(من قواعد التعليم التي أرشد الله إليها في كتابه، أن القصص المبسوطة يجملها في كلمات يسيرة ثم يبسطها، وأن الأمور المهمة ينتقل في تقريرها نفياً وإثباتاً من درجة إلى أعلى أو أنزل منها.
هـٰذه القاعدة تشير إلىٰ أنّ القرآن فيما جاء فيه من القصص يسلك هـٰذا السبيل، وهو أنه يُجمل في موضع ويفصل في موضع، ويركِّز في ذِكره الأمور المهمة، فينتقل في تقريرها نفياً وإثباتاً من درجة إلىٰ أعلى أو أنزل منها؛ يعني في التفصيل والإجمال.
مثّل المؤلف رحمه الله للتفصيل والإجمال في ذكر القصص بما ذكره الله عز وجل في قصة يوسف، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال في أول هـٰذه السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ سورة : يوسف (3). . ثم جاء تفصيل هـٰذه القصة في قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ(7)﴾ سورة : يوسف (7). ،ثم استوعبت القصة غالب ما في تلك السورة الكريمة.
هـٰذا على القول بأن قوله تعالىٰ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ هي قصة يوسف، وهـٰذا قول لجماعة من أهل العلم، وهو الذي سار عليه الشيخ في هـٰذا الموضع.
القول الثاني أن قوله تعالىٰ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ المراد به قصص القرآن كلها، ليس قصة معينة فيه، فإن قصص القرآن أحسن القصص.
وأما إذا أردنا أحسن ما في القرآن من القصص فإنها قصة موسىٰ وفرعون؛ لأنها القصة التي كرّرها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كثيراً وردّدها، فهي أحسن القصص لما فيها من العبر والحكم، ولما فيها أيضاً من المعاني التي لا توجد في قصة يوسف.
وقد قرّر هـٰذا شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية تقريراً بيِّناً، وذكر وجه المفاضلة والموازنة بين قصة يوسف وقصة موسىٰ وفرعون، وقال: إن قوله تعالىٰ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ليس المراد به قصة يوسف فقط؛ بل المراد قصص القرآن.
ثم إذا أردنا أن نعرف أحسن القصص فأحسن القصص قصة موسىٰ عليه السلام مع فرعون، ووجه كونها أفضل؛ لأن قصة موسىٰ قصة واحد من أولي العزم من الرسل، وما ابتلي به وعاناه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم مما ابتلي به يوسف عليه السلام.
لكن نمشي على ما ذكر الشيخ رحمه الله في هـٰذا المثال، فيكون قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إجمالاً، تفصيل ذلك في قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ(7)﴾.
وقال في نسخة: عن.نوح عليه السلام في تقرير رسالته عند في نسخة: وإبطال قول. من كذبه، وزعم أنه في ضلال مبين:﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ سورة : الأعراف (61). ،فلما نفى الضلالة من كل وجه أثبت بعدهالهدى الكامل من كل وجه، فقال:﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾ سورة : الأعراف (61). ، ثم انتقل إلى ما هو أعلى من ذلك، وأن مادة هذا الهدى الذي جئت به من الوحي الذي هو أصل الهدى ومنبعه في نسخة: منه. ومادته، فقال:﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّيوَأَنصَحُ لَكُمْوَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ سورة : الأعراف (62). .
هـٰذه القاعدة واضحة وقد تقدم الكلام عليها في الدرس السابق، ولا مزيد على ما ذكره الشيخ رحمه الله، في الكلام الأخير (كانتقاله من ذكر هبة الولد لزكريا) أي إلىٰ مريم؛ أي إلىٰ هبته الولد لمريم، وأيهما أعظم وأكبر؟ الثاني؛ لأن زكريا أوتي الولد على كبر، والغالب أن لا يكون الولد من مثله، ومريم أوتيت الولد من غير وطء، من غير زوج.
معرفة الأوقات وضبطها حثّ الله عليه، حيث يترتب عليه حكم عام أو حكم خاص
وذلك أن الله رتب كثيراً من الأحكام العامة والخاصة على مُدد وأزمنة تتوقف الأحكام عملاً وتنفيذاً على ضبط تلك المدة وإحصائها في نسخة: وتحديدها. .
قال تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِوَالْحَجِّ ﴾ سورة البقرة : 189. .
وقوله:﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، يدخل فيه مواقيت الصلوات والصيام والزكاة في نسخة: والعقود وغيرها. ، وخص بالذكر الحج لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة. وكذلك مواقيت للعِدد والديون والإجارات وغيرها.
هـٰذه القاعدة فيها فائدة في الحقيقة وليست قاعدة، إنما هي فائدة من الفوائد المستنبطة من آيات الكتاب، وهي العناية بالأوقات وضبطها فيما يترتب عليه حكم عام كالصيام والحج والأشهر الحرم، وما أشبه ذلك من المسائل العامة.
أو يترتب عليه حكم خاص كالعدد والصلوات، وإن كانت الصلاة من الأمور العامة.
ثم ذكر الشيخ رحمه الله في نهاية المطاف في هـٰذه الفائدة قاعدة قال: (فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة مصلحة في الدين أو في الدنيا كان مما حث وأرشد عليه القرآن).
تقعيد هذه الفائدة:
وأما من حيث القواعد فما لا تتم المصلحة إلا به فهو مندوب ومشروع: إما مشروعية استحباب أو مشروعية وجوب، يختلف باختلاف الأمر.
والزمن لا شك أن الله جل وعلا لفت الأنظار إليه في آيات عديدة، ومن ذلك إقساماته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالزمان أو بأجزاء من الزمان.
فمن إقسامه بالزمن قوله تعالىٰ: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ سورة : العصر (1). ، ومن إقسامه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بأجزاء من الزمن قوله تعالىٰ: ﴿وَالضُّحَى(1)﴾ سورة : الضحى (1). ،﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى(1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2)﴾ سورة : الليل (1-2). . كل هـٰذا لفت للأنظار إلى الاهتمام والاعتناء بهذه الآيات العظيمة، والحرص على المحافظة على هـٰذه الليالي والأيام التي هي مزرعة الإنسان.
ومن العلماء من يقول: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب))، هـٰذا باعتبار ما كان، لكن رفع الله عن هـٰذه الأمة الأمية، فكانت من أعلم الأمم.
والإحاطة بالشيء علماً وخبراً هو الذي يعين على الصبر.
وهذه القاعدة عظيمة النفع قد دل القرآن عليها صريحاً وظاهراً في أماكن كثيرة:
قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِوَالصَّلاةِ﴾ سورة : البقرة (45). ، أي:استعينوا على جميع المطالب،وفي جميع شؤونكم بالصبر، فإن الصبر يسهل على العبد القيام بوظيفة في نسخة: بالطاعات. الطاعات، وأداء حقوق الله وحقوق عباده، وبالصبر يسهل عليه ترك ماتهواه نفسه من المحرّمات، فينهاها عن هواها حذر شقائها، وطلباً لرضا مولاها، وبالصبر تخفّ عليه الكريهات.
فمتى عرف العبد ما في الطاعات من صلاح القلوب، وزيادة الإيمان، واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات، وما في المحرمات من الضرر والرذائل وما توجبه من العقوبات المتنوعة، وعلم ما في أقدار الله من البركة وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور في نسخة: إذا عرف ذلك. .هان عليه الصبر على جميع الشدائد.
وبهذا يعلم فضل العلم، وأنه أصل العمل والفضائل كلها، ولهذا يذكر الله تعالى كثيراً في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة ما انحرفوا إلا لقصور علمهم، وعدم إحاطتهم التامة بها.
وقال:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ سورة : فاطر (28). ، وقال:﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ سورة : النساء (17). ، ليس معناه: أنهم لا يعترفون أنها ذنوب وسوء، وإنما قصر عملهم وخبرتهم، بما توجبه الذنوب من العقوبات وأنواع المضرّات وزوال المنافع في نسخة: المانع. ).
فائدة لا قاعدة:
وهـٰذه القاعدة مهمة، وقد نبّه عليها العلماء رحمهم الله كثيراً في مؤلفاتهم، وهي في الحقيقة من الفوائد لا من القواعد، وهي أهمية الصبر في تحقيق العبودية لله جل وعلا.
الصبر أصله الحبس، والمراد به هنا حبس النفس عن كل ما لا يرضاه الله جل وعلا، يشمل ذلك:
· الصبر على الطاعة.
· والصبر عن المعصية.
· والصبر على أقدار الله المؤلمة.
والشيخ رحمه الله يقول: (الصبر أكبر عون على كل الأمور) ما فيه إشكال، لا يحصل الإنسان مبتغاه ومراده إلا بالصبر، سواء كان المبتغى والمراد من أمر الدين أو من أمر الدنيا، فإن الأمور لا تحصل إلا بمصابرة وجهاد.
قال رحمه الله: (والإحاطة بالشيء علماً وخبراً هو الذي يعين على الصبر) .هـٰذا فيه ما يعين الإنسان على الصبر، كيف يتحقق الصبر، كيف يتحصل الصبر؟ الصبر إنما يُحصل بمعرفة عاقبته وجميل منتهاه، وماذا يؤول إليه حال الصابر، فبمعرفة عواقب الأمور يحصل للإنسان ما يريده ويصبو إليه من الرفعة والعلو؛ لأنه يصبر لما علم من العاقبة الجميلة.
وهـٰذا هو السر في تكرار ذكر عاقبة المتقين في كتاب الله عز وجل، وما أعده لعباده الصالحين، وما يثيب به حزبه المفلحين في الدنيا والآخرة، فإن الله جل وعلا ذكر في كتابه في آيات كثيرة وفي سور عديدة ما أعده للمؤمنين والمتقين والمحسنين من الجزاء والثواب.
السبب في هـٰذا أن هـٰذا من أعظم ما يعينهم على القيام بما أمرهم الله به؛ لأن النفس تتوق إلىٰ الثواب والأجر، ولذلك سمي ثواب العمل أجراً؛ لأنه كالأجرة للعامل، والعامل في الدنيا يتحمل المشاق ويحمل الأثقال لأجل تحصيل الأجرة التي ينالها في نهاية المطاف، فكذلك العامل للآخرة، فينبغي للإنسان أن ينفذ ببصره ويتجاوز بنظره المكروهات التي تكون من جرّاء الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله والصبر على المكاره، إلىٰ ما تعقبه هـٰذه الأعمال الجليلة من ثمرات حميدة في الدنيا والآخرة، ولذلك قال رحمه الله بعد أن ذكر أهمية الصبر بأنواعه الثلاثة: (وبهذا يعلم فضل العلم) لأنه هو الذي يحمل على الصبر (وأنه أصل العمل والفضائل كلها، ولهذا يذكر الله تعالى كثيراً في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة) يشير إلىٰ ماذا؟ الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على الأقدار والمكاره.
(وقال تعالى مبيناً أنه متقرر أن الذي لا يعرف ما يحتوي عليه الشيء يتعذر عليه الصبر، فقال عن الخضر لما قال له موسى عليه السلام، وطلب منه أن يتبعه ليتعلم مما علمه الله، قال:﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ سورة : الكهف (67-68). ، فعدم إحاطته به خبراً يمتنع معه الصبر، ولو تجلد ما تجلد فلا بد أن يُعال صبره).
يعال صبره أي ينقطع وينتهي ويفرغ.
(وقال تعالى مبيناً عظمة القرآن وما هو عليه من الجلالة والصدق الكامل:﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ سورة : يونس (39). . فأبان في نسخة: فبين. أن الأعداء المكذبين به إنما كان تكذيبهم به لعدم إحاطتهم بما هو عليه، وأنهم لو أدركوه وأحاطوا به كما هو عليه، لألجأهم إلى التصديق والإذعان، فهم وإن كانت الحجة قد قامت عليهم ولكنهم لم يفقهوه الفقه الذي يطابق معناه، ولم يعرفوه حق معرفته، وقال في حق المعاندين الذين بان لهم علمه وخبروا صدقه:﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ سورة : النمل (14). ، وقال تعالى:﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ سورة : الأنعام (33). ).
(والمقصود أن الله تعالى أرشد العباد إلى الاستعانة على في نسخة: كل. أمورهم بملازمة الصبر، وأرشدهم إلى تحصيل الصبر بالنظر إلى الأمور، ومعرفة حقائقها وما فيها من الفضائل أو الرذائل في نسخة: فضائلها ورذائلها. . والله أعلم).
