| الرئيسية > المستوى الأول > المنظومة البيقونية > المنظومة البيقونية> الدرس (6) من شرح المنظومة البيقونية |
|---|
|
يَنْقُلَ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ |
|
الأَوَّلُ الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ |
(الأَوَّلُ الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ يَنْقُلَ عَمَّنْ فَوْقَهُ) أي عمن فوق شيخه (بِعَنْ وَأَنْ) وهـٰذا الإسقاط من أي النوعين؟ النوع الأول أو الثاني؟ هـٰذا تدليس التسوية أو تدليس الإسناد أو تدليس الشيوخ؟ هـٰذا تدليس التسوية؛ لأنه يسقط الراوي، يقول:
|
يَنْقُلَ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ |
|
الأَوَّلُ الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ |
هـٰذا هو تدليس التسوية.
وهـٰذا اشتهر به بعض الرواة كبقية بن الوليد، فإنه اشتهر به، وهو أنه كان يروي حديثاً عن ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف، و لا يلزم هـٰذا أن يكون عن شيخه، إنما ولو كان عن شيوخ شيخه.
فيأتي إلىٰ شيخين قويين بينهما ضعيف، فيسقط الضعيف الذي بينهما، ويصل السند؛ لكن بشرط أن يكون أحدهما سمع من الآخر، فإن لم يكن سمع فيكون الحديث منقطعاً؛ لكنه لا يأتي بحال يتوهم بها السامع أو يتبين بها الانقطاع.
لكن يأتي إلىٰ راو مثلاً يروي عمرو عن بكر عن خالد عن أبي هريرة على سبيل المثال، فيسقط خالداً لكونه ضعيفاً، ويوهم بأن عمراً نقله عن بكر، وهـٰذا يسمى بتدليس التسوية.
واشتهر به بقية بن الوليد والوليد بن مسلم، فإنه ممن اشتهر عنهما هـٰذا النوع من التدليس.
ولذلك إذا دلس بقية بن الوليد أو الوليد بن مسلم فإنه لا يقبل حديثه، لماذا؟ لأنه يتوقّع منه أن يكون قد دلّس بهـٰذه الطريقة، وهو أن يأتي إلىٰ ضعيف بين قويين سمع أحدهما من الآخر فيسقط الضعيف، ويوهم بأن الرواية إنما هي عن الشيخ الآخر القوي، هـٰذا بالنسبة لما ذكره المؤلف رحمه الله في التدليس، ولاحظ أن المؤلف رحمه الله قال:
|
يَنْقُلَ عَمَّنْ فَوْقَهُ بِعَنْ وَأَنْ |
|
الأَوَّلُ الإسْقَاطُ لِلشَّيْخِ وَأَنْ |
بيّن لنا صيغة أداء مثل هـٰذا النوع من الأحاديث، يكون صيغة الأداء: فلان عن فلان، أو يقول: روى فلان أن فلاناً قال، أو أن فلاناً ذكر.
فهـٰذا كله يدخل في التدليس.
قال رحمه الله:
|
أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لا يَنْعَرِفْ |
|
وَالثَّانِ لا يُسْقِطُهُ لَكِنْ يَصِفْ |
(وَالثَّانِ لا يُسْقِطُهُ) يعني ما يسقط الشيخ (لَكِنْ يَصِفْ أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لا يَنْعَرِفْ) يصفه بأوصاف لا تعرف، بأن يكنيه بغير كنيته المشهورة أو يسميه بغير اسمه المشهور، أو يصفه بغير وصفه المعروف.
وقد استدرك بعض المستدركين -وهو الشيخ عبد الستار- على هـٰذا فقال:
|
أوصافه بما لا ينعرف |
|
والثالث لا يسقطه لكن يصف |
فجعله النوع الثالث؛ ولكن الصحيح أنه لا حاجة لمثل هذا الاستدراك؛ لأن المؤلف رحمه الله ذكر نوعين من أنواع التدليس: تدليس التَّسوية وتدليس الشيوخ.
ثم قال رحمه الله :
|
فَالشَّاذُ وَالْمَقْلُوْبُ قِسْمَانِ تَلا
|
|
وَمَا يُخَالِفْ ثِقَةٌ فِيْهِ الْمَلا
|
أسرعنا رغبة في تتميم المتن، وأيضاً قال لي بعض الإخوان:إننا لا نريد التفصيل؛ لأن أكثر الحضور أول مرة يقرؤون في المصطلح، فرغبوا أن يكون الشرح فيه نوع سهولة:
|
فَالشَّاذُ وَالْمَقْلُوْبُ قِسْمَانِ تَلا
|
|
وَمَا يُخَالِفْ ثِقَةٌ فِيْهِ الْمَلا
|
طيب هـٰذا البيت تضمن نوعين من أنواع الحديث:
النوع الأول: (الشاذ) عرفه المؤلف قال:
|
فَالشَّاذُ ..................
|
|
وَمَا يُخَالِفْ ثِقَةٌ فِيْهِ الْمَلا
|
يعني فهو الشاذ.
وقد تقدم لنا تعريف الشاذ أين؟ مر معنا الشاذ في أي مكان؟ في تعريف الحديث الصحيح؛ لأن الحديث الصحيح ما يرويه العدل الضابط عن مثله إلىٰ منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
تكلمنا على الشذوذ في وقته، وقلنا: إن الشاذ يصدق على مخالفة الثقة من هو أوثق منه، أو مخالفة الثقة من هو أكثر منه عدداً، أو أن يروي الرّاوي ما لا يتحمّل منه. وذكرنا أن هـٰذه كلها تندرج تحت الشاذ.
فإذا روى الراوي الذي لا يتحمل انفراده رواية لم يروها غيره فإنه يكون من جملة الشاذ؛ لكن الذي جرى عليه الاصطلاح في كثير من كلام أهل المصطلح أن الشاذ هو ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه.
وهـٰذه المخالفة في الحقيقة ليست في جميع مواردها تكون شاذة، أي ليس كل مخالفة يخالف فيها الراوي من هو أوثق منه يكون شاذّاً؛ بل بعض هـٰذه المخالفات تكون من باب زيادة الثقة التي تقبل من الراوي.
ولذلك عِلم الشاذ والعلل فيما يتعلق بالأحاديث من أدق العلوم التي تحتاج إلىٰ بصيرة ونفاذ بصر وقوة علم ورسوخ قدم؛ للتمييز بين ما يكون شاذّاً وبين ما يكون من زيادة الثقة التي تقبل وهي معتبرة ويؤخذ فيها الزائد كالزائد في الروايات.
إذاً الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفاً من هو أوثق منه، أو من هو أكثر منه عدداً.
وانظر إلىٰ قولنا: (مخالف) حتى يخرج ما يمكن أن يكون زيادة من زيادات الثقة.
فمثلاً على سبيل المثال ما رواه البخاري وأصحاب السنن والإمام أحمد من حديث جابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في دعاء الأذان: ((من سمع المؤذن فليقل: اللهم رب هـٰذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)). هـٰذا هو الذي رواه البخاري البخاري: كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء، حديث رقم (614)، ورواه الإمام أحمد مسند أحمد (تحقيق أحمد شاكر وحمزة الزين)، حديث رقم (14753)، وأصحاب السنن سنن الترمذي: كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء، حديث رقم (211). زاد البيهقي سنن البيهقي: كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا فرغ من ذلك (المؤذن)، حديث رقم (1933): ((إنك لا تخلف الميعاد)). هـٰذه الزيادة:
من العلماء من قال: إنها شاذة، لماذا؟ لأنها خالفت رواية الثقات.
ومنهم من قال: إنها من باب زيادة الثقة، فتؤخذ وتقبل هـٰذه الزيادة، لا سيما أن إسنادها صحيح.
فمثل هـٰذا يحتاج إلىٰ نظر:
أولاً: هل هـٰذه مما خالف فيها الثقة من هو أوثق منه؟ خالف بزيادة ولم يخالف بنقل يتعارض مع السابق؛ يعني مع من هو أوثق في الرواية.
فهـٰذا مما اختلف فيه العلماء على قولين:
كثير من العلماء ذهبوا إلىٰ أن هـٰذه الزيادة شاذة؛ لمخالفة الثقة من هو أوثق منه.
ذهب بعضهم إلىٰ أن هـٰذه الزيادة مقبولة؛ لصحة إسنادها ولأنها لا تخالف في الحقيقة، ومنهم شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، فإنه يعتد بهذه الزيادة، ويرى أنه لا بأس أن يقول القائل في الدعاء: ((اللهم رب هـٰذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد)).
فالمسألة في هـٰذا مُحْتَمِلَة.
|
فَالشَّاذُ ..................
|
|
وَمَا يُخَالِفْ ثِقَةٌ فِيْهِ الْمَلا |
النوع الثاني الذي ذكره المؤلف رحمه الله في هـٰذا البيت قال: (وَالْمَقْلُوْبُ قِسْمَانِ تَلا) المقلوب قسمان، والمقلوب اختلاط في الرواية: بتقديم ما هو مؤخر، وتأخير ما هو مقدم. هـٰذا القلب، القلب تقديم وتأخير إما في السند وإما في المتن.
وهـٰذا لا يعلمه إلا أهل البصر والإدراك والمعرفة من أئمة هـٰذا الشأن.
يقول رحمه الله في بيان المقلوب: (وَالْمَقْلُوْبُ قِسْمَانِ تَلا) تلا الشاذ في النظم، وهما:
|
وَقَلْبُ إسْنَادٍ لِمَتْنٍ قِسْمُ |
|
إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْمُ |
ذكر المؤلف رحمه الله نوعين من أنواع المقلوب:
النوع الأول: ما يتعلق بالإسناد والرواية.
والنوع الثاني: ما يتعلق بالمتن.
النوع الأول: (إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْمُ). هـٰذا القسم الأول، وهو أن يُبدِل راوياً براو، وهـٰذا أفحش أنواع القلب أن يبدل راوياً براو، وهـٰذا فيه إشكال؛ لأنه قد يبدل راوياً ضعيفاً واهي الرواية براو قوي، فيكون ذلك تصحيحاً لما هو ضعيف.
ومن القلب الذي يكون في الإسناد تقديم وتأخير في الأسماء:
ككعب بن مرة يقول فيه: مرة بن كعب، وكلاهما ممن له رواية.
وسعد بن سنان، سنان بن سعد، وكلاهما ممن له رواية.
فهـٰذا نوع قلب في الإسناد؛ لكن هـٰذا أسهل من الأول؛ لأنه ناشئ عن خطأ، وإذا كان كلا الراويين ثقة فالأمر فيه سعة.
لكن أن يبدل راوياً براو آخر فهـٰذا من القلب القبيح الذي يوجب رد الحديث؛ لما فيه من الوهن.
ومن أنواع قلب الإسناد المتعلق بالمتن أن يضع سنداً لمتن؛ يعني يأتي بمتن ويقلب ويضع له إسناداً غير الإسناد الذي نقل به، وهـٰذا أيضاً خطير؛ لما يترتب عليه من تصحيح الضعيف أو تضعيف الصحيح، كل هـٰذا مما يتعلق بالقلب الذي في الإسناد.
القلب الذي في المتن خاصة وليس له صلة بالإسناد هو: أن يقدم في الرواية ويؤخر، مثاله ما رواه السبعة رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من السبعة. وانظر الإرواء (887). من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في النفقة وإخفائها، ففيه: ((أن تنفق شماله ما لا تعلم يمينه)) مسلم: كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم (1031). والرواية الصحيحة: ((أن تنفق يمينه ما لا تعلم شماله)) البخاري: كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، حديث رقم (660). فهـٰذا قلب لا شك؛ لأن الأصل في الأخذ والعطاء لليمين لا للشمال، فهـٰذا من القلب الذي وقع في المتن.
ومنه أيضاً حديث: ((إن الله ينشئ أقواماً فيدخلهم النار)). هـٰذا انقلب على راويه، والصحيح الذي جزم به الأئمة من أهل الحديث: ((أن الله ينشئ خلقاً فيدخلهم الجنة)) البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وتقول هل من مزيد﴾، حديث رقم (4850)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم (2846، 2848). لأن الله عز وجل لا يمكن أن يدخل النار أحداً بلا نذارة وإرسال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)﴾ سورة : الإسراء (15). فهـٰذا مثال للقلب الذي يقع في المتن.
فتلخص لنا أن القلب منه ما يكون في الإسناد وهو أنواع، ومنه ما يكون في المتن وضربنا له مثلاً، ومنه أيضاً ما يتعلق بالأحكام العملية، القلب الواقع في حديث أبي هريرة في صفة البروك: ((لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير، وليسجد على يديه ثم ركبتيه)) سنن أبي داوود: كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، حديث رقم (840)، قال الشيخ الألباني: صحيح، ونقل في الإرواء أن إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. فهـٰذا مما قيل فيه: إنه منقلب، وإن الحديث الأصل فيه: وليسجد على ركبتيه ثم يديه.
¹
جميع الحقوق محفوظة لمنصة اسوار المعرفة@2021 - تصميم وبرمجة إنجاز إن