يقول المصنف –رحمه الله-: (باب الحيض) هذه آخر الأبواب التي ذكرها المؤلف، ويذكرها الفقهاء في كتاب الطهارة، ويذكرون الحيض وما يتصل به ؛ لأن أحكامه تتصل بالطهارة من جهة فيما يتعلق بطهارة الحائض بعد انقضاء حيضها وأيضًا تتعلق بالصلاة، وإن كان الحيض له عدة اتصالات بأبواب مختلفة، أي مناسبة ذكر أحكام في أبواب مختلفة، فيذكر في الصوم، ويذكر في باب النكاح ونحو ذلك إلا أن ألصق الأبواب به كتاب الصلاة، ولذلك جعل من جملة مسائل باب الطهارة.
يقول –رحمه الله-: (أصله: السيلان، من قولهم: حاض الوادي، إذا سال)لسان العرب لابن منظور (7/143)، والمصباح المنير للفيومي (1/159). هذا بيان أصل هذه الكلمة من جهة اللغة، فالحيض مأخوذ من السيلان من جهة المعنى من قولهم: حاض الوادي إذا سال، وأما تعريفه في الشرع أي المقصود به في كلام الله وكلام رسوله بينه بقوله: (وهو شرعًا: دم طبيعة وجبلة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته)شرح منتهى الإرادات (1/110)..
هذا التعريف فيه بسط، فذكر حقيقة الحيض، وذكر حكمة وجوده، والعادة في الحدود أن يقتصر على بيان المحدود دون ذكر الحكمة إلا أن يقال أن قوله: (خلقه الله) ليس مما يتصل بالتعريف إنما هو بيان الحكمة من خلقه، فيكون التعريف: (دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة)المبدع في شرح المقنع (1/225)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/196)..
وقوله –رحمه الله-: (وهو شرعًا) أي في الشرع (دم طبيعة وجبلة) أي أنه اسم لدم طبع الله النساء عليه، فهو يخرج طبيعة مثل خروج المني والبول، وغير ذلك من الأمور التي تخرج من الإنسان.
وقوله: (وجبلة) قيل: إن الواو هنا عطف تفسير وبيان، وقيل: بل جبلة معنى زائد على الطبيعة فالطبيعة المقصود به ما يكون من الخارجات الطبيعية في الإنسان، وأما الجبلة فهي السجية والخلقة وذلك أن الله جبل بنات آدم على خروج هذا الدم كما في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال لها: «إنَّ هذا أمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ علَى بَنَاتِ آدَمَ»أخرجه البخاري (294)، ومسلم (1211). أي قدره الله ـ تعالى ـ على النساء.
وبهذا القيد (دم طبيعة وجبلة) خرج دم الاستحاضة، ودم الفساد فإنه دم ينتفي فيه وصف الطبيعة والجبلة، إنما يخرج لعارض لا طبيعة ولا جبلة.
وقوله –رحمه الله-: (يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة)المبدع في شرح المقنع (1/225)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/196). أي إن دم الحيض يخرج من عمق الرحم الذي هو بيت منبت الولد ووعائه، والمؤلف –رحمه الله-ذكر موضع خروج الحيض لتمييزه عن الاستحاضة، فإن الاستحاضة دم يسيل من العازل وهو عرق فمه الذي يسير منه في أدنى الرحم وليس في قعره.
فقوله: (يخرج من قعر الرحم)كشاف القناع (1/196). هذا ليس وصفًا كاشفًا، بل هو وصف يقيد المقصود بالدم الخارج من الرحم، ويميزه عن دم الاستحاضة.
وقوله: (في أوقات معلومة) أي في أوقات جرت بها العادة، والمقصود بالمعلوم أي عند النساء وهذا من حيث ابتداء خروجه، ومن حيث انقضاء خروجه أي: السن الذي يبتدأ به الحيض والسن الذي ينتهي به الحيض وأيضا من حيث الأيام التي يخرج فيها.
فقوله: (في أوقات معلومة) يقصد به كل ما يتصل بالحيض من التوقيتات سواء كانت في ابتدائه أو في انتهائه أو في أيامه.
وقوله –رحمه الله-: (خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته)شرح العمدة ص (488)، وكشاف القناع (1/196). هذا بيان الحكمة من خروج هذا الدم فالحكمة من خلق الله لهذا الدم أن المرأة إذا حملت انصرف الدم بإذن الله إلى غذاء الولد ولذلك لا تحيض المرأة الحامل، فإذا وضعت قلبه الله ـ تعالى ـ بحكمته لبنًا يتغذى به الرضيع.
ولذلك قلّ أن تحيض المرضع، فإذا خلت عنه عن الحمل، وعن الرضاع بقي الدم لا مصرف له فيستقر في مكان ثم يخرج في الغالب من كل شهر عدة أيام ستة أو سبعة، وقد يزيد وقد ينقص وقد يطول شهره ويقصر حسب ما ركبه الله ـ تعالى ـ في طباع النساء، هذا المقصود بقوله –رحمه الله-: (لحكمة غذاء الولد وتربيته).
وقوله: (لا حيض قبل تسع سنين)كشاف القناع (1/ 202) شرح منتهى الإرادات (1/ 113)، والمغني (1/ 447). ، هذا شروع في بيان ما يتعلق بالحيض من أوقات، وقد أشار إليه في قوله: (في أوقات معلومة) هذا أول ما ذكره المؤلف مما يتعلق بالأوقات المعلومة للحيض وهو أول وقت حصول الحيض عند المرأة، وبدأ بذكره ؛ لأنه أول الأوقات المتعلقة بالحيض، فأول وقت حصوله تمام تسع سنين.
ولذلك قال: (لا حيض قبل تسع سنين) أي: أنه لا يكون حيض قبل تمام تسع سنين، فإن وجد دم قبل ذلك فدم فساد ليس دم حيض، وهل يقال أنه دم استحاضة؟
قال جماعة من أهل العلم المجموع (2/ 381).: لا يوصف بأنه استحاضة ؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على أثر حيض، فما يكون من دم قبل تمام تسع سنين هو دم فساد وليس دم حيض ولا استحاضة.
وأما حجة هذا التحديد فهو الوجود أي دليله وجودي، فإن العادة جارية أنه لا يوجد حيض قبل تسع سنين، وما كان الحد فيه معتبرًا ولم يكن في الشرع محددًا كان الرجوع في حده إلى ما وجد من العادات الجارية، فالعادة محكمة ولا يوجد في شأن العادة حدوث الحيض لأقل من تسع سنين.
والمؤلف –رحمه الله-أشار إلى هذا بقوله: (فإن رأت دما لدون ذلك فليس بحيض؛ لأنه لم يثبت في الوجود) فذكر أن المستند في هذا التقدير والتحديد هو الوجود (وبعدها) أي بعد تسع سنين (إن صلح؛ فحيض) يعني ان صلح من حيث الصفة فإنه يكون حيضًا، فقيد كونه حيضًا بالصلاح، وأيد ما ذكره من أن المرجع في ذلك إلى العادة بما نقل عن الشافعي.
فنقل عن الشافعي ما تعرف به العادة في أقل الحيض وهو قوله: (رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة) كيف ذلك؟
إذا أسقطت من عمر هذه المرأة التي قال فيها: (رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة) إذا أسقطت مدة الحملين وهو في الغالب عام ونصف وقسمت الباقي بينها وبين ابنتها على اثنين يعني، كانت كل واحدة منهما قد حملت لدون عشر سنين، وما دون عشر سنين هو تمام التسع.
وقد صرح –رحمه الله-بتحديد التسع للحيض، فقال في الأم: (وأعجل من سمعت به من النساء حضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين) الأم (1/ 64). يعني لتمام تسع سنين.
وهؤلاء احتجوا بأن اسم الحيض الذي علق الله ـ تعالى ـ به أحكام متعددة في الكتاب، وكذلك في السنة جاء من غير تقدير لأوله زمانًا، وأما الاحتجاج بالوجود فإن الوجود يتفاوت تفاوتا كثيرًا وهذا جعلوه حجة ضعيفة في التحديد، إلا أنه مما يعضد تحديد سن أقل الحيض بتسع سنين ما نقل عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت: «إذابلَغَتِ الجاريةُ تسْعَ سِنينَ فهي امْرأةٌ» أخرجه الترمذي (2/ 409)، والبيهقي (1/ 476). وقريب منه ما نقل عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ مرفوعًا إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «إذا أتى على الجارية تسع سنين فهي امرأة»أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/243)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (37/174). هذا ضعيف الإسناد، في إسناده نوع جهالة كما قال شيخ الإسلام ابن تيميةشرح العمدة لابن تيمية ص (480).، لكنه لم يكن حجة وحده، وإنما مع قول الصحابي، مع ما جرى به حال غالب النساء، هذا مجموع ما ذكر من الأدلة في قول المؤلف –رحمه الله-: (لا حيض قبل تسع سنين)كشاف القناع (1/ 202) شرح منتهى الإرادات (1/ 113) المغني (1/ 447)..
هذا بيان لوقت انقطاع الحيض، وهو ثاني ما ذكره المؤلف مما يتعلق بالأوقات المعلومة للحيض وهو وقت انقطاعه، زمن انقطاعه، ومن حيث الأصل لا خلاف في المذهبكشاف القناع (1/ 202)، وشرح منتهى الإرادات (1/ 114، 113)، والمغني (1/ 445).أن الحيض له غاية ينتهي إليها وينقطع فيها، هذا في المذهب لا خلاف فيه، وإن كانوا قد اختلفوا في الزمن الذي ينتهي فيه الحيض وينقطع، فلا خلاف في أن الحيض غاية ينقطع إذا بلغتها المرأة لم تحض بعدها ويكون ما تراه من الدم بعد ذلك دم فساد ؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾[الطلاق: 4] فأثبت إياس من المحيض، فلو أمكن أن الحيض لا ينقطع أبدًا لم ييأسن أبدًا، ولأنه جرت العادة أن من كبر سنها انقطع دمها، فإذا وجد شيء خلاف هذا الأصل فإنه دم فساد كالصغيرة، وقد ذكر المؤلف –رحمه الله-أن السن الذي ينقطع به الحيض عن المرأة إذا بلغته تمام خمسين عامًا فما تراه المرأة بعد ذلك فهو دم فساد، واحتج بذلك بما جاء عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنه ـ «إذا بلغتْ المرأةُ خمسينَ سَنَةً خرجتْ من حَدِّ الحَيْضِ»المغني (1/ 436)، ومطالب أولي النهى (1/248). وظاهره أنه عام في جميع النساء.
ولذلك قال المصنف: (لا فرق بين نساء العرب وغيرهن) والحجة لاستوائهن في جميع الأحكام والتفريق لا بد فيه من دليل.
قوله –رحمه الله-: ((ولا) حيض (مع حمل)، قال أحمد: (إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم)الإنصاف (1/ 357)، والمغني (1/ 443)، وكشاف القناع (1/ 202).فإن رأت دماً فهو دم فساد لا تترك له العبادة، ولا يمنع زوجها من وطئها، ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة مع أمارة؛ فنفاس، ولا تنقص به مدته).
هذا بيان أن ما تراه الحامل من الدم، ليس حيضًا إذ الحامل لا تحيض، وحجة ذلك ما نقله عن الإمام أحمد من أن النساء يعرفن الحمل بانقطاع الدم، واستدل له أيضًا بما رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد مرفوعًا في سبي أوطاس أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «لا تُوَطَأُ حاملٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ حاملٍ حتى تَحِيضَ»أخرجه أبو داود (2157)، وأحمد (11228). فدل على أنه لا يجتمع الحمل مع الحيض، وعن أحمد أن الحامل تحيض هذه الرواية الثانية عن أحمدالدلائل والإشارات (1/134). –رحمه الله-والحجة في ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾[البقرة: 222] فعلق الحيض على مجرد وجود الأذى، فمتى وجد الأذى ثبت حكمه ولو كانت المرأة حاملًا، وقد قالت عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ:«الحُبْلَى إذا رأتِ الدمَ فلْتُمسِكْ عن الصَّلاةِ؛ فإنَّه حيضٌ»أخرجه الدارمي (985)، والطحاوي في مشكل الآثار (4225)، والدارقطني في سننه (849). فعائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ ترى أن الحامل تحيض، وقد صححه الإمام أحمد.
ونقل عنها أن الحامل لا تحيض، لكن الإمام أحمدالإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/589). رجح رواية إثبات الحيض في الحمل عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أما ما ذكر من أن النبي –صلى الله عليه وسلم-جعل الحيض دليلًا على براءة الرحم من الحمل في الاستبراء.
فأجيب عنه: بأن النبي –صلى الله عليه وسلم-لم يجعل انقطاع الحيض دليلًا قطعيًا على براءة الرحم من الحمل، فإنه لو كان دليلًا قطعيًا لما تخلف عنه مدلوله، ولا كانت أول مدة الحمل من حين انقطاع الحيض، بل أول مدة من حين الوطء يعني حساب مدة الحمل ليس من حين انقطاع الحيض، إنما من حين الوطء فلو حاضت بعده عدة حيض، حسب مدة الحمل من الوطء.
ولذلك قالوا: لو وطئها ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء، لا من حين انقطاع الحيض، فكان الحساب من الوطء لا من انقطاع الحيض لحقه النسب باتفاق المغني لابن قدامة (8/83).، فعلم بهذا أن انقطاع الحيض عن المرأة زمن الحمل أغلبي وليس لازمًا قطعيًا.
ثم ذكر ما يترتب على هذا الدم قال:(لا تترك له العبادة ولا يمنع زوجها من وطئها)شرح منتهى الإرادات (1/114)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/202). فلا يثبت له أحكام دم الحيض التي سيأتي بيانها وذكر منها هذين الحكمين، أنه لا تصرف العبادة لأجله ولا يمنع زوجها من وطئها.
وقوله: (إلا أن تراه قبل ولادتها) أي: ألا أن ترى الحامل الدم (قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة مع أمارة) أي مع أمارة الولادة من طلق وألم ونحو ذلك، في هذا يكون الدم نفاسًا، (فنفاس)المغني لابن قدامة (1/261)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/451). أي: يأخذ حكم النفاس مما سيأتي بيانه.
(ولا تنقص به مدته)المبدع في شرح المقنع (1/237). أي مدة النفاس وهي أربعون على المذهب لا يبتدأ حساب المدة من خروج هذا الدم السابق للولادة بيومين أو ثلاثة، بل بالوضع المدة تحسب بالوضع كما سيأتي.
ولذلك حصل التناقض ؛ حيث أثبتوا له حكم دم النفاس، ولم يحتسبوه من مدة النفاس.
قال –رحمه الله-قوله: ((وأقله)، أي: أقل الحيض (يوم وليلة)؛ لقول علي رضي الله عنه)المغني (1/ 388)، والإقناع (1/ 65)، وكشاف القناع (1/ 203). أي: إن دم الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة، فإذا رأت دمًا وانقطع لدون يوم وليلة فهو دم فساد ليس له حكم دم الحيض، فإن كانت تركت الصلاة تقضيها، ويلزمها اغتسال له ؛ لأن أقل مدة دم الحيض أن يستمر معها يوم وليلة، فإذا كان أقل من ذلك فهو دم فساد، وتقدم قبل قليل في دم الفساد أنه لا تترك له العبادة ولا يمنع زوجها من وطئها، ويستحب أن تغتسل بعد انقطاعه.
واستدل المؤلف –رحمه الله-لما ذكر من أن أقل مدة الحيض يوم وليلة بما ورد عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقال: (لقول علي) والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه أراد بذلك ما نقل عن علي ـ رضي الله عنه ـ من أنه جوز حصول ثلاث حيض في شهر واحد، كما سيأتي فيما نقله المؤلف –رحمه الله-وليس ثمة قول صرح فيه علي بأن أقل الحيض يوم وليلة، وأما وجه كون ثلاث حيض في شهر تدل على أن أقل الحيض يوم وليلة، فذلك أنه إذا كان تكرر الحيض مع المرأة ثلاث مرات في الشهر فيكون يوم وليلة، ثم تطهر وأقل مدة الطهر ثلاثة عشر يوم، ثم تحيض فيكون كمل لها خمسة عشر يوما، ثم تطهر وأقل الطهر كم؟ ثلاثة عشر يوم، ثم تحيض يوم وليلة، فيكون هذا قد حصل به ثلاث حيض في شهر واحد.
وقد ذكر هذا البخاري تعليقًا عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قضى في امرأة إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه أنها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد صدقت أخرجه الدارمي (855)، والبيهقي (15493).. وبهذا يتبين أن دليل ما ذكره المؤلف من أن أقل الحيض يوم وليلة هو العرف والعادة والوجود، فإنه إذا ورد الشرع مطلقًا من غير تحديد وليس ثمة حد في اللغة ولا في الشريعة، فإنه يرجع إلى العادة في التحديد كما تقدم، وقد وجد حيض معتاد في يوم وليلة.
وقيلبداية المجتهد (2/ 37)، ومنح الجليل (1/ 167).: إنه لا حد لأقل الحيض، فإن اسم الحيض علق الله به أحكام متعددة، ولم يقدر لأقله زمنا والأصل فيه أنه مبني على الموجود من طبائع النساء على حسب عاداتهن، والنساء مختلفات في وجوده على حسب اختلاف البلدان واختلاف الأزمنة واختلاف الأسنان واختلاف الطباع، بل المرأة الواحدة يختلف ذلك عليها بحسب متغيرات ومؤثرات تحيط بها من حرارة وبرودة واختلاف الزمان والحال من كبر وصغر، وبالتالي إذا كان كذلك فإن المصير إلى الوجود في تحديد أقل الحيض حجة ضعيفة ؛ لأن الوجود يتفاوت تفاوتًا كثيرًا، ولهذا ذهب الإمام مالكبداية المجتهد مع الهداية (2/ 37)، ومنح الجليل (1/ 167). –رحمه الله-إلى أنه لا حد لأقله واختاره جماعة من الفقهاء فقهاء الحنابلة مجموع فتاوى ابن تيمية (19/240)..
أي أن دم الحيض لا يتجاوز خمسة عشر يومًا، فإذا رأت المرأة دمًا جاوز خمسة عشر يومًا فهو دم فساد ليس له حكم دم الحيض هذا ما قرره المؤلف، واحتج له بقول عطاء، وقد استدل بعضهم لهذا بقول النبي –صلى الله عليه وسلم-في نقصان دين المرأة «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» أورده ابن الجوزي في التحقيق (1 / 263) وقال: وهذا لفظ لا أعرفه.، قالوا: فالمراد بذلك تركها للصلاة زمن الحيض، والحيض والطهر يجتمعان في الشهر عادة، فالمراد شطر كل شهر للحيض وذلك خمسة عشر يومًا، فهذا يدل على أن النصف هو منتهى نقصان دينهن إذ لو كان أكثر من ذلك لذكره في معرض بيان نقص دينهن، إلا أن هذه الرواية لا تصح وقد طعن فيها المحدثون، وبهذا يكون الاعتماد في ذلك على ما حكي في حيض بعض النساء خاصة، وأن أكثره خمسة عشرة يومًا بلياليها.
