هذا شروع في بيان ما يعفى عنه من يسير النجاسات، والذي قرره المؤلف –رحمه الله-أن العفو عن يسير النجاسات ليس عامًا، لأنه ذكره مقيدًا بنوعين من النجاسات، فهو ليس عامًا لكل النجاسات، وبالنظر لما ذكره سيتبين لنا أن العلة الجامعة فيما يعفى عنه في يسير النجاسات هو مشقة التحرز، وهذا هو أحد أقوال أهل العلم فيما يتعلق بالعفو عن يسير النجاسات أنه يعفى عن بعضها، وهي ما يشق التحرز منه.
والحنابلة نصوا على نوعين سيأتي ذكرهما في كلام المؤلف، وذهب الحنفيةينظر بدائع الصنائع (1/71)، والمغني لابن قدامة (2/58). إلى أنه يعفى عن يسير جميع النجاسات، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميةالإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/334). –رحمه الله- من الحنابلة، واستدلوا لذلك أن الشريعة نفت عن يسير النجاسة في أثر الخارج من السبيل من بول وغائط فيما إذا استعملت الجمار في التطهير، فدل ذلك على أنه يعفى عن يسير النجاسات دفعًا للمشقة، فكذلك يسير سائر النجاسات، فألحقوا جميع النجاسات بهذا النوع من النجاسة التي عفت الشريعة عن يسيرها.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يعفى عن شيء من يسير النجاسات بالكلية.
ثم ذكر المؤلف هنا قال: (ويعفى في غير مائع وفي غير مطعوم.....إلى آخره) هو ذكر لأول أنواع النجاسات التي يعفى عن يسيرها.
فقوله: (يعفى في غير مائع وفي غير مطعوم) شرح منتهى الإرادات (1/108)، وكشاف القناع (1/190). هذا هو النوع الأول من النجاسات التي يعفى عن يسيرها، وهو الدم النجس من حيوان طاهر في الحياة ليس من قبل ولا دبر إذا وقع في جامد غير مطعوم، هذا هو النوع الأول من النجاسات التي يعفى عن يسيرها على المذهب، يعفى عن يسير دم نجس في غير مائع وفي غير مطعوم يعني جامد غير مأكول، لكن لا بد من قيد سيأتي في كلام المؤلف (من حيوان طاهر) الممتع في شرح المقنع (1/224)، والإقناع في فقه الإمام أحمد (1/61). في الحياة من غير قبل ولا دبر، أن تكون النجاسة ليست من قبل ولا دبر.
وقوله –رحمه الله-: (يعفى في غير مائع) العفو هو الترك والتجاوز والصفح.
فقوله: (يعفى في غير مائع) أي: يتجاوز في غير المائع وفي غير المطعوم عن يسير دم نجس، وعن أحمد رواية أنه لا فرق في العفو عن يسير دم نجس بين مائع ومطعوم وغيرهما، فيعفى عن يسير جميع النجاسات مطلقًا في الأطعمة والمائعات وغيرهما، فيعفى عن يسير جميع النجاسات مطلقًا في الأطعمة وفي غير الأطعمة لا يقيد العفو بالجامد غير المطعوم، بل في المائعات والمطعومات. وهذا القول أقرب إلى الصواب، فلا فرق في العفو عن يسير دم نجس بين مائع وغير مائع، فيعفى عن يسير الدم النجس في جميع الأطعمة والمائعات.
وقوله –رحمه الله-: (عن يسير دم نجس) كشف المخدرات (1/90). يفهم من تقييد الدم بالنجس أن الدم ينقسم إلى قسمين: الأول: نجس.
والثاني: وغير نجس. وسيأتي بيانه في كلام المؤلف التصريح به في كلام المؤلف، لكن ما هو الدم النجس؟ بما أنه ذكر هنا في قوله عن يسير دم نجس ما ضابط الدم النجس؟
قال: (عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) في الحياة، فالدم النجس من الحيوان الطاهر في الحياة هو ما كان مسفوحًا وما ألحق به من الدماء الخارجة في حياة الحيوان الطاهر، فالدم النجس من الحيوان الطاهر هو الدم المسفوح ويلحق به الدم الخارج من الحيوان حال حياته قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾[الأنعام: 145] والدم المسفوح الخارج من الحيوان عند الزكاة، والخارج منه حال الحياة ومنه دم الإنسان، وإذا قال: (ولو حيضًا أو نفاسًا أو استحاضة) فدم الإنسان نجس على المذهب، وهو قول جماهير العلماءبداية المجتهد(1/83)، والمجموع (2/557)، وشرح العمدة (1/105)..
قال: (ولو حيضًا أو نفاسًا أو استحاضة) أي: ولو كان الدم اليسير دم حيض أو دم نفاس أو دم استحاضة وموجب العفو عن هذه الدماء ما روت عائشة قالت: «قد كان يَكونُ لِإحْدانا الدِّرعُ فيه تَحيضُ قد تُصيبُها الجَنابةُ، ثم تَرى فيه قَطرةً مِن دَمٍ فتَقصَعُه بريقِها»أخرجه البخاري (312). وفي لفظ قالت رضي الله تعالى عنها «تَبِلُّهُ بِرِيقِهاثم تَقْصَعُهُ بظفْرِها» أخرجه أبو داود (364)، والدارمي (1009)..
وجه الدلالة في الحديث: أنها ذكرت اقتصارهم في إزالة ما يرونه من قطرة الدم دم حيض ونحوه على قصعه بالريق، ومعلوم أن الريق لا يطهر وظاهر قولها ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنه إخبار عن دوام الفعل أي أن ذلك مما يديمون فعله، فدل ذلك على أنه يعفى عن يسير دم نجس ولو حيضًا أو نفاسًا أو استحاضة.
ولقائل أن يقول: النص الذي ورد عن عائشة في الحيض، فيقال النفاس ملحق بالحيض والاستحاضة أخف من الحيض، فتلحق به.
وقوله –رحمه الله-: (وعن يسير قيح وصديد)الشرح الكبير (2/317). ألحق المصنف القيح والصديد بالدم في العفو عن يسير قيح وصديد نجسين، وذلك أن القيح والصديد متولدان من الدم، فيأخذان حكمه فيعفى عن يسير القيح والصديد النجس، كما يعفى عن يسير الدم النجس، فهو موافق له في الحكم فيعفى عن يسيرهما في غير مائع وفي غير مطعوم.
والخلاف الذي سبق في قصر العفو على غير المائع وغير المطعوم، جارٍ على القيح والصديد النجس.
وقول المصنف –رحمه الله-: ((من حيوان طاهر) لا نجس) هذا قيد ليسير الدم النجس الذي يعفى عنه، وهو ما كان من حيوان طاهر، وسيأتي في كلام المؤلف –رحمه الله-ذكر ضابط الحيوان الطاهر في نهاية الباب عند ذكره للأعيان الطاهرة والأعيان النجسة.
وقوله –رحمه الله-: (لا نجس) هذا تأكيد لقوله: (من حيوان طاهر)، فيخرج بذلك يسير الدم من حيوان نجس، فلا يعفى عن يسير دم من حيوان نجس كالكلب والخنزير ونحوهما من الحيوانات النجسة غير الطاهرة، وقد ذكر في الفروع احتمال بالعفو عن يسير دم نجس من الحيوان النجس كغيره، وذلك أنه لا فرق بينهما في ثبوت وصف نجاسة الدم، والشريعة لا تفرق بين متماثلين.
وهذا القول له حظ من النظر أن العفو عن يسير دم نجس سواء من حيوان طاهر أو من حيوان غير طاهر، لأن الوصف المشترك بينهما هو النجاسة.
وقوله: (ولا إن كان من سبيل، قبل أو دبر)شرح منتهى الإرادات (1/108). هذا هو القيد الثالث فيما يعفى عنه من يسير الدم النجس، وهو ألا يكون الدم النجس من حيوان طاهر خارجًا من سبيل من قبل أو دبر والدليل العموم في الأدلة التي فيها طلب استنزاه من البول والغائط أشد، فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-فيما رواه الدار قطني وغيره من حديث أبي هريرة «أكثرُ عذابِ القبرِ من البولٍ»أخرجه ابن ماجه (348)، وأحمد (2/ 326). وهو شامل لك بول، وفي الصحيح من حديث ابن عباس في قصة صاحب القبرين اللذين مر النبي-صلى الله عليه وسلم-على قبرهما وقال: إنهما ليعذبان في كبيرة «فقال إنَّهما يُعذَّبانِ وما يُعذَّبانِ في كثيرٍ كان أحَدُهما لا يستنزِهُ مِن البولِ»صحيح البخاري (1361)، وصحيح مسلم (292). فدل ذلك على أن ما يكون من القبل أو الدبر لا يعفى عن يسيره بالمطلق، وهنا محل إشكال ؛ لأن الذين قالوا: يعفى عن اليسير من دم النجس مما استدلوا به المشقة، وذكر بعضهم الدليل على ذلك بأنه يعفى عن أثر الخارج من السبيلين فيما لا يزول إلا بالماء، وخرجوا من هذا الإيراد بأن قيد العفو عن يسير النجاسة في أثر الخارج من السبيلين مقيد بما إذا كان لم يتعدى المحل.
هذا بيان لضابط اليسير، وأن المرجع فيه إلى ما يعظم في نفس كل أحد بحسب، وهذا مما يختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا حسب الأعمال والأعراف، وحسب ملامسة النجاسة من عدمها والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن العبرة في هذا بحال أوساط الناس، فاليسير يرجع فيه إلى ما لا يفحش في نفس أوساط الناس، وليس كل بحسبه ؛ لأن هذا مما يختلف اختلافًا كثيرًا.
قوله –رحمه الله-: (ويضم متفرق بثوب، لا أكثر)شرح منتهى الإرادات (1/109). هذا مزيد بيان لضابط اليسير، وأن المعتبر في اليسير من الدم الذي يعفى عنه إذا كان متفرقًا في الثوب النظر إلى مجموع ما في الثوب، وليس إلى أفراده وأجزائه المتفرقة، فيضم المتفرق في الثوب وينظر أهو يسير أو لا، لا المتفرق في الثياب هذا هو النوع الأول مما يعفى عنه من النجاسات.
لما ذكر المؤلف –رحمه الله-الدم النجس احتاج إلى بيان الدم الطاهر، فبين الدم الطاهر بذكره وتعيينه، وبهذا يتبين ما لا يدخل في الدم النجس الذي يعفى عن يسيره، وقد ذكر المؤلف أربعة أنواع من الدماء كلها طاهر.
وقوله –رحمه الله-: (ودم السمك)المغني لابن قدامة (2/61)، والإنصاف (2/323). هذا أول أنواع الدم الطاهر الذي ذكره المؤلف، وهو دم السمك على اختلاف أنواعه، فإنه طاهر لما روى ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمانِ، فأمَّا المَيتَتانِ: فالحُوتُ والجَرادُ، وأمَّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ»أخرجه الإمام أحمد (5723)، وابن ماجه(3341). رواه أحمد.
وقوله –رحمه الله-: (وما لا نفس له سائلة كالبق والقمل)الشرح الكبير (2/322)، والمبدع في شرح المقنع (1/214). هذا ثاني أنواع الدم الطاهر الذي ذكره المؤلف، وهو ما لا نفس له سائلة فإنه طاهر، وسيأتي مزيد بيان لهذا الصنف في كلام المؤلف –رحمه الله-.
قال –رحمه الله-: (وما لا نفس له سائلة كالبق والقمل) وأصلا ما لا نفس له سائلة أي: ليس له دم يسيل ولقائل أن يقول: لماذا عده هنا ومعلوم أن البق والقمل لا نفس له سائلة يعني ليس له دم سائل.
فالجواب: أن الدم في الحيوان على نوعين:
الأول: ما له نفس سائلة.
والثاني: وما لا نفس له سائلة، ولا يعني هذا أن ما لا نفس له سائلة ليس له دم، إنما المنفي هو سيلان الدم وليس وجوده، فالدم موجود ؛ لكنه لا يسيل عند ذبحه.
ولهذا لا يستغرب أحد فيما ذكره المؤلف هنا حيث قال: (وما لا نفس له سائلة)الشرح الكبير (2/322)، والمبدع في شرح المقنع (1/214). ومعلوم أن ما لا نفس له سائلة يعني ما لا دم له سائل كما سيأتي، فالمنفي هو السيلان لا أصل وجود الدم كالبق والقمل.
وإن دم الآدمي لو كان نجساً لبينه النبي –صلى اله عليه وسلم-لشدة الحاجة إلى بيانه لعموم البلوى بذلك، فإنه لا يزال الناس تصيبهم جراحات تخرج منها دماء ولم يأمر بالتحرز منها وتوقيها وغسل ما أصابهم منها، فالصواب أن دم الآدمي طاهر.
قوله –رحمه الله-: (وما يبقى في اللحم وعروقه ولو ظهرت حمرته طاهر)الشرح الكبير (2/323). هذا رابع أنواع الدم الطاهر الذي ذكره المؤلف، وهو ما يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر.
وقوله: (ولو ظهرت حمرته) أي: ولو تبين أثناء طبخه أو نقله أو ملابسته، فإنه لا يضر، وذلك أن الله ـ تعالى ـ إنما حكم بنجاسة الدم المسفوح وهو ما خرج من البهيمة حال الحياة أو عند ذبحها وخرج من الحيوان حال الحياة أو حين ذبحه، وما كان من الدماء في العروق واللحم ليس مسفوحًا فلا يصدق عليه ما ذكر الله ـ تعالى ـ في شأن الدم المسفوح من أنه رجس، كما في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾[الأنعام: 145] وقد أجمع أهل العلم على طهارته، طهارة ما يبقى في اللحم وعروقه.
وقد جاء عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنها قالت: " كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره "تفسير القرطبي (2/206)..
إذًا تم الآن أربعة أنواع من الدماء كلها طاهر، وموجب ذكر هذه الأنواع هو تمييزها عن الدم النجس الذي ذكر المؤلف أنه يعفى عن يسيره في غير مائع ولا مطعوم، ثم انتقل المؤلف –رحمه الله-إلى ذكر ثاني ما يعفى عنه من يسير النجاسات.
فقال: ((و) يعفى (عن أثر استجمار) بمحله بعد الإنقاء واستيفاء العدد)المغني لابن قدامة (2/62)، والمبدع في شرح المقنع (1/215). فمما يتجاوز عنه من يسير النجاسات أثر الاستجمار بمحله بعد الإنقاء، واستيفاء العدد، فذكر في العفو عن أثر النجاسة في محل الخارج من السبيلين ثلاثة قيود:
الأول: أن يكون أثر الاستجمار في محله أي: في موضع الخارج في القبل أو الدبر، فلو تعدى إلى غير موضع خارج فإنه لا يعفى عنه هذا القيد الأول.
القيد الثاني: بعد الإنقاء أن يكون أثر الاستجمار الذي يعفى عنه بعد الإنقاء، أي بعد بذل الوسع في إنقاء الموضع وإزالة النجاسة عنه وذلك بالضابط الذي ذكروه في الاستنجاء وهو ألا يبقى من أثر النجاسة في المحل بعد الاستجمار إلا ما لا يزول إلا بالماء، وهو ألا يبقى من أثر النجاسة في المحل بعد الاستجمار ما لا يزيله إلا الماء.
القيد الثالث: استكمال العدد الواجب في الاستجمار، وهو أن يمسح ثلاثة مسحات بثلاثة أحجار، في هذه الحال ما بقي من أثر النجاسة التي لا يزيلها إلا الماء في موضعه مما يعفى عنه، فإذا توافرت هذه القيود، فإنما بقي من أثر النجاسة التي لا يزيلها إلا الماء في موضعه يعفى عنه، والدليل على ذلك "أن النبي –صلى الله عليه وسلم-أذن بالاستجمار"رواه أبو داود (40)، والنسائي (1/41)، وأحمد (25056). باستعمال الجمار في إزالة أثر الخارج من السبيلين، ومعلوم يقينًا أن استعمال الجمار لا يزيل النجاسة بالكلية، بل لا بد أن يبقى أثر يسير لا يزول إلا بالماء، وقد عفى عنه الشارع ولم يعتبره شيئًا، فدل على العفو عن يسير النجاسة، بهذا يكون قد انتهى ما يتعلق بالعفو عن النجاسة.
قوله –رحمه الله-: (ولا ينجس الآدمي بالموت؛ لحديث: «الُمؤْمِنُ لا يُنْجُسَ»صحيح البخاري (281)، ومسلم (371). متفق عليه) لما كان الموت موجبًا لنجاسة ما يحله من الأحياء، ذكر المؤلف –رحمه الله-ما يستثنى من ذلك مما لا ينجس من الأحياء بالموت، فذكر جنسين من الأحياء لا ينجسان بالموت إذا حل فيهما:
الأول أشار إليه بقوله: (ولا ينجس الآدمي بالموت) المغني لابن قدامة (1/34)، وشرح منتهى الإرادات (1/107).ومناسبة ذكر هذا هنا أنه لما ذكر ما يعفى عنه من يسير النجاسات وهو استثناء من الأصل في جزء وهو الدم ذكر ما يستثنى من التنجس بالموت في الأعيان.
فقال –رحمه الله-: (ولا ينجس الآدمي بالموت؛ لحديث: «الُمؤْمِنُ لا يُنْجُسَ»صحيح البخاري (281)، وصحيح مسلم (371). متفق عليه) هذا أول ما ذكره المؤلف مما لا ينجس بالموت، فالآدمي مسلمًا أم كافرًا لا ينجس إذا حله الموت فأما المسلم فدليله ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ وذكره المؤلف أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: : «الُمؤْمِنُ لا يُنْجُسَ».
وجه الدلالة في الحديث: العموم فإن عمومه يقتضي طهارة المسلم حيًا وميتًا، وأما الكافر فإنه كذلك لا ينجس وذلك أن طهارة البدن وصف للآدمي وقول النبي –صلى الله عليه وسلم-:«الُمؤْمِنُ لا يُنْجُسَ» خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب ليس له مفهوم مخالفة، وبالتالي الكافر طاهر البدن كالمسلم حيًا وميتًا حتى يقوم الدليل على نجاسته.
وقيل: بل ينجس الكافر بالموت، وهو احتمال ذكره ابن قدامه في المغني.
وقوله: ((وما لا نفس) أي دم (له سائلة) كالبق والعقرب وهو (متولد من طاهر) لا ينجس بالموت بريًا كان أو بحريًا، فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه)المبدع في شرح المقنع (1/219)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/343). هذا ثاني ما ذكره المؤلف مما لا ينجس بالموت، وهو ما لا نفس له سائلة المتولد من طاهر سواء كان بريًا يعيش في البر، أم بحريًا يعيش في البحر.
والمراد بالنفس هنا الدم كما ذكر المؤلف حيث قال: (وما لا نفس) أي: دم له سائل، فالعرب تسمي الدم نفسا ومنه سميت المرأة الوالد نفساء لجريان دمها، والحيوان من حيث جريان الدم عند ذبحه نوعان:
النوع الأول: الحيوان الذي له نفس سائلة الكافي في فقه الإمام أحمد (1/43ــ44)، والمغني لابن قدامة (1/34).، وهو الذي إذا ذبح سال دمه عن موضعه كالدجاج والحمام وبهيمة الأنعام، فهذا لا خلاف في أنه ينجس بالموت للآية التي تقدم ذكرها في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾[الأنعام: 145] فهي شاملة لكل من مات حتف أنفه.
والنوع الثاني: الحيوان الذي لا نفس له سائلة المبدع في شرح المقنع (1/219)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/343).، وهو الذي إذا ذبح لم يسل دمه عن موضعه كالبق والعقرب والذباب ونحوها، هذا لا ينجس بالموت، كما ذكر المؤلف –رحمه الله-والدليل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أَحَدِكم فلْيَغْمِسْه؛ فإنَّ في أَحَدِ جناحَيْه داءً، وفي الآخَرِ دواءً»صحيح البخاري (5782). فلما أمر النبي –صلى الله عليه وسلم-بغمس الذباب فيما إذا وقع في الإناء، مع علمه بأنه يموت في الغمس غالبًا دل ذلك على أنه ليس بنجس، إذ لو كان نجساً لم يأمر بغمسه ؛ لأنه ينجس ما في الإناء ويفسده، والذباب ليس له نفس سائلة، فألحق به كل ما ليس له نفس سائلة.
وأما قوله –رحمه الله-: (وهو متولد من طاهر) شرح العمدة لابن تيمية ص (135). هذا قيد خرج به ما كان متولد من النجاسات مما لا نفس له سائلة، فما لا نفس له سائلة إما أن يكون متولدًا من طاهر، وإما أن يكون متولد من نجس، فما كان متولد من نجس فإنه نجس مثل: صراصير الكنف، فهذه نجسة حية ؛ لأنها متولدة من النجاسة، فكانت نجسة.
وقوله –رحمه الله-: (فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه) أي: إن ما لا نفس له سائلة المتولد من طاهر لا ينجس الماء اليسير أو لا ينجس الماء اليسير إذا وقع فيه، وهذا قول عامة أهل العلم حتى حكي الإجماع عليه بدائع الصنائع (1/ 62)، والمدونة (1/ 115)، والأم (1/ 5)، والمغني (1/ 41).؛ لكن الصواب أنه ليس فيه إجماع، بل هو من مسائل الخلاف.
والدليل على أنه لا ينجس الماء اليسير إذا وقع فيه عموم قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أَحَدِكم فلْيَغْمِسْه»صحيح البخاري (5782). فإنه يشمل كل شراب بارد أو حار أو دهن مما يموت بغمسه فيه، فلو كان ينجس الماء كان الأمر بالغمس أمرًا بإفساده.
ونص المؤلف على الماء دون غيره من سائر المائعات ؛ لأن الماء مادة الطهارة في طهارة الأحداث وإزالة الأخباث، ولأن ما سواه ملحق به، فما لا ينجس الماء لا ينجس غيره.
هذا شروع في بيان الأعيان الطاهرة، الآن انتهى المؤلف –رحمه الله-من الأعيان النجسة، وبدأ بذكر الأعيان الطاهرة فقال –رحمه الله-: (وبول ما يؤكل لحمه .....إلى آخره...طاهر) ، فأول ما ذكر المؤلف من الأعيان الطاهرة بول ما يؤكل لحمه من الحيوان وروثه ومنيه، فبول ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم وغيرها من الحيوان طاهر، واستدل له المؤلف بما في الصحيحين من أن النبي –صلى الله عليه وسلم-أمر العرينين أن يشربوا من أبوال الإبل.
ووجه الدلالة بينه المؤلف –رحمه الله-فقال: (والنجس لا يباح شربه) هذا بيان لوجه الدلالة في الحديث على طهارة أبوال الإبل، بأنه لو كانت أبوال الإبل نجسة لما أذن لهم –صلى الله عليه وسلم-في شربها ؛ لأن النجس لا يباح شربه، وقدر المؤلف اعتراض أو جواب على هذه المناقشة بأنه إنما أبيح للضرورة فقال: (ولو أبيح للضرورة)الشرح الكبير (2/347)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/194). لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة.
فالمعترضون على الاستدلال بهذا الصلاة، وهم القائلون بنجاسة أبوال الإبل قالوا: لا دلالة في قصة العرنيين على طهارة أبوال الإبل، لكونها إنما أبيحت لضرورة التداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات.
فأجاب بأنه: لو كانت أبوال الإبل أبيحت للضرورة فقط لأمرهم بغسل أثرها إذا أرادوا الصلاة فلما لم يأمرهم دل ذلك على طهارتها، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ومما يستدل به على طهارة أبوال الإبل "أن النبي –صلى الله عليه وسلم-طاف بالبيت على الإبل"أخرجه البخاري (1607)، ومسلم (1272). فلولا أن بول البعير طاهر لما فعل ذلك خشية من تلويث البيت الحرام المطلوب فيه التطهير في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾[الحج: 26] فكان هذا تنجيس لموضع الطواف وليس تطهيرًا له، هذا كله فيما يتعلق بالإبل، وكذلك ورد في الغنم ما يدل على طهارة أبوالها وأرواثها، ففي الصحيحين: "أن النبي –صلى الله عليه وسلم-كان يصلي في مرابض الغنم"أخرجه البخاري (429)، ومسلم (524). وأنه قال: "صلوا في مرابض الغنم" أخرجه الترمذي (348)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (768)، وأحمد (10611). ومعلوم أنها لا تخلو مرابض الغنم من أبوالها أرواثها، وأما كون منيها طاهرًا لأنه ذكر البول والروث والمني، فالدليل على طهارة مني ما يؤكل لحمه أنه إذا حكم بطهارة أبوالها وأرواثها، فيحكم بطهارة منيها بطريق الأولى.
والخلاصة أن الأدلة دلت على طهارة أبوال للإبل وأرواثها وأبوال الغنم وأرواثها، فيلحق بهما كل ما يؤكل لحمه من الحيوان، فيحكم بطهارة أبوالها وأرواثها ومنيها.
وقوله –رحمه الله-: (ومني الآدمي طاهر) المغني (1/ 516)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/155). هذا ثاني ما ذكره المؤلف –رحمه الله-من الأعيان الطاهرة وهو مني الآدمي ذكرًا أو أنثى، واستدل المؤلف –رحمه الله-لذلك من حديث عائشة أنها قالت: «كُنْتُ أفْرُكُ الَمنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللّه ـ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلّيِ بِهِ»أخرجه مسلم (288)..
ووجه الدلالة في الحديث: أن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ اكتفت في إزالة المني من ثوب النبي –صلى الله عليه وسلم-بالفرك، ومعلوم أن الفرك لا يذهب بالعين بالكلية، بل لا بد أن يبقى في الثوب ما لا يزول بالفرك، فلما صلى النبي –صلى الله عليه وسلم-فيه مع اقتصار عائشة على الفرك دل ذلك على أن ما بقي في الثوب من المني طاهر.
إذًا فلما صلى النبي –صلى الله عليه وسلم-في الثوب مع اقتصار عائشة على الفرك في إزالة المني دل ذلك على طهارة ما بقي في الثوب من المني، وهذا يدل على طهارته.
وعلى هذا يستحب فرك يابس المني في الثوب لتخفيفه، وغسل رطبه لإزالة ما يستقذر، والدليل ما رواه الدار قطني عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت: «كُنْتُ أفْرُكُ الَمنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللّه ـ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا»أخرجه أبو داود (372)، والنسائي (296)، وأحمد (24378)..
قوله –رحمه الله-: ((ورطوبة فرج المرأة) وهو مسلك الذكر طاهرة)الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/341)، والمغني لابن قدامة (2/65). هذا ثالث ما ذكره المؤلف من الأعيان الطاهرة، وهو رطوبة فرج المرأة الذي هو مسلك الذكر، فالرطوبة هي البلل الكائن في مسلك الذكر وهي طاهرة، والدليل أن عائشة قالت: «كُنْتُ أفْرُكُ الَمنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»أخرجه مسلم (288). والمني الذي في ثوبه –صلى الله عليه وسلم-حاصل من جماع، وهو يلاقي رطوبة فرج المرأة، فدل ذلك على طهارة رطوبة فرجها أي: فرج المرأة، ولأنه لو حكمنا بنجاسة فرج المرأة، لحكمنا بنجاسة منيها ؛ لأنه يختلط برطوبة فرجها، فلما كان مني المرأة طاهرًا، كانت رطوبة فرجها طاهرة.
فقوله: (كالعرق) هنا ليس من باب القياس، يعني ليس المقصود قياس رطوبة فرج المرأة بالعرق، بل إثبات الحكم، فكما أن رطوبة فرج المرأة طاهرة، فكذلك العرق والريق والمخاط والبلغم ولو أزرق وما سال من الفم وقت النوم كله طاهر، فكل هذه السوائل الخارجة من بدن الآدمي طاهرة.
العرق: معروف هو الماء الذي يرشح من البدن، وهو طاهر بالإجماع. والريق: وهو ماء الفم. والمخاط: وهو ماء يسير من الأنف. والبلغم: وهو النخامة ونحوها من البصاق الثخين المنعقد ولو تلون وما خرج من الفم حال النوم، كل هذه السوائل طاهرة.
وقد ورد ما يفيد طهارة السوائل المعتادة الخارجة من الفم، ففي الصحيحين من حديث أنس قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان أحَدُكم في الصَّلاةِ فإنَّه يُناجي ربه، فلا يَبْزُقَنَّ -قال: قال حَجَّاجٌ: فلا يَبْصُقَنَّ-بيْن يَدَيهِ، ولا عن يَمينِه، ولكن عن شِمالِه تحتَ قَدَمِه» أخرجه البخاري (1214)، ومسلم (551). ثم أخذ طرف ثوبه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال: أو يفعلها هكذا، فالبصاق يصدق على السوائل المعتادة الخارجة من الفم، فيشمل الريق والبلغم، فلولا أنه طاهر لما أذن النبي –صلى الله عليه وسلم-أن يبصق في المسجد عن يساره أو تحت قدمه، ولأنه لو كان البصاق غير طاهر ما بصق النبي –صلى الله عليه وسلم-في ثوبه ولا أمر بذلك، فدل هذا على طهارة ما ذكر المؤلف –رحمه الله-من السوائل المعتادة الخارجة من الفم.
ولا فرق في ذلك بين ما خرج في حال اليقظة وما سال في المنام، ويلحق بها ما خرج من الأنف ومنه المخاط والأصل في جميع ذلك الطهارة.
قوله –رحمه الله-: ((وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) غير مكروه غير دجاجة مخلاة)المبدع في شرح المقنع (1/ 257)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 243). هذا من جملة ما ذكره المؤلف من الأعيان الطاهرة، سؤر الهرة وما دونها في الخلقة كالفأرة وسائر الحشرات والمراد بالسؤر ما بقي في الإناء بعد شربه أو أكله.
وقد عرفه المؤلف –رحمه الله-بقوله: والسؤر-بضم السين-مهموزًا: بقية طعام الحيوان وشرابه، والهر: القط.
فقوله: (وسؤر الهرة) أي: سؤر القطة وهو ما أفضل بعد أكل أو شرب، ودليل الطهارة ما جاء في حديث أبي قتادة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال في الهرة: "إنَّها ليستْ بنَجسٍ إنَّها من الطوَّافينَ عليكم والطوَّافاتِ"أخرجه أبو داود (75)، والترمذي (92)، والنسائي (68)، وابن ماجه (367).، فدل الحديث بمنطوقه على طهارة الهرة، وبتعليله على طهارة ما دون الهرة في الخلقة لكونها مما يطوف علينا ولا يمكن التحرز منه، فهذه الحيوانات من الهرة فما دونها طاهرة في سؤرها وعرقها وغيرهما، وذكرها في استعمال ما شرب منه القط.
فقوله: (غير مكروه) أي: لا كراهة في استعماله في الطهارة لكون النبي –صلى الله عليه وسلم-نفى عنها النجاسة، وأخبر بأنها من الطوافين والطوافات، ولم يندب إلى توقيه.
وقوله: (غير دجاجة مخلاة) شرح منتهى الإرادات (1/109). أي: يستثنى من عدم كراهة سؤر ما دون الهرة في الخلقة الدجاجة المخلاة أي: المتروكة في الخلاء، فيكره سؤرها احتياطًا لأن ظاهر نجاسة سؤرها، وليس لهذا الاستثناء دليل فالأصل الطهارة ولذلك الصواب أنه لا يستثنى مما تقدم شيئًا
وقوله –رحمه الله-: (وإن أكل هو) أي: القط (أو طفل ونحوهما) من طير أو بهيمة (نجاسة ثم شرب) من مائع ماء أو غيره فإن سؤره طاهر (ولو قبل أن يغيب)مطالب أولي النهى (1/238). أي ما أكله من النجاسة لعموم الحديث "إنها ليست بنجس" ولمشقة التحرز منه إنها من الطوافين عليكم، ولا يؤثر ذلك في تنجيس المائع من الماء ونحوه ؛ (لعموم البلوى) به وهو من الأمر الذي يعسر الانفكاك منه.
قوله –رحمه الله-: (ولو وقع ما ينضم دبره في مائع ثم خرج حيًا؛ لم يؤثر)الفروع وتصحيح الفروع (1/350)، والإنصاف (1/344). أي: إذا سقط حيوان ينضم دبره فلا يخرج منه شيء سواء كان صغيرًا أم كبيرًا في مائع ثم خرج حيًا فإنه لا يؤثر في المائع الذي وقع فيه، فلا ينجس لعدم وصول النجاسة إليه بانضمام دبره، وكذا لو وقع في جامد وخرج حيًا وإنما نص على المائع ؛ لأن المائع تسري فيه النجاسة أسرع من الجامد.
الأعيان النجسة:
قوله –رحمه الله-في آخر الباب: ((وسباع البهائم و) سباع (الطير) التي هي أكبر من الهر خلقة (والحمار الأهلي والبغل منه)، أي: من الحمار الأهلي لا الوحشي؛ (نجسة))كشاف القناع (1/ 192)، والإنصاف (1/ 329). ختم المؤلف باب إزالة النجاسة بذكر الأعيان النجسة، وأول ما ذكر سباع البهائم والتي هي أكبر من الهر، وهي كل حيوان عاد مفترس ضار ممتنع هذا ضابط السباع كل حيوان عاد مفترس ضار ممتنع كالأسد والنمر والفهد، وأما سباع الطير فهي الجوارح التي هي أكبر من الهر التي تصلح للصيد كالصقر والبازي والشاهين.
وقد ذكر دليل النجاسة نجاسة سباع البهائم أن النبي –صلى الله عليه وسلم-سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: «إِذَا كَانَ الَماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجّسْهُ شَيْءُ»أخرجه ابن ماجه (517)، والدارمي (731)، وأحمد (4803)..
وأجابوا عن حديث أبي قتادة: بأن جواب النبي –صلى الله عليه وسلم-لا يتعين أن يكون من أجل أنها صار السباع وأعيانها نجسة لما قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء يحتمل، بل ذلك لما قد يطرأ على هذا الماء الذي ترده السباع من أبوالها وأرواثها ما ينجسه، فلا يتعين أن يكون ما فهم من الحديث بأن ما بلغ قلتين لا ينجس، وإن ما دونه ينجس بسبب آثارها، وعلى غاية ما يمكن أن يقال أن هذا يحتمل، والدليل إذا ورده الاحتمال بطل به الاستدلال.
وأما ما استدلوا به من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-:«إِنَّها رِجْسً». قالوا معنى ذلك: أنها نجسة. فيجاب عن الحديث: بأن المراد بقوله –صلى الله عليه وسلم- :«إِنَّها رِجْسً». أي: أنها محرمة كما ذكر الله ـ تعالى ـ في الخمر والميسر والأنصاب حيث قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[المائدة: 90] وليس المقصود نجاسة أعيانها.
ويحتمل أن المراد بقوله –صلى الله عليه وسلم-:«إِنَّها رِجْسً». أي: لحمها الذي طبخوه وكان في قدروهم فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره، وليس المقصود الحمر الأهلية حال حياتهاالمغني لابن قدامة (1/37)، والشرح الكبير (2/357)..
وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف –رحمه الله-في هذا الباب نقف على هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
قوله –رحمه الله-في آخر الباب: ((وسباع البهائم و) سباع (الطير) التي هي أكبر من الهر خلقة (والحمار الأهلي والبغل منه)، أي: من الحمار الأهلي لا الوحشي؛ (نجسة))كشاف القناع (1/ 192)، والإنصاف (1/ 329). ختم المؤلف باب إزالة النجاسة بذكر الأعيان النجسة، وأول ما ذكر سباع البهائم والتي هي أكبر من الهر، وهي كل حيوان عاد مفترس ضار ممتنع هذا ضابط السباع كل حيوان عاد مفترس ضار ممتنع كالأسد والنمر والفهد، وأما سباع الطير فهي الجوارح التي هي أكبر من الهر التي تصلح للصيد كالصقر والبازي والشاهين.
وقد ذكر دليل النجاسة نجاسة سباع البهائم أن النبي –صلى الله عليه وسلم-سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: «إِذَا كَانَ الَماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجّسْهُ شَيْءُ»أخرجه ابن ماجه (517)، والدارمي (731)، وأحمد (4803)..
وأجابوا عن حديث أبي قتادة: بأن جواب النبي –صلى الله عليه وسلم-لا يتعين أن يكون من أجل أنها صار السباع وأعيانها نجسة لما قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء يحتمل، بل ذلك لما قد يطرأ على هذا الماء الذي ترده السباع من أبوالها وأرواثها ما ينجسه، فلا يتعين أن يكون ما فهم من الحديث بأن ما بلغ قلتين لا ينجس، وإن ما دونه ينجس بسبب آثارها، وعلى غاية ما يمكن أن يقال أن هذا يحتمل، والدليل إذا ورده الاحتمال بطل به الاستدلال.
وأما ما استدلوا به من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-:«إِنَّها رِجْسً». قالوا معنى ذلك: أنها نجسة. فيجاب عن الحديث: بأن المراد بقوله –صلى الله عليه وسلم- :«إِنَّها رِجْسً». أي: أنها محرمة كما ذكر الله ـ تعالى ـ في الخمر والميسر والأنصاب حيث قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[المائدة: 90] وليس المقصود نجاسة أعيانها.
ويحتمل أن المراد بقوله –صلى الله عليه وسلم-:«إِنَّها رِجْسً». أي: لحمها الذي طبخوه وكان في قدروهم فإن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره، وليس المقصود الحمر الأهلية حال حياتهاالمغني لابن قدامة (1/37)، والشرح الكبير (2/357)..
وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف –رحمه الله-في هذا الباب نقف على هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.