| الرئيسية > الفقه وأصوله > الصيام من عمدة الفقه > مدخل كتاب اصيام> الدرس (1) من شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه |
|---|
|
خيل صيام وخيل غير صائمة |
|
تحت العجاج وأخرى تعلق اللجما |
هذا فيه بيان أن الخيل منها ما هو صامت، ومنها ما هو متكلم يصهل ويصوت، فهذا التقسيم للخيل بناء على ما يصدر منها من الصوت، والمقصود أن الصوم يدور على معنى الإمساك هذا معناه في اللغة، وأما معناه في الاصطلاح، فإن الصوم هو التعبد لله تعالى، الصوم في الاصطلاح هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هذا تعريف الصيام في الاصطلاح الشرعي في كلام الله وكلام رسوله الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذكرنا التعبد مع أن كثيرا ممن يعرفون الصيام، ويعرفون الصلاة يغفلون جانب التعبد لظهوره، وإلا فمعلوم أنه لا بد من التعبد لكن قالوا: إن ذكر التعبد معلوم؛ فالصلاة عبادة والصوم عبادة، والحج عبادة، والزكاة عبادة، فلا نحتاج إلى ذكر التعبد في التعريف لوضوحه وظهوره وأنه معروف، لكن الأفضل ذكر ذلك حتى لا يغيب عن المتعبد، وعن العامل هذا المعنى وأنه ليس ممسكا مجرد إمساك عن مفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس دون نية ودون قصد ودون غرض التعبد، بل هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والتعريف تضمن حقيقة الصوم، وتضمن أيضاً أنه إمساك عن أشياء مخصوصة، وتضمن أيضاً أنه إمساك في وقت مخصوص، كل هذه الأمور مما تضمنها التعريف.
الصوم من العبادات البدنية وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فإن الصوم عبادة بدنية وهو عبادة من حيث كون العبد يتقرب إلى الله تعالى بالكف والامتناع عما منعه الله تعالى منه وقت صيامه، فهو من العبادات التي ليس فيها فعل وإيجاد شيء في الخارج كالصلاة والزكاة والحج ففيها أفعال توجد في الخارج إنما هو تعبد لله تعالى بالكف والإمساك، وبه يتبين لنا أن الله تعالى نوع في العبادات، فمنها ما هو إيجاد، ومنها ما هو كف، ومنها ما هو بدني، ومنها ما هو مال كل ذلك تنويع في البلاء والاختبار ليتبين الصادق من غيره، فالصوم هو عبادة بدنية يكف فيها العبد نفسه عن ما حرمه الله تعالى ومنعه منه في وقت صيامه.
الصوم فرض من الفروض في شريعة الإسلام وهو ركن من أركان الإسلام بالاتفاق لا خلاف بين أهل العلم في وجوب الصوم، دل على ذلك كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه العلماء بل أهل الإسلام إجماعاً قطعيًّا، فلا خلاف بينهم في وجوب الصوم رمضان وفرضيته، ولذلك لم يطل المؤلف رحمه الله في بيان المشروعية، بل جاز ذلك إلى ذكر من يجب عليهم الصيام.
(فقال رحمه الله: ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم ويؤمر به الصبي إذا أطاقه)
هذه الجملة من كلام المؤلف رحمه الله هي بيان لأوصاف الأهلية، أي: الأوصاف التي تشترط فيمن يتوجه إليه الوجوب وجوب الصيام، فهذه شروط الوجوب ما ذكره رحمه الله في هذا المقطع هو شروط الوجوب.
فقوله: (يجب صيام رمضان).
بيان لحكم الصيام والوجوب ذكرنا أنه من الدين بالضرورة، دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل الإسلام، وهو من العلم الذي توارثته الأمة جيلا عن جيل، وجوب صيام رمضان مما تلقته الأمة بالإجماع النقلي، وتواترت على نقله الأجيال جيلا بعد جيل.
يقول: (يجب صيام رمضان).
فبيّن المؤلف أن الصوم الواجب هو صيام رمضان هل يدل هذا على أنه لا يجب غيره، قد يجب غيره لأسباب، لكن البحث فيما يجب على المكلفين من حيث الأصل، وقد ذكر الله جل وعلا وجوب ذلك في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]، ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وهذا بيان لوجوب صيام شهر رمضان، وأما السنة فأحاديث لا يمكن حصرها والإحاطة بها في مثل هذا المجلس، من ذلك ما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ» صحيح البخاري(8)، ومسلم(16) وغير هذا من الأحاديث الكثيرة التي فيها بيان فرضية صوم رمضان. (قال رحمه الله: يجب صيام رمضان على كل مسلم).