يرشد القرآن إلى أن العبرة بحسن حال الإنسان وإيمانه الصحيح وعمله الصالح، وأن الاستدلال على ذلك بالدعاوى المجردة أوبإعطاء الله للعبد من الدنيا أو بالرياسات في نسخة: والأمور الدنيوية والتقاليد الموروثة. :كل ذلك من طرق المنحرفين).
شرح القاعدة, وبيان المرجع في معرفة حسن حال الناس:
هـٰذه القاعدة معناها: أن دليل حسن حال الإنسان هو استقامته وعمله الصالح ومسابقته للخيرات، ليس ما يعطاه من مال ولا ما يدّعيه من مناقب وفضائل.
فالمرجع في معرفة حسن حال الناس النظر إلى أعمالهم، فمن كان على الطاعة والاستقامة والملازمة للكتاب والسنة كانت حاله حسنة، ومن كان خلاف ذلك فإنه على حال سيئة، مهما ادعى ومهما قال.
تفصيل القرآن لتلك القاعدة:
(والقرآن يكاد أن يكون أكثره تفصيلاً في نسخة: لهذا الأصل. لهذه القاعدة، وقد قال تعالى:﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ سورة : سبأ (37). ، وقال تعالى:﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (89) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ سورة : الشعراء (88-89). .وقد أكثر الله من هذا المعنى في عدة آيات في نسخة: مواضع. ).
(وأما حكاية المعنى الآخر عن المنحرفين فقال عن اليهود والنصارى:﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة : البقرة (111). ، ثم ذكر البرهان الذي من في نسخة: أقامه و. أتى به فهو المستحق للجنة فقال:﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة : البقرة (112). ، وقال تعالىٰ:﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ سورة : النساء (123). ، الآيات، وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ سورة : مريم (73).، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ سورة : الزخرف (31). ،ونحوها من الآيات التي يستدل بها الكفار على حسن حالهم، بتفوقهم في الأمور الدنيوية، والرياسات، ويذمون المؤمنين ويستدلون على بطلان دينهم في نسخة: مستدلين. بنقصهم في هذه الأمور (الدنيوية الزائفة) ، وهذا من أكبر مواضع الفتن في نسخة: فإن الرياسات والأمور الدنيوية مشتركة بين الخليقة:بَرِّها وفاجرها. ).
لأن من الناس من يرى إعطاء الله عز وحل للمنحرفين عن سبيله، إعطاءهم من الدنيا وتوسيع الله عليهم فيها، من دلائل محبتهم وقربهم، وهـٰذا ليس بصحيح؛ بل الذي يقرب هو الطاعة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ أي منزلة ودرجة وقربى ﴿إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ سورة : سبأ (37). أي بسبب عملهم، نسأل الله أن نكون منهم.
ر:
ولو كانت الدنيا تعطى للصلاح والتقوى لكان أعظم المعطَيْن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الذي كان على ما كان عليه من قلة اليد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى إن عمر دخل عليه مرة -كما في صحيح مسلم- ووجده متكئاً قد أثر في جنبه الحصير صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبكى عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لأنه قلب عينه في خزانة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يعني غرفته- لم يجد فيها إلا شيئاً يسيراً، فقال: يا رسول الله هـٰذا كسرى وقيصر على ما هم عليه، وأنت على هـٰذه الحال. فرد عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبين له أن الدنيا إنما يعطاها من يرغب فيها، وأما الآخرة فلا يعطاها إلا المتقون، وقال: ((إن الدنيا لهم والآخرة لنا))البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿تبتغي مرضاة أزواجك...﴾[التحريم:1-2]، حديث رقم (4913). ومسلم: كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، حديث رقم (1479)..
فالمؤمن ينبغي له أن يكون ميزان معرفته لحال الشخص من الاستقامة وعدمها؛ أي من استقامة الحال وحسن العاقبة، لا بالنظر إلىٰ ما يعطاه في الدنيا، إنما بالنظر إلىٰ استقامته على الشريعة، سواء كان ممن وسع الله عليهم بالعطاء أو ممن قُدِر عليه رزقه، المرجع إلىٰ استقامة العقيدة والعمل وصلاح الحال، لا إلىٰ كثرة ما في اليد.