى بالاعتناء تصحيح الباطن والمقصد.
يُكتب للعبد عمله الذي باشره، ويكمَّل له ما شرع فيه وعجز عن تكميله في نسخة: قهراً عنه. ، ويكتب له ما نشأ عن عمله).
شرح القاعدة:
هـٰذا من فضل الله وسعة رحمته أنه (يُكتب للعبد عمله الذي باشره)؛ يعني الذي قام به.
والثاني: (ويكمل له ما شرع فيه) من العمل، يعني ولو لم يكمله، بشرط أن يمنع منه مانع خارج عن إرادة الإنسان.
الثالث: (ويكتب له ما نشأ عن عمله) أي نتائج عمله وما ترتب عليه، وسيأتي في كلام المؤلف رحمه الله بيان ذلك.
أولا: الأعمال التي باشرها العبد:
(فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن.
أما الأعمال التي باشرها العبد فأكثر من أن تحصى النصوص الدالة عليها، كقوله:﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة : المائدة (105). ، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ سورة : البقرة (286). ، ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ سورة : يونس (41). ،ونحو ذلك).
ومن ذلك قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك: ((إن أقواماً في المدينة ما سرتم مسيراً ولا نزلتم وادياً إلا شركوكم في الأجر)). قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: ((وهم بالمدينة، حبسهم العذر)) البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، حديث رقم (2839). وفي رواية: ((حبسهم المرض)) مسلم: كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، حديث رقم (1911). . فهٰؤلاء قوم خرجوا بقلوبهم ونياتهم مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن عجزوا عن الخروج بأبدانهم وأشباحهم، فالأشباح والصور محبوسة في المدينة بسبب المرض والعذر؛ لكن القلوب خارجة مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله لا يضيع من أحسن عملاً، وهؤلاء أحسنوا، فلهم من الأجر نظير ما لمن باشر العمل بصدقه ورغبته، وهـٰذا من فضل الله وواسع رحمته.
والمؤمن إذا تدبر هـٰذا حرص على أن يقيم في قلبه نية صالحة في كل وقت، أدرك ذلك أو لم يدركه، أهم شيء العزيمة على الرشد، فنسأل الله عز وجل العزيمة على الرشد.
ثالثا: نتائج عمله وما ترتب عليه:
(وأما آثار أعمال العبدفقد قال تعالى:﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ سورة : يـس (12). ،أيْ:باشروا عمله ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾، التي ترتبت على أعمالهم من خير وشر في نسخة: في الدنيا والآخرة. .
أشار الله عز وجل إلى الفرق بين نوعي العمل في سياق هاتين الآتين:
ففي الآية الأولى قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
الثانية ماذا قال جل وعلا؟ ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ما قال (به عمل صالح)، فجعل النفقة وقطع الوادي مكتوباً، وأما في القسم الأول فقال: ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ لأنه فرق بين الأمرين: فما ذكر في الآية الأولى هو ثمار الأعمال ونتائجها، وهي ليست من كسب الإنسان، الظمأ والنصب والمخمصة ليست من كسب الإنسان، إنما هو أمر ترتب ونتج عن طاعة الله عز وجل.
وأما الثاني فإنه عمل منه: فالنفقة عمل منه، وقطع الوادي عمل منه؛ ولذلك كتب له.
وهـٰذا الفرق بين التفريق في الآيتين:
في الأولى: قال: ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
وفي الثانية: قال: ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ فذاك كتب لهم؛ لأنه عمل صالح في ذاته.
وأما الأول فليس المخمصة أي المجاعة ولا الظمأ ولا النصب عملاً صالحاً في ذاته، ما أحد يؤجر على الجوع إلا بنية وهي نية التعبد: إما بصيام، أو أن يصيبه ذلك نتيجة عمل صالح، كالجهاد وقتال الكفار.
واضح الفرق بين الآيتين:
الأول: نتائج.
والثاني: أعمال.
(والأعمال التي هي من آثار عمل العبد نوعان:)
هـٰذا التفريق مهم تنبه له.
(أحدهما:أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالاً صالحة خيرية، فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله. وكمن يتزوج بغير نية حصول الأولاد الصالحين في نسخة: بقصد الإعفاف فقط. ، فيعطيه الله أولاداً صالحين، فإنه ينتفع بهم وبدعائهم.
والثاني:وهو أشرف النوعين:أن يقع ذلك بقصده، كمن علم (غيره) علماً نافعاً، فنفس تعليمه ومباشرته له من أجل الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك، فإنه في نسخة: هـٰذا. من آثار عمله.
وبهذا نعرف أن العمل الصالح -العمل النافع- يحصل به الأجر للإنسان على كل حال، إذا كان العمل متعدياً، العمل النافع المتعدي يحصل للإنسان به الأجر على كل حال، والفارق بين الأجرين هو النية والاحتساب، فبالاحتساب يعظم الأجر ويكبر، وبدونه يكون الأجر ثابتاً إلا أنه دون أجر من نوى واحتسب، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحتسب الخير والنفع، ولا يلزم في الخير والنفع التعيين، يعني لا يلزم مثلاً إذا ألقى كلمة في مجموعة أن يكون النفع مقصوراً على هٰؤلاء، فلينو النفع مطلقاً: رفع الجهل عن غيره، فلو أن أحدهم ذهب ونقل هـٰذا الكلام إلىٰ شخص آخر أو أنه سُجِّل ونقل بعد مماته بسنين وسمعه أحد وانتفع به كان له أجر أعظم من أجر النفع المجرد؛ يعني أعظم من أجر ذلك الذي لم ينوِ إلا نفع أشخاص معينين، أو لم ينو النفع، إنما فعل خيراً وأثمر هذا الخير وأنتج خيرات كثيرة.
ولذلك ينبغي للمؤمن أن يلاحظ نيته، كما ذكرنا قبل قليل أن يعزم على الخير في كل حين ووقت، يشمل الذي يمده له ليرمي به، والممد له الذي يبذل المال ليوفره للغزاة والمجاهدين، يشمل كل هذا.
(يرشد القرآن الكريم المسلمين إلى إقامة جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقوم بها في نسخة: من يقدر على القيام بها.، وليوفر وقته عليها؛ لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعاً واحدة).
(وهذه من القواعد الجليلة ومن السياسة الشرعية في نسخة: الحكيمة. ، فإن كثيراً من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلِّهم بها، ولا يمكن تفويتها، فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه).
(قال تعالى في الجهاد والعلم اللذين هما من أعظم مصالح الدين:﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ سورة : التوبة (122). ، فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية وبالعلم طائفة أخرى، وأن (الطائفة) القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت).
هـٰذه الآية ختم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بها الآيات الحاثة والآمرة بالجهاد والقتال، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر في سورة التوبة من فضائل القتال والجهاد ما لم يذكر في سورة غيرها، بعد ذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾لأنه لما حفزت تلك الآيات نفوس المؤمنين للقتال والجهاد ومقارعة أعداء الله عز وجل، أصبحت النفوس متهيئة للخروج في كل ما يندب إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السرايا، وكانوا يتنافسون في الخروج مع كل سرية، فجاءت هـٰذه الآية لتبين أنه مع فضل ذلك العمل وعظيم قدره إلا أنه لا يجب ولا ينبغي للمؤمنين أن يكونوا على هـٰذه الحال وهي: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ إذا نفر المؤمنون كافة من يبقى يعلِّم الناس؟ من يبقى يقوم ببقية ما يحتاجه المسلمون؟ فلذلك قال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ هـٰذا نفي هـٰذه الحال عن المؤمنين، ثم قال في بيان الذي ينبغي ويجب: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ مجموعة تقوم بالواجب ويحصل بها الكفاية، طيب والباقون؟ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ هـٰذا تعليل لهذا الأمر، أمر بأن ينفر طائفة وأن يبقى غيرهم لأجل أن يتفقه الباقون في الدين، وهـٰذا يدلك على أن التفقه في الدين أعظم من القتال؛ لأن الله جل وعلا ندب للقتال طائفة، وندب إلىٰ التفقه جميع من بقي، فقال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ من القوم؟ المجاهدون ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾من أين؟ من الجهاد حتى يتساووا معهم في العلم الشرعي الذي هو المقصود الأصلي في الشريعة؛ لأن جهاد العلم والبيان هو الأصل، وهو الذي أمضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جل حياته فيه، أما جهاد السيف والسنان ومقارعة الكفار فلم تكن إلا عند الحاجة في دفع أو طلب.
وهـٰذا يبين لنا أن هـٰذه الآية من الآيات الدالة على فضيلة العلم، وأنه ينبغي للمؤمن أن لا يحتقر جلوسه في الحلق، ومطالعته للكتب، وتسجيله للفوائد، وحفظه للمتون، فهو مجاهد يجاهد في سبيل الله بهذا العمل، وهو أعظم من جهاد السيف والسنان إذا خلصت النية وصح القصد.
(وقال تعالـى:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ سورة : آل عمران (104). ، وقال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ سورة : المائدة (2). ، وقال:﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة : التغابن (16). ، وقال تعالى:﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ سورة : الشورى (38). . إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة. وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها؛ لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائراً في جميع أعماله إليها، فلو وفِّق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم وصلحت أمورهم، وانجابت عنهم شرور كثيرة، فالله المستعان).
والشيخ رحمه الله يشير في هـٰذا إلىٰ وجوب العناية بفروض الكفايات، فإن كثيراً من الناس من يفرط في هذا استناداً إلى أن غيره سيقوم بها، فتضيع وتتعطل المصالح، ولو أن المؤمن اتقى الله عز وجل في ذلك وقام بما يستطيع، وحصل ذلك من الأمة بمجموعها لحصل خير كثير، واندفعت شرور عظيمة، هـٰذا ما يريد أن يشير إليه رحمه الله في هـٰذه القاعدة.