هذا بيان لأوصاف الأهلية أو شروط الوجوب، فذكر في ذلك أول شيء، أول ما يكون من الشروط الإسلام إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، فشرط قبول العمل الإسلام، فمن لم يسلم لا ينفعه عمله ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
(ثم قال في الشرط الثاني: بالغ).
الشرط الأول: الإسلام، الشرط الثاني: البلوغ، والبلوغ معروف في كلام أهل العلم وهو أن يتم له خمسة عشر عاماً أو ينبت أو يحتلم هذه العلامات الثلاثة في الذكر، وفي المرأة يزيد وصف رابع وهو الحيض.
(عاقل).
ضد العاقل المجنون وهو من لا يتوجه إليه الخطاب بالاتفاق، فالعاقل ليس أهلًا للتكليف، ودليل هذين الشرطين البلوغ والعقل حديث ابن عباس وعائشة وعلي رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عنِ النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يحتَلِمَ، وعن المجنونِ حتى يُفيقَ» أخرجه أبو داود (4402)، والترمذي (1423)، وأخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم قبل حديث (5269) بنحوه هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال من حيث أفراد الأسانيد لكن مجموع الأسانيد هذا ومخارج الحديث وتعدد الطرق تؤهل الحديث إلى الاحتجاج وهو محل اتفاق.
ثم ذكر الشرط الرابع من شروط الوجوب وهو القدرة حيث (قال: قادر على الصوم).
هذا الشرط الرابع ودليل اشتراط القدرة قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإذا نهَيْتُكم عن شيءٍ فاجتَنِبوه وإذا أمَرْتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطَعْتُم» أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، هذه الأدلة عامة ليست خاصة بالصوم إنما هي في كل أمر شرعي، فإن الله تعالى جعل شرطاً في العبادات كلها كما دلت على ذلك النصوص.
أما الدليل الخاص المتعلق بالصوم دليل اشتراك الاستطاعة الخاص المتعلق بالصوم فقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] وهذه الآية دلت على اعتبار الطاقة والقدرة في الصوم، وأن ذلك يؤثر في الحث على لزوم الصيام، وذلك أن أول ما فرض الصيام كان فرضه في السنة الثانية للهجرة، وكان فرضه بأن من شاء صام، ومن شاء لم يصم، ولكن يفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم يفطره هكذا كان فرض الصيام في أول مشروعيته، ثم جاء النسخ بلزوم الصيام على كل أحد وذلك في قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] فذكر الله جل وعلا وجوب الصوم ولزومه على كل من شهد الشهر، والشاهد هو قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] وفي بعض القراءات يطوقونه أي: يتكلفون صيامه وهذه القراءة ليست كالقراءة السابقة في الشهرة والقبول.
وعلى كل حال الآية دالة سواء القراءة المشهورة أو عن القراءة الأخرى دالة على اعتبار الاستطاعة.
(وقوله: قادر على الصوم).
القدرة على الصوم هي أن يتمكن منه، أن يتمكن من الصيام من غير مشقة زائدة أو خارجة عن المعتاد هذا ضابط القدرة أن يتمكن من الصوم من غير مشقة خارجة عن المعتاد، وليس معنى هذا ألا يتكلف في الصوم، فالصوم لا بد فيه شيء من الكلفة، ولذلك رتب الله تعالى عليه الأجور العظيمة والثواب الكبير، وذلك ترغيبا فيه ولما يلقاه المؤمن من المشقة، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» صحيح البخاري(2840)، ومسلم (1153) وهذا الأجر العظيم الكبير لا يكون إلا لما فيه نوع مشقة وعناء، فالمقصود أن القدرة هنا لا يعني عدم التحمل وعدم المشقة، إنما المقصود أن لا يكون الصوم يترتب عليه مشقة خارجة عن المعتاد.
(قال: ويؤمر به الصبي إذا أطاقه).
وهذا تفريع على شرط القدرة وعلى اشتراطه البلوغ.
(قال: يؤمر به)
وهذا فيه بيان أن الصبي يتوجه إليه الأمر بالصوم، واختلف العلماء رحمهم الله فيمن الذي يتوجه إليه الأمر بالصوم بعد اتفاقهم على أن الصبي المميز إذا صام، فإنه يؤجر على صيامه، فاتفقوا على أن المميز إذا صام فإنه يؤجر على صيامه، لكن من الذي يؤمر بالصوم؟
قالوا: يؤمر به الصبي إذا أطاقه تبيين الحقائق للزيلعي (1/339)، والمجموع(6/253)، والذخيرة للقرافي (2/533)، والإنصاف للمرداوي (3/199). واختلفوا في حد الإطاقة فمنهم من قال: يؤمر به كما يؤمر في الصلاة فيؤمر به لسبع ويضرب عليه لعشر، ولكن ليس هناك ما يعتمد عليه ويعتضد به في هذا التوجيه، وهذا القول إنما ال
مرجع في ذلك إلى الإطاقة، فإذا أطاقه وتمكن من غير مشقة خارجة عن المعتاد، فإنه يؤمر به ولا يعني هذا أن لا يكون هناك نوع مشقة، فإنه لا بد من المشقة لكن يصبر وليس هناك ضرر عليه في الصوم، فإنه يؤمر به ودليل ذلك أن الصحابة - رضي الله عنهم -كانوا يعودون أبناءهم الصيام كما في الصحيحين من حديث خالد بن زكوان عن الربيع بنت معوذ -رضي الله عنها - قالت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصوم فكنا نصوم عاشوراء ونصوم صبياننا أخرجه البخاري (1960)، ومسلم (1136) ، وفي بعض الروايات الصغار حتى نجعل لأحدهم اللعبة من العهن يعني من القطن، فإذا بكى جاع أعطيناه إياها حتى يكون الإفطار وحتى يأتي الإفطار أخرجه البخاري (1960)، ومسلم (1136). وفي رواية مسلم فنلهيه بها حتى يكون الإفطار، وهذا يدل على أنهم كانوا يربون أبناءهم على الصيام، وكان الصيام يجد به الصبيان شيئا من المشقة، وكانوا يلهون أبناءهم حتى يكون الطعام عند الإفطار فيفطرون مع أهلهم، وهذا يدل على مشروعية أمر الصبي غير البالغ بالصوم، فإن النبي صلى الله عليه أقرهم ولو لم يكن ذلك مشروعا لما أقرهم ولا وجههم إلى عدم ذلك.
(فقوله: رحمه الله يؤمر به الصبي إذا أطاقه)
هذا دليله ما ذكرناه من حديث الربيع بنت معوذ، وأيضا القياس على الصلاة، فإنه لا بد للطفل والصغير والصبي من تعويد وتمرين على العبادة حتى يطيقه، وعلى خلاف في متى يبتدئ الأمر لكن المعنى العام هو أنه إذا أطاق أُمر، ومعلوم أن من الصغار من يقوى على الصيام وهو ابن 8 سنوات، أو ابن 9 سنوات، أو ابن 10 سنوات، ومنهم من لا يطيقه وهو ابن 13 سنة، ففي هذه الحال ينبغي مراعاة الفروق وقوة البدن ومراعاة تهيئة الطفل لهذه العبادة لكن هل يأثم إذا لم يصم؟
الجواب: لا، لا يأثم إنما تصويمه على وجه التربية له والتعليم؛ ليتمكن من أداء العبادة إذا فرضت عليه، وأما وقت الوجوب الذي يتوجه فيه الخطاب للإنسان نفسه، فهو البلوغ وهذا هو الفرقـ، انظر إلى كلام المؤلف يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ، فالوجوب متوجه إلى الشخص نفسه لكن فيما يتعلق بالصبي من كان دون البلوغ قال: ويؤمر به الصبي فالخطاب هنا ليس للصبي نفسه، إنما الخطاب لوليه أنه ينبغي أن يتعاهد ولده وأن يربيه على ما يكون عونا له إذا جاء وقت الوجوب وتحتم الصوم في التهيؤ والتمرين على هذه العبادة قبل ذلك، قال رحمه الله بعد بيان الشروط الوجوب وما يتعلق بصوم الصبي.
(قال: ويجب بأحد ثلاثة أشياء قوله رحمه الله: ويجب بأحد ثلاثة أشياء).
يعني يجب الصيام رمضان، يجب صوم رمضان بأحد ثلاثة أشياء، وهذا فيه بيان ما الذي يثبت به الشهر المؤلف أفادنا في قوله: يجب أن يثبت وجوب صوم رمضان بأحد ثلاثة أشياء، ومعنى هذا أنه يثبت شهر رمضان بواحد من أمور ثلاثة، أول ذلك كمال شعبان والمقصد بكمال شعبان تمامه ثلاثين يوماً، فإذا تم شهر شعبان ثلاثين يوماً، فإنه يكون قد فرغ الشهر ودخل شهر رمضان، لأن الشهر لا يجوز ثلاثين يوما كما جاء ذلك في الصحيح على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشهر هكذا وهكذا وشهر ثلاثين وفي المرة الثانية قال الشهر هكذا وهكذا وخنس أصبعه، فأشار بذلك إلى أن الشهر تسعة وعشرون يوما، فالشهر إما أن يكون تسعة وعشرين يوما، وإما أن يكون ثلاثين يوما.
فقوله: كمال شعبان أي: إكمال العدة ودليل أن كمال شعبان يثبت به شهر رمضان ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمِّيَ علَيْكُم الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلاثِينَ» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081). وهذا يدل على أنه إذا كمل لشعبان ثلاثون يوما، فإنه يدخل بذلك شهر رمضان، وهذا محل اتفاق أنه بكمال شعبان يدخل رمضان، هذا أول ما يثبت به شهر رمضان.
الثاني مما يثبت به شهر رمضان، رؤية هلال رمضان، والرؤية هنا المقصود بها الإبصار والمشاهدة كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] والأهلة هي علامة دخول الشهر وهلوله، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] فهذا بيان أن الأهلة مواقيت للناس يوقتون بها آجالهم، ويوقتون بها شهورهم وأعوامهم يجري وفقها حساب ما فيه مصالح دينهم ودنياهم، فرؤية الهلال المقصود به مشاهدته وإبصاره.
وهلال رمضان أي: الهلال الذي يكون بين يدي رمضان، وهذا من باب إضافة الشيء إلى زمانه أي الهلال الذي يكون في رمضان، فرؤية الهلال مجردة لا تثبت الصوم، إنما تثبته إذا كان في رمضان في زمن رمضان ومتى يكون الهلال محل الاعتبار ومثبتا للشهر؟
يكون الهلال كذلك إذا كان في يوم التاسع والعشرين من شعبان، لأنه إذا كان شعبان ثلاثين يوما فإنه لا حاجة إلى طلب الهلال، لأن الشهر يثبت بكمال العدة، ولكن تطلب الرؤية في يوم التاسع والعشرين من شعبان ليرى هل دخل رمضان، هل هلَّ هلاله أو لا.
فقوله رؤية الهلال رمضان هذا ثاني ما يثبت به الشهر، دليل ذلك ذكرنا الآية، وأما السنة ففي أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر أن النبي صلى الله عليه قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» والمقصود به صوم رمضان والفطر منه يكون ذلك برؤية الهلال «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمِّيَ علَيْكُم الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلاثِينَ» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081). في بعض الروايات كما في الصحيحين من حديث ابن عمر «فاقْدِرُوا له»صحيح البخاري(1900)، ومسلم(1080) والمقصود أن رؤية الهلال محل اتفاق بين أهل العلم أنه يثبت بها الشهر، لكن هناك خلاف في تفاصيل هذه الرؤية هل يثبت الشهر برؤية واحد، هل يثبت الشهر برؤية اثنين، أم لا بد في ثبوت رؤية الهلال أن يكون من جمع كثير؟ كل هذه مسائل مما وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وهل يثبت في المكان الذي رؤي وفي غيره من أصقاع الدنيا أم لا يكون إلا في المكان الذي رؤي فقط؟ وهذه مسألة أيضا من مسائل الخلاف فيما يتعلق بالرؤية، وهل الرؤية المعتبرة هي رؤية العين المجردة أم رؤية العين المجردة مع ما يكبر ويقرب. وهل رؤية المراصد معتبرة كل هذه مسائل تندرج تحت هذه العبارة التي ذكرها المؤلف رحمه الله: (ورؤية هلال رمضان )كلها مسائل ومباحث تندرج تحت هذه القضية، لكن المؤلف ـــ رحمه الله ـــــ أجمل لأن المقام مقام بيان ما يثبت به الشهر دون ولوج ودخول في تفاصيل هذه المسائل، فرؤية هلال رمضان محل اتفاق بين أهل العلم أنه يثبت بها الشهر على خلاف بينهم في ضابط وحد الرؤية التي يثبت بها الشهر.
إذًا الاختلاف ليس في ثبوت الشهر ووجوب الصوم برؤية الهلال، إنما الخلاف في أوصاف الرؤية التي يثبت بها الشهر، هذا ثاني ما ذكره المؤلف رحمه الله من المسائل التي يثبت بها الشهر، ويثبت بها وجوب صوم رمضان. لعلنا نقف على هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
جميع الحقوق محفوظة لمنصة اسوار المعرفة@2021 - تصميم وبرمجة إنجاز إن