قوله –رحمه الله-: ((وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر) يومًاالفروع وتصحيح الفروع(1/ 267)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 57).، احتج أحمد بما روي عن علي: أن امرأة جاءته، وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: «قُلْ فِيهَا»، فقال شريح: «إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة»، قال علي: «قالون» أي: جيد، بالرومية) أخرجه الدارمي (855)، والبيهقي (15493)..
أي أن أقل مدة الطهر بين الحيضيتين أي مدة انقطاع الدم ثلاثة عشرة يومًا، واحتج بما نقل عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ ووجه الاحتجاج بهذا: أن هذا لا يقوله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ إلا توقيفًا ، ولأنه قول صحابي انتشر ولم يعلم خلافه، فكان حجة في أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا.
وعن أحمد –رحمه الله-رواية مجموع الفتاوى (19/ 237).: أنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين، وهذا القول أقرب إلى الصواب، لأن المرجع في ذلك إلى الوجود والعادة، وأن الأصل فيما تراه المرأة من الدم أنه حيض فإذا جاء فيما دون ذلك فالأصل أنه حيض، حتى يقوم الدليل على أنه ليس بحيض.
وقوله –رحمه الله-: ((ولا حد لأكثره)، أي: أكثر الطهر بين الحيضتين؛ لأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً، لكن غالبه بقية الشهر) شرح العمدة (1/ 478)..
وهذا بالإجماع لا خلاف بين أهل العلمبدائع الصنائع (1/40)، والمجموع (2/409). في أنه لا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، والحجة لهذا أن التحديد من الشرع، ولم يرد به نصًا، ووجود من لا تحيض أصلًا مشاهد، وبالتالي لا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين وغالب الطهر أي السلامة من الحيض في الشهر ثلاثة وعشرون يومًا وأربعة وعشرون يومًا هذا الغالب على اختلاف أحوال الإسلام ثلاثة وعشرون أو أربعة وعشرون، بناء على أن الغالب في أن كل شهر حيضًا وطهرًا، فالشهر يجمع الحيض والطهر، فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، وبقية الشهر طهر وهو ثلاثة وعشرون يومًا أو أربعة وعشرون يومًا.
ثم قال المؤلف –رحمه الله-بعد ما مضى من بيان الأوقات المعلومة المتصلة بالحيض قال: (والطهر زمن الحيض: خلوص النقاء، بألا تتغير معه قطنة احتشت بها، ولا يكره وطؤها زمنه إن اغتسلت)شرح منتهى الإرادات (1/114)، وكشاف القناع (1/204)..
أي أن المرأة لو انقطع عنها دم الحيض في أيامه المعتادة وطهرت أثنائه، بأن حصل لها النقاء الخالص من الدم، وذلك بألا تتغير قطنة احتشت بها، فإنها تكون طاهرًا حينئذ فمن كانت عادتها مثلا ستًا أو سبعًا، وطهرت لثلاثة أيام واغتسلت، فإنها تكون طاهرًا (ولا يكره وطؤها)الإقناع في فقه الإمام أحمد (1/68)، وشرح منتهى الإرادات (1/114). لأن الله ـ تعالى ـ وصف الحيض بكونه أذى، فإذا انقطع الأذى واغتسلت فقد زال، وإذا زال الأذى زال حكمه.
ثم بعد ذلك انتقل المؤلف –رحمه الله-بعد ذكر ما يتصل بالأوقات المعلومة بالحيض، إلى ما يترتب على الحيض من الأحكام الفقهية سواء كان مما يتعلق بالطهارة أو يتعلق بغيرها.
فقال: ((وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة) إجماعًا)بداية المجتهد (1/56)، والمجموع (2/354). وهذه مجموعة مسائل بدأها بذكر الصوم والصلاة وأتبعها بجملة من المسائل المتصلة بالأحكام أحكام الحائض نقف على هذا، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد