منظومة القواعد الفقهية

من وحتى

عداد المشاهدات : 4

التاريخ : 2026-07-13 18:03:32

  

 

يقول –رحمه الله-:

فاحرص على فهمك للقواعد *** جامعـة المسائل الشوارد

هذا تنبيه لمهم وهو: أن العلم نعمة عظيمة لكن الناس يتفاوتون في إدراكه وتحصيله، وهذا واضح يا إخواني كما هم المشتغلون في العلم؟ المشتغلون في العلم يعني متفاوتون من زمن لزمن لكن عدد ليس بالقليل في كل الأزمان يعني ثمة إقبال وإدبار. الآن لا نقيس عدد المشتغلين بالعلم من خلال ما نشاهده في حِلق العلم يعني نحن قد نحضر أحيانًا بعد الحلق ما فيها إلا خمسة أو ستة من الطلاب فلا نقول: إن العدد قليل لا، نحن نقول: الآن قياس عدد المشتغلين بالعلم هو في حلق العلم في المساجد، وأيضًا في الكليات .كم عدد طلاب كلية الشريعة وكلية الدراسات الإسلامية، وفي المعاهد العلمية؟

 عدد كثير لكن ما الذي يميز هذا عن ذاك سواءٍ كان السلك التعليم النظامي الأكاديمي التعليمي أو التعليم العام أو كان في تعليم المساجد الذي يفارق بين هذا وذاك هو ما يفتح الله به على العبد من إدراك الضوابط والقواعد.

بعد توفيق الله وشرح الصدر يعني أسباب كثيرة لكن من أسباب التميز في التعلم والتعليم هو العناية بالتقعيد، كل ما اعتنى الطالب بتقعيد العلم وضبطه بأصوله، وقواعده وضوابطه انفتح له من العلم ما لا حصر له؛ لأن العلم لا حصر له في مسائله وصوره فإذا تتبع الأفراد غرق في بحر لا ساحل له، ولا لوجهة له، لكنه إذا اعتنى بالتأصيل والتقعيد والضوابط جمع له شاردًا كثيرًا من العلم كما سيشير المصنف –رحمه الله- في هذا النظم؛ ولهذا قال فاحرص أي في تعلمك، وفي العلم النافع على فهمك للقواعد؛ أي على إدراك القواعد بفكرك وعقلك، ونظرك، وتأملك وفكرك احرص على فهمك للقواعد.

• والقواعد ما هي؟

قال –رحمه الله-: (جامعة المسائل الشواردِ) افهم على أن يقول:

فاحرص على فهمك للقواعد، وذكر تعريفًا للقواعد قال: وإذًا فائدة للقواعد جامعة المسائل الشوارد. هذا يمكن أن يكون تعريفًا، ويمكن أن يكون توصيفًا لكن لو قيل ما هو تعريف القاعدة؟

القواعد جمع: قاعدة، والقاعدة هي القضية الكلية هذا أجود ما يقال في تعريف القواعد. أن القواعد قضايا كلية القاعدة قضية كلية لما نقول: قضية كلية؛ يعني معنًى عام، وليس جزئيًا فرديًا، فالقضية يعني موضوع معنى، ولما نقول: كلية يعني فيه سعى، وعام ويشمل أشياء كثيرة بخلاف الجزئي الذي هو عبارة عن فرد، ومسألة من مسائل متفرقة.

إذًا القواعد جمع قاعدة، والقاعدة: هي القضية الكلية هذا تعريف القاعدة عمومًا سواء إن كانت قاعدة فقهية، قاعدة نحوية، قاعدة حديثية، قاعدة فيزيائية، قاعدة رياضية.

(القواعد) جمع قاعدة: والقاعدة هي قضية كلية. لكن لما تكون فقهية تقول: القواعد الفقهية هي قضايا كلية فقهية، لما تكون حديثية تقول: القواعد الفقهية الحديثية هي قضايا كلية حديثيه وهلم جرَّا.

فقوله –رحمه الله: (فاحرص على فهمك للقواعد)

أي القضايا الكلية في العلم عمومًا، وفيما يتعلق بالنظم في القواعد الفقهية التي يتحقق بها ما ذكر من الفوائد.

• من فوائد القواعد:

- جامعة المسائل الشوارد هذه الفائدة الأولى

- الثانية: فترتقي في العلم خير الملتقى.

- الثالثة: وتقتفي سبل الذي قد وفقه.

إذًا المصنف –رحمه الله- ذكر لنا ثلاثة أمور ثلاث فوائد من دراسة القواعد:

- الفائدة الأولى: أنها تجمع المسائل الشوارد.

-الفائدة الثانية: أنها تسمو بك في العلم وترتقي بك خير مرتقى.

- الثالثة: وتقتفي سبل الذي قد وفق؛ أي: وتسير على طريق الموفقين المحققين من أهل العلم فإن كل من برز من أهل العلم قديمًا وحديثًا إنما برز بعد توفيق الله وأسباب عديدة.

من أسباب بروزه: عنايته بالتقعيد والاطراد؛ لأن الاطراد والقواعد لابد أن تكون مطردة ؛ لأن الاطراد دليل الصحة والسلامة، والتناقض دليل الفساد والخطأ، وبالتالي من أراد أن يبلغ ما بلغه أولئك الأفذاذ من العلماء الذين كتب الله لهم علمًا واسعًا، وتحريرًا لافتًا، فليعتني بالقواعد يقعد علمه، وليس هذا فقط القواعد الفقهية في الفقه، في التوحد، في الحديث، في التفسير، في كل علمٍ من العلوم احرص على القواعد ليكن همك في فهم القاعدة وفي تطبيقاتها، وعند ذلك ستبلغ مبلغًا عاليًا فترتقي في العلم خير مرتق أي أفضل مرتقى وغير هذا إنه أخير مرتقى مكانة بل حتى الطريق الذي تصل فيه إلى الارتقاء سهل؛ ولهذا من مكنه الله من فهم القواعد لم ينتظر في المسائل أن يقف فيها على أقوال أفراد بل كل مسألة ولو كانت جديدة إذا وردت عليه عنده ما يستطيع أن يجيب. لما أقول الفاعل مرفوع تمام عندما الفاعل هو من أسند إليه الفعل فتقول قام زيدٌ زيد إيش حكمه؟

فاعل؛ لأنه أسند إليه الفعل

(جاء عمرٌ) نفس الموضوع أي عبارة تأتيك تستطيع أن تعربها عندما تعلم أن الفاعل هو من أسند إليه الفعل بخلاف عندما تحفظ (جاء زيدٌ) وتحفظها وإن زيد هو الفاعل، لما يأتيك (جاء بكرٌ) تغيرت الجملة أم لا؟ كيف جاء بكرٌ وين الفاعل؟

هذا مثال ميسر مبسط لفهم كيف تستفيد من القاعدة في حل النوازل ؛ لأن النوازل الفقهية لا تقاس بالأيام تقاس أحيانًا لاسيما في بعض أبواب الفقه بالساعات كل يوم تأتي نازلة، كل لحظة تأتي نازلة فقهية تحتاج إلى من يضبط القواعد، ويكون عنده دربه في تطبيقها؛ لأنه ليس فقط الضبط والحفظ.

الآن هناك من يشتغل بالقواعد حفظًا وضبطًا وتمثيلًا لكن ما فيه دربه في تطبيقها فإذا جمع الله له بفهم القاعدة والتدريب على تطبيقها عند ذلك سيفتح الله له بابًا واسعًا في الإجابة على ما يرد من مسائل ويجد من حوادث لأنه أصل علمه بالقاعدة فارتقى خير مرتقا .

فترتقي في العلم خير مرتقا *** وتقتفـي سـبل الذي قد وفقا

بعد ذلك الآن المصنف هنا بيَّن لنا ضابط العلم النافع أهمية التقعيد في العلم النافع. ما الذي تفيده القواعد؟

انتقل بعد ذلك إلى بيان نظمه، وما جعله في هذه المنظومة يقول: وهذا المشار إليه هو هذا النظم، وهو إما أن يكون مشار إليه قبل التصنيف فيكون المشار إلى ما زوره في نفسه من القواعد، وإما أن يكون هذه المقدمة كتبها بعد فيكون المشار إليه محسوس وهو ما كتبه من القواعد، (وهذه قواعدٌ نظمتها) أي: جعلتها في نظم، والنظم ضد: النثر: وهو أن يصاغ الكلام على نحوٍ من السلاسة، واليسر على بحرٍ من بحور الشعر يقرب المعنى للقارئ، ويسهل به جمع المعلومة.

فالنظم من صفاته: السهولة واليسر والجمع، والحفظ ففيه جملة من الفوائد والمنافع، وغالب من ينظم ينظمون على بحر (الرجز) وهو من أيسر البحور، وقيل: إنه أول ما تكلم به العرب من الشعر، وهذه قواعدٌ نظمتها؛ أي: جعلتها في هذه المنظومة.

ثم بعد ذلك بيَّن المصادر التي استفاد منها: (من كتب أهل العلم قد حصلتها) فهذه القواعد ليست مبتكرة إنما وظيفته فيها الجمع. (من كتب أهل العلم قد حصلتها) فهي نتاج مطالعة، وقراءة لكتب أهل العلم.

    

 

• بعد ذلك عاد بالدعاء لمن استفاد منهم هذه القواعد قال:

جزاهم المولى عظيم الأجر    ***  والعفو مع غفرانه والبر

(جزاهم المولى): (المولى) هو الله جلَّ في علاه، ولايته هنا هي الولاية الخاصة التي تقتضي الإعلام والإكرام والحفظ فهي ولاية الصالحين، ولاية عباد الله المتقين.

(عظيم الأجر) أي: كبير جزيل. فالعظمة هنا في القدر والكيف، في الكم والكيف.

(الأجر) أي: الثواب على العمل.

ثم بعد ذلك قال: والعفو: أجازهم أثابهم العفو، أعطاهم العفو على ما عملوه وما كتبوه، والعفو هو: التجاوز والترك هذا معناه في هذا السياق؛ لأنه عطف على العفو الغفران. قال: (مع غفرانه والبر) أي: جزاهم العفو مع الغفران. فالعفو هو التجاوز، والغفران هو الستر لكن اقتصر على أحدهما لدل على المعنى الآخر. فالعفو عند الإطلاق كقولك: "اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فأعفوا عني" هذا المسئول أمران: التجاوز مع الستر.

"رب اغفر لي أو استغفر الله" المطلوب التجاوز مع الستر لكن عندما يقترن العفو بالمغفرة فالعفو التجاوز، والمغفرة الستر، وهذا من تفصيل المطلوب، والإسهاب في مقام طلب المغفرة كما هو شأن دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم- في مقامه الاستغفار: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقة وجلَّه، صغيرة وكبير، علانيةً وسرًا اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر»صحيح البخاري(6398)، ومسلم(2719) ما إلى ذلك من الصيغة التي جاء فيها الاستغفار يأتي مطنبًا؛ لأن الإنسان في عظيم الضرورة إلى المغفرة؛ ولهذا أشار المصنف -رحمه الله- في هذا النظم إلى هذا المعنى في ذكره العفو والغفران مع أن أحدهما يشمل معنى الآخر، والعفو مع غفرانه، والبر هذا عطفٌ على كل ما تقدم من المطلوبات فإنه طلب عظيم الأجر والمغفرة، والبر يحصل به هذا وذاك ويمكن أن يقال: والبر هنا هي الجنة.

نسأل الله أن يبلغنا إياها كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[آل عمران:92]

وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المصنف -رحمه الله- في المقدمة، وهي في عشرة أبيات تضمنت جملة من المسائل المهمة، والإشارات التي يحتاجها طالب العلم.

• ثم بعد ذلك بدأ بأول القواعد قاعدة النية فقال:

النية شرطٌ لسائر العمل                فيها الصلاح والفساد للعمل

هذه تكون أول ما نقرأه إن شاء الله تعالى في درس غدٍ إن شاء الله تعالى أسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح .

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق