الطهارة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 205

التاريخ : 2025-10-19 14:37:19


الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد

فيقول المصنف –رحمه الله-في كتاب الروض المربع شرح زاد المستقنع (والمبتدأة)المغني لابن قدامة (1/237)، والشرح الكبير (2/397). أي: في زمن يمكن أن يكون حيضًا، وهي التي رأت الدم، ولم تكن حاضت؛ (تجلس)، أي: تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رؤيته، ولو أحمر، أو صفرة، أو كدرة، (أقله)، أي: أقل الحيض يومًا وليلة، (ثم تغتسل)؛ لأنه آخر حيضها حكما، (وتصلي) وتصوم ولا توطأ) الفروع وتصحيح الفروع (1/369)..

هذا شروع في ذكر أحوال المرأة في الحيض، وذكر أول أحوال المرأة وهي المبتدئة، والمبتدئة: هي التي بدأ بها الحيض فرأت دمًا يمكن أن يكون حيضًا، وذلك أن يكون قد تم لها تسع سنين فأكثر، ولم تكن قد حاضت قبله، ولها أحوال:

الحال الأول من أحوال المبتدئة: المبتدئةالممتع في شرح المقنع (1/240)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/397). التي رأت الدم وجاوز ما رأته من الدم يومًا وليلة، فهذه تجلس بمجرد ما ترى الدم على أي صفة كان دمها أحمر أو صفرة أو كدرة، فتدع الصلاة والصيام ونحوهما مما تمنع منه الحائض يوم وليلة، وذلك لأن ما زاد عن اليوم والليلة يحتمل أن يكون حيضًا ويحتمل أن يكون استحاضة، والصلاة ثابتة في ذمتها بيقين فلا تتركها بالشك، فتكون بذلك في حكم الطهر كسائر المستحاضات بعد انقضاء اليوم والليلة، فتغتسل وتصلي وتصوم.

والحكم بأنها طاهر هو من الأحكام المتعلقة بالحكم، بمعنى أن تدع بعد اليوم والليلة آخر حيضها يكون بمضي اليوم والليلة وتغتسل وجوبًا، وهذا آخر حيضها حكمًا أشبه آخر حيضها حسًا فيلزمها الاغتسال المغنى لابن قدامة (1/237)..

وأما كونها تصلي بعد ذلك، فلأن المانع من الصلاة الحيض وعدم الغسل، والحيض قد ارتفع حكمًا، وأما الغسل فقد فعلته فإذا تحقق ذلك كانت في أحكام الطاهرات فيلزمها الصلاة والصوم وما إلى ذلك مما يتعلق بأحكام الطهر، وأما كون زوجها لا يطئها مع أنها قد حكم بأنها طاهر فلاحتمال أن يكون ذلك الدم حيضًا فيمتنع من وطئها احتياطًا الممتع في شرح المقنع (1/240)..

ثم ذكر المصنف –رحمه الله-الحال الثانية من أحوال المبتدئة.

إذًا الحال الأولى من أحوال المبتدئة هي التي يزيد دمها على يوم وليلة، وينقطع فيما دون أكثر الحيض، ((فإن انقطع) دمها (لأكثره)) الحيض هذه الحالة الثانية (أي: أكثر الحيض خمسة عشر يوما (فما دون) - بضم النون؛ لقطعه عن الإضافة-؛ (اغتسلت إذا انقطع) أيضا وجوبا؛ لصلاحيته أن يكون حيضها ، وتفعل كذلك في الشهر الثاني والثالث)المغني لابن قدامة (1/238)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/428)..

هذا بيان للحالة الثانية من أحوال المبتدئة: وهي أن ينقطع عنها الدم فيما بين ما زاد على أقل الحيض وهو يوم وليلة وبين أكثره وهو خمسة عشرة يومًا، ففي هذه أربع روايات عن الإمام أحمدالمبدع في شرح المقنع (1/ 277ـ 276)، والفروع وتصحيح الفروع (1/ 270ـــــ 269). –رحمه الله-ما ذكره المؤلف هو إحدى هذه الروايات، وهو أنه يلزمه الاغتسال. ثانية إذا كمل لها خمسة عشرة يومًا، لأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها فلا تكون طاهرة بيقين إلا بالغسل حينئذ وتفعل ذلك، أي تفعل ما تقدم من الاغتسال بعد يوم وليلة والإتيان بالواجبات من الصلوات والصوم إلى يوم خمسة عشر، ثم تغتسل ثانية إذا قطع الدم عنها في هذه المدة ما بين أقل الحيض وأكثره، قد ينقطع بعد يومين، بعد ثلاثة، إلى أن يبلغ خمسة عشر يومًا، فإذا انقطع فيما دون أكثر الحيض اغتسلت ثانية احتياط، وتفعل هذا في الأشهر الثلاثة الشهر الثاني والثالث ؛ لأن العادة لا تثبت إلا بتكرار الدم ثلاث مرات.

وهذه الرواية يشكل عليها أن الناس كن يحضن في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم-وكل امرأة تكون في أول ما يأتيها الدم مبتدئة، ومع هذا لم يأمر النبي –صلى الله عليه وسلم-واحدة من النساء في عصره بالاغتسال عقب يوم وليلة، ولو كان ذلك منقولًا لكان ذلك حدًا لأقل الحيض والنبي –صلى الله عليه وسلم-لم يحد أقل الحيض باتفاق أهل الحديث، فهذه الرواية هي المذهب وهي أضعف الأقوال فيما يتعلق بهذه الحال من أحوال المبتدئة، وهي التي استمر معها الدم أكثر من يوم وليلة وينقطع دون أكثره.

الرواية الثانية عن الإمام أحمدالفروع وتصحيح الفروع (1/ 270ــــ 296)، المغني لابن قدامة (1/ 408).: أن المبتدئة تجلس غالب عادات النساء إذا استمر معها الدم إلى ما دون أكثر الحيض تجلس ستًا أو سبعًا، فإذا استمر مع الدم عشرة أيام مثلا تجلس ستة أيام أو سبعة أيام، لأنه لما احتسب لها في كل شهر حيضة اعتبار بغالب عادات النساء، فكذلك يجب أن يعتبر حال غالب النساء فيما يتعلق بعدد الأيام فتحيض ست أو سبع باعتبار غالب عادات النساء.

وأما الرواية الثالثةالمغني (1/ 409ــــــ 408).: فهي أن المبتدئة ترد إلى عادة أقربائها، فتجلس مجلس قرباتها من جهة عدد الأيام، وذلك أن إلحاق المرأة بغالب عادات قريبتها أقرب إلى إصابة حيضها من إلحاقها بعادة غالب النساء.

وأما الرواية الثالثةالكافي في فقه الإمام أحمد (1/142)، والمبدع في شرح المقنع (1/244).: فهي أن المبتدئة تجلس أكثر الحيض، لأن الأصل في الدم الخارج أن يكون حيضا، ما لم يقم دليلًا على فساده، وهنا لا دليل لأنه موجود في زمن بمكن أن يكون حيضًا   ولأن الدم أول ما جلسته على أنه حيض في وقت الإمكان، فكذلك آخره فالأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذه الرواية أقرب الروايات إلى الصواب.

أما إذا انقطع دم المبتدئة ليوم وليلة فإنها تغتسل لانقطاعه وتصير طاهرًا في جميع الأحكام، ولا يكره لزوجها وطئها هذه هي الحال الثانية من أحوال المبتدئة.

قوله –رحمه الله-: ((فإن تكرر) الدم (ثلاثاً)، أي: في ثلاثة أشهر ولم يختلف؛ (ف) هو كله (حيض)، وتثبت عادتها، فتجلسه في الشهر الرابع، ولا تثبت بدون ثلاث)كشف المخدرات (1/94 ــــ95). ، هذا بيان للشرط الذي يعتبر فيما يتصل بانتقال المرأة من كونها مبتدئة إلى كونها معتادة، فمن شرط اعتبار دم المبتدئة الذي زاد على يوم وليلة حيضًا أن يتكرر عليها الدم ثلاث مرات على صفة مجيئه أول مرة، فإذا حصل ذلك تبين أنه حيضها وعادتها فتجلس أيامه في الشهر الرابع، ولا تثبت لها عادة إلا بأن تتكرر ثلاث مرات، ويدل لهذا قول النبي –صلى الله عليه وسلم-«دَعِي الصلاةَ أيَّامَ أقرائِكِ»أخرجه أبو داود (280)، والنسائي (211)، وابن ماجة (620). وجه الدلالة في الحديث: قوله–صلى الله عليه وسلم-:«أقرائك» والأقراء صيغة جمع وأقل الجمع ثلاثة، وعن الإمام أحمد روايةالمغني لابن قدامة (1/230).: أن العادة تثبت بمرتين، فتجلس في الشهر الثالث. ووجه هذه الرواية: أن العادة مأخوذة من العود والمعاودة، وقد عاودتها في المرة الثانية فتحقق الإثم فكانت عادة.

وقال القاضي أبو يعلىالشرح الكبير (2/398).: تثبت العادة بمرة واحدة، فتجلس في الشهر الثاني واختاره شيخ الإسلام ابن تيميةالمبدع في شرح المقنع (1/242)، والإنصاف في معرفة الراجح (2/402). –رحمه الله-واستدل لهذه الرواية، كما في البخاري من حديث عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال لفاطمة بنت أبي حبيش وهي إحدى المستحاضات في زمانه «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا»أخرجه البخاري (325)، ومسلم (333). وما روى مسلم أيضًا عن عائشة في قصة استحاضة أم حبيبة وفيه قال النبي –صلى الله عليه وسلم-لها «امْكُثِي قَدْرَ ما كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وصَلِّي» أخرجه البخاري (325)، ومسلم (333)..

ووجه الدلالة في الحديثين: أن النبي –صلى الله عليه وسلم-ردهما إلى قدر ما كان من أيام حيضهما دون اشتراط تكرار، ويدل له أيضًا ما في السنن من حديث أم سلمة أن استفتت النبي –صلى الله عليه وسلم-لامرأة كانت مستحاضة، فقال لها النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر»أخرجه أبو داود (274)، والنسائي (208)، وابن ماجه (623).، فاعتبر النبي –صلى الله عليه وسلم-الشهر الذي قبل حيضها كافيًا في إثبات ما تعتبره في الشهر الطارئ، فقال لها النبي –صلى الله عليه وسلم-لتنظر قدر الأيام والليالي التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فاعتبر النبي –صلى الله عليه وسلم-الشهر الذي قبل حيضها، فالألف واللام في قوله من الشهر للعد الذهني وهو الشهر السابق.

ونوقش هذا الاستدلال: أن النبي –صلى الله عليه وسلم-إنما ردها إلى ما كانت عليه قبل استحاضتها، وكان كلمة يخبر بها عن دوام الفعل وتكراره، ولا يحصل ذلك بمرة واحدة، وأجيب بأن الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصليون أن لفظة كان لا يلزم منها الدوام والتكرار، وإنما هي فعل ماض يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها وقد قالت عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النبيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ـ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ»أخرجه مسلم (1191). ومعلوم أنه –صلى الله عليه وسلم-لم يحج بعد أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع فاستعملت ـ رضي الله تعالى عنها ـ كان مرة واحدة.

ونوقش: بأن الأغلب في استعمال كلمة كان أنها تفيد مداومة ما دخلت عليه أو كثرته وتكراره  وما يقع من ذلك لغير التكرار فهو نادر، ويمكن أن يقال: إن رد النبي –صلى الله عليه وسلم-المستحاضة إلى ما كانت عليه قبل استحاضتها يشمل ما كان في مرة أو في مرات.

قوله –رحمه الله-: ((وتقضي ما وجب فيه)، أي: ما صامت فيه من واجب، وكذا ما طافته   أو اعتكفته فيه) كشف المخدرات (1/95). أي إن المبتدئة التي تكرر معها الدم ثلاث مرات على نحو واحد تقضي ما فعلته من واجبات في أيام جريان الدم من الأشهر الثلاثة من صيام واجب أو طواف واجب أو اعتكاف منذور، لأنه تبين أنه دم حيض فلزمها فعله ثانية لتبين أنه لم يصح منها صومها ولا طوافها ولا اعتكافها ؛ لأنها كانت حائضًا.

قوله –رحمه الله-: (وإن ارتفع حيضها ولم يعد، أو أييست قبل التكرار؛ لم تقض)الفروع وتصحيح الفروع (1/374)، والمبدع في شرح المقنع (1/242). أي: إن انقطع دم المبتدئة في الشهر الثاني بأن ارتفع حيضها أو لم يعد إليها الدم حتى بلغت سن اليأس ولم يتكرر معها الدم أي إن انقطع دم المبتدئة في الشهر الثاني بأن ارتفع حيضها أو بلغت سن اليأس ولم يتكرر معها الدم، فإنه لا يجب عليها قضاء ما وجب من صيام وطواف واعتكاف، لأنها فعلته في دم لم يحكم بأنه حيض، وإنما هو دم استحاضة.

أما إن انقطع دم المبتدئة في الشهر الثاني لأقل الحيض، فيتبين بذلك أن الدم الذي رأته في الشهر الأول دم فساد، فلا تقضي ما صامته فيه ولا ما طافته فيه، لأنها فعلته في دم لم يحكم بأنه حيض وإنما هو دم استحاضة.

قوله –رحمه الله-: ((وإن عبر)، أي: جاوز الدم (أكثره)، أي: أكثر الحيض (فـ) هي (مستحاضة)) المبدع في شرح المقنع (1/242)، وشرح منتهى الإرادات (1/115). هذه الحالة الثالثة من أحوال المبتدئة، وهو أن يتمادى الدم بالمرأة حتى يجاوز خروجه أكثر مدة الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، فإنها حينئذ تكون مستحاضة يجري عليها حكم المستحاضات لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بنْتُ أبِي حُبَيْشٍ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فلا أطْهُرُ أفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَا، إنَّما ذَلِكِ عِرْقٌ، وليسَ بحَيْضٍ، فَإِذَا أقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي»أخرجه البخاري (228)، ومسلم (333). فظاهره أن النبي –صلى الله عليه وسلم-أناط الحكم بإقبال الحيضة وإدبارها، من غير نظر إلى التكرار، ويؤيد هذا ظاهر حديث حمنه حيث سألت النبي –صلى الله عليه وسلم-عن استحاضتها فقال: «إنما هي ركضة من ركضات الشيطان»أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجه (627).، ولم يشترط لإثبات حيضها تكرارًا، وفي وجه عند الأصحاب: أنه لا يثبت للمبتدئة حكم الاستحاضة حتى يتكرر مرة أو مرتين على اختلاف الروايتين عن أحمدالمغني لابن قدامة (1/230).  لأنه يرجى انكشاف حالها قريباً بحدوث عادة لها، وفي وجه عند الأصحاب أنه لا يحكم للمبتدئة بأن ما عبر أكثر الحيض من الدم دم استحاضة إلا إذا تكرر مرة أو مرتين على اختلاف الروايتين عن أحمد ووجه ذلك أنه يرجى انكشاف حالها قريبًا بحدوث عادة لها، إذ ليس للمبتدئة عادة فينتظر تكراره مرة أو مرتين حتى يثبت كونه على اختلاف ما تقدم فيما يتصل بالعادة عند الإمام أحمد.

  

قوله –رحمه الله-: (والاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته، من العرق العاذل من أدنى الرحم دون قعره) المبدع في شرح المقنع (1/242)، ومطالب أولي النهى (1/240).

الاستحاضة استفعال من الحيض، وقد عرفها المؤلف ببيان الفرق بينها وبين الحيض، فالاستحاضة سيلان الدم في غير وقته بخلاف الحيض، فهو سيلان الدم في أوقات معلومة، وأشار المؤلف إلى أن من الفروق بين الاستحاضة والحيض أيضا موضع خروج الدم، الاستحاضة يخرج الدم من العرق العاذل من أدنى الرحم بخلاف الحيض فإنه يخرج من قعر الرحم، فتلخص أن دم الحيض يخالف دم الاستحاضة اسمًا وحقيقة وموضعًا، وبالتالي يفارقه حكمًا، فإما الاسم فإنه يقال للدم النازل في أوقات معلومة حيض، ويقال للدم النازل في غير وقته استحاضة.

وأما الحقيقة فإن دم الحيض دم صحة، وأما دم الاستحاضة فدم علة ومرض، وأما المحل فإن دم الحيض يخرج من قعر الرحم، وأما دم الاستحاضة فإنه يسيل من عرق ينقطع في أدنى الرحم يقال له العاذل، وأما الحكم فإن الأحكام المتعلقة بالحيض لا تثبت بدم الاستحاضة، بل حكمه حكم الحدث كما سيأتي بيانه.

وظاهر كلام المؤلف أن الاستحاضة تصدق على الدم الفاسد ؛ لكونه دما يجري في غير أوانه  فعلى هذا الاستحاضة لا تختص بما كان على أثر حيض، كما قال الشافعي المجموع للنووي (2/346).، بل الاستحاضة نوعان: نوع يتصل بدم الحيض، ونوع لا يتصل به كالصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين إذا رأت الدم فإنه دم فساد، وكذلك الكبيرة إذا رأته وانقطع لدون يوم وليلة.

  

قوله –رحمه الله-: ((فإن كان) لها تمييز؛ بأن كان (بعض دمها أحمر، وبعضه أسود، ولم يعبر) أي: يجاوز الأسود (أكثره)، أي: أكثر الحيض، (ولم ينقص عن أقله؛ فهو)، أي: الأسود (حيضها))الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد (61). ، هذا بيان لأحوال المستحاضة المبتدئة، فالمستحاضة المبتدئة لا تخلو من دربين:

الأول: أن تكون مميزة.

والثاني: وأن تكون غير مميزة.

فإن كانت مميزة وهي التي تفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة بالصفة بأن يكون بعض دمها أحمر، وبعض دمها أسود، فإذا كان الدم الأسود لم يجاوز أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله فهو تمييز صالح، فيكون حيضها هو الدم الأسود الكافي في فقه الإمام أحمد (1/148)، والمغني لابن قدامة (1/227).، ولما كان أمر الاستحاضة مشكلا لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة كان لا بد من النظر في فاصل يفصل بين دم الاستحاضة ودم الحيض، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعلامات التي دلت عليها السنة وهي في الجملة ثلاث علامات إما التمييز، وإما العادة، وإما اعتبار الغالب عادة النساء.

وقد بدأ المؤلف –رحمه الله-بذكر علامة التمييز قبل غيرها من العلامات التي تفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة لكون المستحاضة المبتدئة ليس لها عادة، ودليل اعتبار التمييز علامة للفصل بين دم الاستحاضة ودم الحيض قول النبي –صلى الله عليه وسلم-لفاطمة بنت أبي حبيش «فَإِذَا أقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» أخرجه البخاري (320)، ومسلم (333). فإن النبي –صلى الله عليه وسلم-علق أحكام الحيض وانقضائها بإقبال الحيضة وإدبارها، فلا بد أن يكون ذلك معلومًا للمرأة بعلامة تعرفها.

وقد حملوا أكثر أهل العلم على أن دم فاطمة بنت أبي حبيش كان متميزًا بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردها النبي –صلى الله عليه وسلم-إلى العمل بالتمييز، فإذا أقبل الدم الأسود تركت الصلاة وإذا أدبر وجاء دم غيره اغتسلت وصلت، وأصبحوا من هذا في الدلالة على اعتبار التمييز رواية أبو داود والنسائي، وفيها أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال لها: «إذا كان دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق» أخرجه أبو داود (286)، والنسائي (362)، والحاكم (618). فقد أرجعها –صلى الله عليه وسلم-إلى صفة الدم مطلقًا.

ومما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عن دم الحيض بلونه وصفرته ما رواه البخاري من حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ «أنها اعتكفت مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-امرأة مستحاضة من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعن الطست تحتها وهي تصلي» أخرجه البخاري (2037)..

قوله –رحمه الله-: (وكذا إذا كان بعضه ثخينًا، أو منتنًا، وصلح حيضًا)كشف المخدرات (1/96). ، أي إن العلامات التي فرقوا بها بين دم الحيض ودم الاستحاضة من غير اللون أن يكون بعضه ثخينًا، فالثخين حيض والرقيق استحاضة، وهذه هي العلامة الثانية من علامات تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة، أي إن من العلامات التي يحصل بها تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة من غير اللون أن يكون الدم بعضه ثخينًا، فالرقيق حيض، والثخين استحاضة، وهذه هي العلامة الثانية من علامات تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة.

وأما العلامة الثالثة فهي: نتن رائحتهالشرح الكبير (2/404)، وشرح منتهى الإرادات (1/117).، وذلك أن لدم الحيض رائحة كريهة، فإذا وجد حال الاستحاضة أحد هذه العلامات في دم يصلح أن يكون حيضًا بأن لا ينقص عن أقل الحيض   ولو جاوز أكثره، فإنه يحكم بأنه حيض.

فتلخص مكان المؤلف أن التمييز يحصل بأحد أمور ثلاثة اللون والرائحة والثخونة وزاد بعضهم الألم.

قوله –رحمه الله-: ((تجلسه في الشهر الثاني) ولو لم يتكرر أو يتوال)كشاف القناع عن متن الإقناع (1/209). ، أي أن الاستحاضة المبتدئة المميزة تجلس عن الصلاة والصوم في الشهر الثاني من غير اعتبار أن يتكرر الدم الأسود عليها ثلاث مرات، فيكفيها في احتسابها حيض مرة واحدة، وكذا لا يشترط أن يتوال الدم الأسود فيعتبر حيضا ولو كان الدم المتميز متفرقًا، ومن صور عدم التوال وعدم التكرار أن ترى في الشهر الأول يوم أسود ثم ستة أحمر ثم يومين أسود ثم الباقي أحمر، وفي الشهر الثاني خمسة أحمر ثم ثلاثة أسود ثم الباقي أحمر، وفي الشهر الثالث يومين أسود ثم يومين أحمر فإنها تجلس الأسود حيث صلح حيضاً.

ومما يدل لعدم اعتبار التكرار والتوالي في الاستحاضة ما في البخاري من حديث عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم" أخرجه البخاري (228)، ومسلم (333). فالنبي –صلى الله عليه وسلم-أمرها بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة من غير اعتبار أمر آخر ثم مده إلى حين إدباره، ولأن التمييز أمارة بمجرده، فلم يحتج إلى ضم غيره إليه كالعادة، ولأن التمييز أن يتميز أحد الدمين عن الآخر في الصفة، وهذا لا يحتاج إلى تكرار إذ يوجد التمييز بأول مرة، وفي وجه أنه لا بد أن يتكرر ثلاث ليكون عادة.

قوله –رحمه الله-: ((والأحمر)، أو الرقيق، أو غير المنتن؛ (استحاضة)، تصوم فيه وتصلي)الشرح الكبير على المقنع (2/403). أي إن دم المستحاضة الذي ليس فيه علامة من علامات الحيض كأن يكون الدم لونه أحمر أو رقيقًا أو غير منتن، فهو دم استحاضة لا يثبت له شيء من الأحكام دم الحيض، فلا يمنع من الصلاة ولا الصوم.

قوله –رحمه الله-: ((وإن لم يكن دمها متميزًا؛ جلست) عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثا، فتجلس (غالب الحيض)، ستًا أو سبعًا بتحر (من كل شهر) من أول وقت ابتدائها إن علمته، وإلا فمن أول كل هلالي) الشرح الكبير (2/408).

هذا هو الدرب الثاني من المبتدئة المستحاضة: وهي التي ليس لها تمييز تفرق به بين دم الحيض ودم الاستحاضة في الصفة، بأن كان كل دمها أسود أو أحمر ونحوه، أو ليس لها تمييز صالح بأن كان دمها متميزًا ؛ لكن لا يصلح أن يكون الدم الأسود حيضًا بأن ينقص عن اليوم والليلة أو يزيد على خمسة عشرة يومًا، فإنها في هذه الحال تجلس فتترك الصلاة والصوم من أول مجيء الدم يوم وليلة أقل الحيض من كل شهر ؛ لأنه متيقن وما زاد فمشكوك فيه كغير المستحاضة، حتى يتكرر الدم ثلاثة أشهر، وبهذا تفارق المستحاضة المبتدئة المميزة ؛ لأنها أول ما ترجو انكشاف أمرها عن قرب، ثم تصير بعد التكرار ثلاث إلى العمل بغالب حيض النساء، فتجلس ستة أيام أو سبعة أيام من مثل أول وقت ابتدأ بها الحيض إن علمته من كل شهر ستًا أو سبعًا، فإن جاء إلى وقت ابتدائه جلست من أول شهر هلالي ستًا أو سبعًا بتحري واجتهاد في دم الحيض، وعادة أقربائها، ونحوه وهذا ثاني ما ذكره المؤلف من العلامات التي تفصل بين دم الاستحاضة ودم الحيض، وهو العمل بغالب حيض النساء، واستدل لذلك بحديث حمنة بنت جحش قالت: «قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني أُستحاضُ حيضةً كبيرةً شديدةً، فما ترى فيها؟ قد منعَتْني الصَّومَ والصَّلاةَ فقال تحَيَّضي في علمِ اللهِ ستًّا أو سبعًا كما تحيضُ النساءُ ويطهُرنَ» أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجه (627). رواه أحمد وغيره.

وحاصل ما ذكره المؤلف في المبتدئة أن لها ثلاث أحوال:

الحال الأولى: ألا يجاوز دمها أكثر الحيض، فتجلس الأقل حتى يتكرر ثم تنتقل إلى المتكرر.

الحالة الثانية: أن يجاوز دمها أكثر الحيض، ولها تمييز، وهي المستحاضة المميزة فتجلس المتميزة الصالح من غير تكرار.

الحالة الثالثة: أن يجاوز دمها أكثر الحيض وليس لها تمييز، وهي المستحاضة المبتدئة غير المميزة فتجلس الأقل حتى يتكرر ثم تجلس مدة غالب حيض النساء، هذا ما ذكره المؤلف –رحمه الله-في أول أنواع المستحاضات وما يتعلق بها من أحكام وهي المستحاضة المبتدئة، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق