الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
فرغ المؤلف –رحمه الله-من بيان ما يتعلق بالحيض من الأوقات، وقد عرف المؤلف –رحمه الله-الحيض في أول ذكره له بأنه دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، فبدأ المؤلف –رحمه الله-ببيان الأوقات المعلومة المتعلقة بالحيض من حيث ابتدائه، ومن حيث أمد انتهائه ومن حيث أقله، ومن حيث أكثره، وغالبه وما يتصل بذلك من المسائل.
ثم شرع –رحمه الله-في ذكر الأحكام المترتبة على الحيض وبدأ بأهمها وهو ما يتعلق بأركان الإسلام، الصلاة والصوم.
فقال –رحمه الله-: ((وتقضي الحائض) والنفساء (الصوم لا الصلاة) إجماعًا)بداية المجتهد ( 1/56)، والمجموع (2/354). أي: أن أهل العلم أجمعوا على أن الحائض تقضي ما تركته من أيام الصوم في أيام حيضها، ولا تقضي الحائض إذا طهرت ما تركته من الصلاة في أيام حيضها، والدليل ما في الصحيح من حديث عائشة أنها سئلت «ما بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، ولَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. فَقالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟» أي خارجية وذلك أن الخوارج يرون قضاء الصلاة والصوم فقالت: «قُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيَّةٍ، ولَكِنِّي أسْأَلُ. قالَتْ: كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ» أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335). والصيغة تدل على أن ذلك من أمر النبي –صلى الله عليه وسلم-من الأمر المتفق عليه المشهور المعروف بين أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-في هذا الشأن.
ثم قال –رحمه الله-: ((ولا يصحان)، أي: الصوم والصلاة (منها) أي: من الحائض)الكافي في فقه الإمام أحمد (1/134). نفي الصحة في قوله: (ولا يصحان) حكم وضعي، وهو يدل على الحكم التكليفي.
فقوله: (ولا يصحان) أي إن الحائض لا يحل لها أن تصوم لا فرضًا ولا نفلًا في أيام حيضها وكذلك لا يصح منها صومًا ولو صامت، وكذلك لا يحل لها الصلاة لا فرضًا ولا نفلًا في أيام حيضها، ولا تصح منها لو صلت، وهذا محل إجماع بداية المجتهد ( 1/56)، والمجموع (2/354).، ودليله ما في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «أَليسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ»أخرجه البخاري (304)، ومسلم (80). وكذلك الحديث السابق حديث عائشة «كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ»أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335). فدل ذلك على عدم صحته ؛ لأن قولها: (نؤمر بقضاء الصوم) والأمر بقضاء الصوم دليل على أنهم كانوا يتركون الصوم والصلاة في أيام الحيض.
وقوله –رحمه الله-:( (بل يحرمان) عليها، كالطواف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد، لا المرور به إن آمنت تلويثه).
هذه جملة من الأحكام المترتبة على الحيض، فبدأ أول بالصلاة والصوم، فبين عدم وجوبهما هذه المدة وأنهما يقضيان وأن لو فعلته ما صح.
ثم انتقل –رحمه الله-إلى بيان جملة من الأحكام الأخرى فقال: (كالطواف) المبدع في شرح المقنع (1/228)، وكشاف القناع (1/197). أي إن مما يحرم على الحائض زمن حيضها الطواف بالبيت، وهذا يشمل طواف الفرض والنفل، ودليل ذلك ما في الصحيح من حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال لها لما حاضت في حجة الوداع «واصنَعي ما يصنَعُ الحاجُّ غَيرَ أن لا تَطوفي بالبَيتِ» أخرجه مسلم (1213). فدل ذلك على أن الحائض لا تطوف بالبيت، أي لا يحل لها الطواف بالبيت، ومعلوم أن طواف الحاج منه ما هو فرض، ومنه ما هو نفل، فدل ذلك على أن الحائض لا تطوف بالبيت لا فرضًا ولا نفلًا.
وقوله –رحمه الله-: (وقراءة القرآن)كشاف القناع (1/ 197)، وشرح منتهى الإرادات (1/ 111). أي إن مما يحرم على الحائض زمن حيضها قراءة القرآن، والمقصود بقراءة القرآن تلاوته، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير، ولا بين قراءته عن ظهر قلب أو قراءته نظرًا من المصحف، ودليله ما في السنن من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «لا يَقرَأُ الجُنُبُ ولا الحائضُ شيئًا من القرآنِ»أخرجه الترمذي (131)، وابن ماجه (596). إلا أن الحديث ضعيف خلاصة الأحكام للنووي (1/208).-.
والرواية الأخرى عن أحمدالاختيارات الفقهية لابن تيمية ( 27)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/249).: أن الحائض لا تمنع من قراءة القرآن لعدم الدليل، ليس ثمة دليل يستند إليه في منع الحائض من قراءة القرآن، والأصل عدم المنع إلا بما يحتج به من النصوص ولم يرد ما يعتضد به في ذلك.
وقوله –رحمه الله-: (واللبث في المسجد لا المرور به إن أمن تلويثه) كشاف القناع (1/ 197)، والمبدع في شرح المقنع(1/ 260). أي إن مما يحرم على الحائض اللبث في المسجد لما في السنن من حديث عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «لا أُحِلُّ المسجِدَ لِجُنُبٍ ولا حائِضٍ»أخرجه أبو داود (232)، وابن خزيمة (1327). لقول عامة المحدثين، وإذا كان كذلك فإنه لا دليل يستند إليه في منع الحائض من اللبث في المسجد لا سيما إن كان ثمة ما يدعو إلى ذلك من حاجة تعليم أو تعلم أو ما أشبه ذلك.
قوله –رحمه الله-: (لا المرور به إن أمنت تلويثه) أي إن مما يحل للحائض زمن حيضها المرور بالمسجد إذا آمنت تلويثه وإن كان ذلك طريقًا لما في ذلك من حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال لها: «ناوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ» أخرجه مسلم (298). والخمرة قطعة حصير بقدر الوجه «قالَتْ فَقُلتُ: إنِّي حائِضٌ، فقالَ: إنَّ حَيْضَتَكِ ليسَتْ في يَدِكِ» أخرجه مسلم (298). فدل ذلك على أن دخول الحائض المسجد لحاجة لا بأس به، واستدل فقهاء الحنابلة بهذا على جواز المرور، والحقيقة أن قصره على المرور محل تأمل، لا سيما وأن النبي –صلى الله عليه وسلم-لم يقيد ذلك بقيد، بل صدر منه ما يدل على أن الحيض لا يمنع من دخول المسجد لأن الحيض ليس في اليد، وهو ما يباشر المسجد والمكان.
بعد ذلك قال –رحمه الله-: ((ويحرم وطؤها في الفرج) إلا لمن به شبق بشرطهالإقناع في فقه الإمام أحمد (1/64)، وكشاف القناع (1/198).، قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾[البقرة: 222] أي إن مما يحرم زمن الحيض جماع الحائض في فرجها، والدليل الآية التي ذكرها المؤلف –رحمه الله-ووجه الدلالة فيه قوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ فإن المحيض يطلق على موضع الحيض وهو الفرج.
وفي الصحيح من حديث عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «اصْنَعُوا كُلَّ شيءٍ إلَّا النِّكَاحَ» أخرجه مسلم (302). وفي لفظ النسائي وابن ماجه قال: «إلا الجماع»أخرجه ابن ماجه (644) فعلم أن المقصود بالنكاح الجماع وهذا ظاهر، وحتى على رواية «النكاح» فإن الألف واللام فيه لمعهود ذهني، وهو الوطء في الفرج.
واستثنى المؤلف من التحريم من به شبق والشبق هو شدة الغلمة بضم الغين وقوة الشهوة وطلب النكاح.
قيد المؤلف –رحمه الله-عدم التحريم بالشبق، لكن قيد الشبق بشرط فقال: (بشرطه) ولم يبين المؤلف الشرط، وهذا من المواضع التي نبهت قبل قليل على عناية القارئ والمطالع ببقية الشروح حتى تكتمل عنده الصورة، لأن قد يقول ما المراد بالشرط المذكور هنا؟ ما هو شرط الشبق الذي يبيح الوطء في الفرج من الحائض؟
فالجواب: أن الشرط هو ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ ولا يجد غير الحائض بألا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمة، هذا الشرط المبيح لمن به شبق أن يجامع في زمن الحيض.
الأول: ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج.
الثاني: أن يخاف تشقق أنثييه أي خصيتيه إن لم يطأ.
الثالث: ألا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمة هذا في زمانهمكشاف القناع عن متن الإقناع (1/198)، ومطالب أولي النهى (1/241). .
قوله –رحمه الله-: ((فإن فعل) بأن أولج قبل انقطاعه من يجامع مثله حشفته ولو بحائل، أو مكرهًا، أو ناسيًا، او جاهلًا) المبدع في شرح المقنع (1/233). هذا بيان لما يترتب على الوطء في الفرج زمن الحيض لمن يحرم عليه.
فقال –رحمه الله-: (فإن فعل) وذلك بأن يولج من يجامع مثله، ومن الذي يجامع مثله؟ هو من كان له عشر سنين إن كان ذكرًا، أو تسع سنين إن كان أنثى، وفي رواية عن أحمد من يجامع مثله أي من كان بالغًا.
وقوله: (حشفته) أي رأس الذكر بأن يولج رأس ذكره في الفرج.
وقوله: (ولو بحائل) شرح منتهى الإرادات (1/113). أي: ولو كان الوطء بحائل أي بمانع يمنع مباشرة اللحم للحم، وذلك بأن يلف على ذكره خرقة ونحوه أو أن يضعه في كيس يدخله فيه يدخل في الكيس، وهذا يشبه ما يستعمله بعض من يتوقى الحمل من الواقي، فلو كان الوطء بحائل فإنه يحرم بمعنى أنه لا فرق في تحريم وطء الحائض بين أن يكون جامعها بحائل أو من غير حائل.
ولقائل أن يقول: لماذا قال ولو بحائل هنا ما السبب مع أنه لا فرق؟
الجواب: أنهم فرقوا بين الوطء بحائل وبغير حائل، فيما يتعلق بالغسل، ففي هذه المسألة لم يفرق بين الوطء بحائل والوطء من غير حائل.
أما في الغسل فقالوا: ولا يجب غسل بتغييب حشفة بحائل، لهذا أشار هنا، فقال: (ولو بحائل) شرح منتهى الإرادات (1/113). فقوله: (ولو) هنا لدفع التوهم أي: توهم استواء هذه المسألة مع الغسل، وأنه لا يترتب على وطء الحائض بحائل كفارة.
وقوله –رحمه الله-: (أو مكرهًا أو ناسيًا أو جاهلًا)المبدع في شرح المقنع (1/233). أي أنه لا فرق في وجوب الكفارة في الوطء بالحيض بين أن يكون الوطء حصل حال العذر بالإكراه أو لا، فجعلوا فعل المكره موجب لكفارة الوطء، وهذا خلاف ما جروا عليه في غالب الأبواب من كون فعل المكره كلا فعل.
انتبه هذا الموضع مما خالف فيه الحنابلة مطالب أولي النهى (1/245). ما جروا عليه في أكثر الأبواب من اعتبار الإكراه موجب للتخفيف، فهنا لم يفرقوا بين المكره وغيره، والسبب أن الإكراه في مثل هذا لا يتمحض.
قالوا: لأنه لا يكون الإيلاج إلا عن الانتشار، والانتشار يدل على الرغبة، والرغبة تدل على عدم دوام الإكراه.
فقالوا: لا فرق بين المكره وغيره ؛ لأن المكره حصلت منه الرغبة التي تتنافى مع الإكراه، فالإكراه قد يكون في أول الأمر ثم يزول، وعن الإمام أحمد رواية أخرى الإقناع (1/ 64)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 74).: أنه لا كفارة عليه في حال الإكراه.
وقوله: (أو ناسياً أو جاهلًا) المبدع في شرح المقنع (1/233). أي أنه تجب كفارة الوطء في الحيض حال النسيان أو الجهل سواء كان جهلًا بالحال بكونها حائضًا أم جهلًا بالحكم بكونه مما يحرم عليه الوطء وذلك لعموم الخبر الموجب للكفارة فلم يفرق بين الناسي والذاكر، ولا بين الجاهل بالحال، ولا العالم بالحال، ولا الجاهل بالحكم، ولا العالم بالحكم.
وقالوا: قياسًا على كفارة الوطء بالصوم، وقياسًا على كفارة الوطء في الإحرام، وعن الإمام أحمد رواية: إنه لا كفارة عليه في حالة النسيان والجهل، وذلك أن ما نهي عنه إذا فعل سهوًا أو نسيانًا لم يكن فاعله عاصيًا، وإذا لم يكن عاصيًا كان وجود فعله كعدمه، وكذلك الوطء جهلا بالحيض أو جهلًا بالتحريم، لا كفارة معه ؛ لأن النهي لا يثبت حكمه في حق المنهي عنه حتى يعلم التحريم، فمن لم يعلم فهو كالناسي وأولى، وهذه رواية أقرب للأصول وأقوى في الحجة.
قوله –رحمه الله-: (فعليه دينار، أو نصفه) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف(1/ 351)، والفروع في معرفة الراجح من الفروع (1/262). هذا جواب الشرط المتقدم في قوله: (فإن فعل) وهو بيان لكفارة الوطء في الحيض، وأن الواجب فيها على من وطء دينار أو نصف دينار (على التخيير)شرح منتهى الإرادات (1/113)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/201). أي له الاختيار في أن يخرج دينارًا أو أن يخرج نصف دينار، ولا فرق بين كون الوطء في أول زمن الحيض أو آخره، وهذا من مفردات المذهبكشاف القناع (1/ 200ـــــ 201)، والفروع وتصحيح الفروع (1/ 262). خلافًا للأئمة الثلاثة البحر الرائق (1/ 207)، وبداية المجتهد (2/ 72)، والمجموع (2/ 359)..
والدليل ما ذكره من حديث ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ في أن من وطء الحائض يتصدق بدينار أو نصفه، فقال: (كفارة)؛ لحديث ابن عباس: «يتصدق بدينار أو نصفه»أخرجه أبو داود (2168)، والنسائي (289)، وابن ماجه (640)، وأحمد (2595). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وقال: (هكذا الرواية الصحيحة).
وقوله: (على التخيير) لنفي أن يكون هذا على وجه التفريق بين أول الحيض وآخره، وذلك أن الوطء في الحيض معنى تجب فيه الكفارة، فاستوى الحال فيه بين إقبال الحيض وإدباره كالإحرام.
وعنه الإقناع (1/ 64)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 74).: لا كفارة عليه ؛ لضعف الحديث وليس عليه إلا التوبة هذه رواية عن الإمام أحمد وبها يوافق قول الجمهورالبحر الرائق (1/ 207)، وبداية المجتهد (2/ 72)، والمجموع (2/ 359). أن لا كفارة عليه وليس عليه إلا التوبة ؛ لعدم صحة الحديث الوارد في ذلك.
قوله –رحمه الله-: (والمراد بالدينار: مثقال من الذهب، مضروبًا كان أو غيره، أو قيمته من الفضة فقط) شرح منتهى الإرادات (1/113)..
هذا بيان للمراد بالدينار الواجب في كفارة الوطء في الحيض، وأنهما يزني مثقال.
فقوله: (والمراد بالدينار مثقال أي: ما يزن مثقال من الذهب)كشف القناع عن متن الإقناع (1/201). وهو بغرامات أربع غرامات وربع، وظاهر الحديث أن لا فرق بين كون الدينار ذهبًا مضروبًا يعني سكه أو تبرًا يعني ذهب في معدنه لم يخلص وهذا هو المذهب، واعتبر شيخ الإسلام ابن تيميةكشف المخدرات (1/94)، وكشاف القناع (1/201). –رحمه الله-كون الدينار في كفارة الوطء في الحيض مضروبًا يعني اشترط أن يكون الدينار مضروبًا ورجحه في الفروع الفروع وتصحيح الفروع (1/358).، وعلة ذلك أن الدينار اسم للمضروب خاصة قياس على الدية.
قوله: (أو قيمته من الفضة فقط)شرح منتهى الإرادات (1/113). أي: أنه يجزئ في كفارة الوطء في الحيض إخراج قيمة الدينار أو نصفه من الدراهم خاصة، ولذلك قال: (فقط) أي: دون سائر أنواع المال، فليس المقصود القيمة بأي شيء كان إنما القيمة من الفضة خاصة، والعلة في ذلك قالوا: لأنها كفارة فاختصت ببعض أنواع المال كسائر الكفارات، وإنما جاز إخراج الفضة عن الذهب بناء على إخراجها عنه في الزكاة، ولأنه حق يجزئ فيه أحد الثمنين فأجزئ فيه الآخر كسائر الحقوق.
وعن الإمام أحمد روايةالفروع وتصحيح الفروع (1/359)، والشرح الكبير (2/383)، والإنصاف (2/384).: تجزئ القيمة من كل المال، وليس فقط من الفضة، لأن المقصود يحصل بإخراج هذا القدر من المال على أي صفة كان من المال، فجاز بأي مال كان كالخراج والجزية.
قوله –رحمه الله-: (ويجزئ لواحد، وتسقط بعجزه)الشرح الكبير (2/378). أي: يجزئ في كفارة وطء الحائض إعطائها لمسكين واحد لعموم الخبر ؛ لأنه لم يقيد ذلك بعدد.
وقوله –رحمه الله-: (وتسقط بعجزه) أي: إن كفارة الوطء في الحيض تسقط حال العجز قياسًا على كفارة الوطء في نهار رمضان حيث أسقطها النبي –صلى الله عليه وسلم-عن الرجل لما تبين عجزه، ولعموم النصوص الدالة على أن الواجب منوط بالاستطاعة، والعجز يسقط الواجب، فاتقوا الله ما استطعتم.
قوله –رحمه الله-: (وامرأة مطاوعة كرجل) المغني (1/245). أي: أنه يلزم المرأة كفارة بالوطء في الحيض كالرجل إن طاوعته هذا على الصحيح من المذهب وهو من المفردات، وعن أحمد –رحمه الله-: أنه لا كفارة على المرأة مطلقًا سواء طاوعت أو لم تطاوعالمغني (1/245).، لأن الشرع لم يرد بإيجابها عليها وإنما يتلقى الوجوب من الشرع.
وقيل: بل عليهما كفارة واحدة يشتركان فيها، يعني كفارة الدينار أو النصف تكون على الرجل والمرأة بالمناصفة إذا كانت مطاوعةشرح منتهى الإرادات (1/113)..
القول الأول: دينار على الرجل ودينار على المرأة إذا طاوعت، فيكون الوطء فيه ديناران.
القول الثاني: أنه ليس على المرأة كفارة ولو طاوعت.
القول الثالث: أنه إذا طاوعت تشاركه في الدينار الواجب للحديث في وطء الرجل امرأته يتصدق بدينار.
والأقرب من هذه الأقوال هو الرواية الثانية، أنه لا كفارة على المرأة وإن طاوعت، وإما إذا كانت مكرهة فإنه لا كفارة عليها بالاتفاق ؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»أخرجه ابن ماجه (2045)، وابن حبان (7219)، والطبراني (11274)..
ثم انتقل المؤلف –رحمه الله-إلى مسألة أخرى من الأحكام المترتبة على الحيض، وهو ما يتعلق بما يحل للرجل من امرأته حال الحيض.
فقال –رحمه الله-: (و) يجوز أن (يستمتع منها)، أي: من الحائض (بما دونه)شرح العمدة لابن تيمية ص(461)، والمبدع في شرح المقنع (1/231). ، أي: دون الفرج، من القبلة، واللمس، والوطء دون الفرج؛ لأن المحيض اسم لمكان الحيض، قال ابن عباس: «فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنْ»رواه ابن جرير في التفسير (4/ 375)..
هذا بيان لما يحل للرجل من امرأته زمن حيضها، فيحل للرجل نيل متعته من امرأته وهي حائض بما سوى الفرج من القبلة واللمس بشهوة وجماعها تلذذًا دون الإيلاج في القبل، فإن الوطء والجماع عن الإطلاق هو الإيلاج في الفرج إذا قيل وطء الرجل امرأته أو جامعها، فعند الإطلاق هو الإيلاج في الفرج، وتسمى مباشرة المرأة بشهوة وطأ وجماعا توسعا عند التقييد، المباشرة التي دون الإيلاج، فيقال الوطء أو الجماع فيما دون الفرج.
فقوله هنا: (والوطء دون الفرج) المغني (1/ 414)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 73). بيان لما يحل من المرأة زمن حيضها فيما يتعلق بالوطء وأن الذي يحل له هو ما دون الفرج، وأطلق على هذا الفعل وطأ وجماعًا مقيدًا بما دون الفرج لكونه بالذكر بالجملة، فلو ضم وقبل ولمس لا يسمى وطأ، لكن إن كان الاستمتاع يتصل بذكره يسمى وطأ دون الفرج.
واستدل المؤلف –رحمه الله-لما ذكر من جواز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج بالآية في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾[البقرة: 222] فقال: المحيض الذي أمر باعتزاله هو مكان الحيض وهو الفرج إذ المحيض اسم لمكان الحيض واستشهد بقول ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ في الآية «فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنْ» فاختص التحريم بمكان الحيض وهو الفرج، ويحل ما دون ذلك، ويؤيده أنه وطء حرم لأجل الأذى فاختص بمحله ومحله هو الفرج كالوطء في الدبر، فإنه يختص الدبر ولا يمنع ما سواه ويدل له أيضًا أي لإباحة الاستمتاع بما دون الفرج زمن الحيض ما في الصحيح من حديث أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «اصْنَعُوا كُلَّ شيءٍ إلَّا النِّكَاحَ»أخرجه مسلم (302). فإن هذا ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة، وهو الجماع في الفرج، وأباح كل ما دونه فدل هذا على إباحة مباشرة الحائض عدا الجماع في الفرج.
وعن أحمد روايةالمبدع في شرح المقنع (1/232).: أنه لا يجوز أن يستمتع بما بين السرة والركبة، لما روى أبا دواد أن النبي –صلى الله عليه وسلم-سئل ما يحل من المرأة وهي حائض، فقال للسائل: «لك ما فوق الإزار» أخرجه البخاري (303).. ويجاب: بأن هذا الحديث ضعيف، وعلى التسليم بصحته، فإنه يدل على تحريم الاستمتاع بما بين السرة والركبة دلالة مفهوم والمنطوق راجح عليه، والمنطوق إباحة كل شيء إلا الجماع في الفرج في حديث أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.
وأما ما روى البخاري عن عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-«كان يأمرها أن تتزر فيباشرها وهي حائض» أخرجه البخاري (302)، ومسلم (293). فإنه يدل على حل ما فوق الإزار وهذا محل اتفاق، لكنه لا يدل على تحريم غيره، والنبي –صلى الله عليه وسلم-قد يترك بعض المباح تقذرًا كتركه أكل الضب ونحوه.
ولهذا يستحب البعد عما بين السرة والركبة، لكنه لا يحرم.
وقوله –رحمه الله-: (ويسن ستر فرجها عند مباشرة غيره) المبدع في شرح المقنع (1/232). يعني مما دون السرة والركبة أي إن مما يسن عند الاستمتاع من الحائض بغير الفرج أن يستر فرجها بشيء أن يلقي عليه شيء يستره على وجه الاستحباب. وقيل: بل ذلك واجبكشاف القناع عن متن الإقناع (1/200).، ودليل الاستحباب من رواه أبو داود من حديث عكرمة عن بعض أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم-«أنه كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوبًا» أخرجه أبو داود (272)، والبيهقي (1562). وهذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب، إنما غايته أن يدل على الاستحباب.
والذين قالوا بالوجوب قالوا: إن هذا بيان بفعل النبي –صلى الله عليه وسلم-للآية في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾[البقرة: 222] وبيان الواجب واجب، فهذا مما يجب في الاستمتاع بالمرأة زمن الحيض.
والأظهر ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الأول ما ذكره المؤلف –رحمه الله-ذلك على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب ؛ لأن الفعل لا يقوى، والنهي في الآية يمتثل بترك الوطء في الفرج.
قال –رحمه الله-: (وإذا أراد وطأها فادعت حيضًا ممكنًا؛ قبل)الفروع وتصحيح الفروع (1/356)، والمبدع في شرح المقنع (1/231). أي إن الرجل إذا أراد جماع المرأة ممن تحل له في الفرج فادعت أنها حائض، وأمكن صدقها، فإنه يقبل قولها، ويجب عليه اجتناب جماعها، والعلة في ذلك أنها مؤتمنة وقيل: إنه إن صدق قولها قرينة أو أمارة قبل قولها، وإلا فلا يقبل.
قوله –رحمه الله-: ((وإذا انقطع الدم)، أي: دم الحيض أو النفاس (ولم تغتسل؛ لم يبح غير الصيام والطلاق))الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد ص (61)..
أي: إن الحائض والنفساء إذا انقطع عنهما الدم زال من الأحكام المتعلقة بالحيض، وهي المتقدمة قبل اغتسالها شيئان:
الأول: تحريم الصيام ؛ لأن وجوب الغسل لا يمنع فعل الصوم كالجنب، فإن الجنب يباح له الصوم بما في الصحيحين من حديث أم سلمة وعائشة «أن النبي – صلى الله عليه وسلم-كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم»أخرجه البخاري (1925، 1926)، ومسلم (1109)..
والثاني: تحريم الطلاقالمقنع في فقه الإمام أحمد (37)، والشرح الكبير (2/372). فإنه يحل له تطليق المرأة قبل اغتسالها إذا انقطع دمها ؛ لأن تحريم الطلاق علته ؛ لئلا تطول العدة أو لأجل الحيض وقد زال، وأما سائر الأحكام المتعلقة بالحيض فإنها تبقى حتى تغتسل، والدليل أن الله ـ تعالى ـ لم يبح وطء المرأة الحائض حتى تغتسل، فكل ما بقي من أحكام تابع لذلك، إلا ما ورد النص بإباحته قبل الاغتسال وهو الصوم ووقوع الطلاق.
وقوله –رحمه الله-: (فإن عدمت الماء تيممت، وحل وطؤها)المبدع في شرح المقنع (1/231)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/373). أي: إن مما يجب بانقطاع دم الحيض والنفاس على المرأة الاغتسال لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾[البقرة: 222] أي حتى ينقطع دم حيضهن، ﴿فإذا تطهرن﴾ أي اغتسلن بالماء ﴿فأتوهن﴾ كذا فسره ابن عباس، فالتطهر تفعل إنما يكون فيما يتكلفه الإنسان ويروم تحصيله، فيقتضي اتخاذ الفعل منه لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[المائدة: 6].
وقوله –رحمه الله-: (وتغسل المسلمة الممتنعة قهرًا، ولا نية هنا كالكافرة) الإنصاف (2/373)، والفروع وتصحيح الفروع (1/357). يعني إذا امتنعت المرأة عن الاغتسال أكرهت على هذا، وإذا اغتسلت حل لها ما يتعلق بزوجها من الوطء ونحوه، وأما النية فهنا لا عبرة بها كاغتسال الكافرة ؛ لأن الكافرة يجب عليها الاغتسال إذا أراد زوجها الاستمتاع بها بعد الحيض، ولو كانت لا يصح منها نية ؛ لأن النية لا تصح إلا من المسلمة نية العبادة لا تصح إلا من المسلم، ودليل إسقاط النية في هذه المسألة العذر لقوله: (للعذر) ؛ لكن هل تصلي بهذا الغسل الذي جرى قهراً؟
قال: (ولا تصلي به) يعني لا تصح أن تصلي به ؛ لأنها لم تنوي، وإنما الأعمال بالنيات، فإذا أرادت أن تصلي تغتسل غسلا لصلاتها.
قال: (وينوي عن مجنونة غسلت، كميت)الفروع وتصحيح الفروع (1/357)، والمبدع في شرح المقنع (1/231). أي: ويصح أن ينوى عن مجنونة قطع حيضها من غسلها، كميت لتعذر حصول النية منها إذ المجنون لا قصد له.
ثم قال –رحمه الله-: (والمبتدئة) نقف على هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.