الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
الثالث من الأشياء التي يثبت بها شهر رمضان هو (وجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه).
هذا ثالث ما يثبت به صوم رمضان، وهو أن يكون ليلة الثلاثين من شعبان غيم في السماء أو قتر أي عدم وضوح وصفاء يمنع من الرؤية، في هذه الحال يصبحون يوم الثلاثين من شعبان صائمين، يصبحون صائمين؛ لأن الشهر في هذه الحال يثبت احتياطاً.
إذًا عندنا الآن ثبوت الشهر في الحالين السابقين كمال شعبان ورؤية هلال رمضان هذه أدلتها بينة وواضحة والثبوت هنا متيقن دخول الشهر في هذين الطريقين، متيقن.
أما دخول الشهر في الحالة الثالثة وهو وجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه، فدخول الشهر في هذه الحال احتياطي وليس حكما يقينيا أو قطعيا، وذلك أنهم إذا طلبوا الهلال ليلة الثلاثين يوم التاسع والعشرين تراءوا الهلال، فكان هناك ما يمنع من الرؤية، إما غيم، إما قتر، وإما غبار، وإما أدخنة مصانع وحرائق أو ما إلى ذلك من الأشياء التي تحول دون الرؤية.
الآن طلبوا الهلال ولم يروه لا لعدم وجوده، لكن لوجود ما يمنع من رؤيته، في هذه الحال ما الذي يجب عليهم؟ يجب عليهم أن يصبحوا صائمين، فيثبت الشهر في هذه الحال فيصلون التراويح وكل ما يتعلق من الأحكام الاحتياطية، فإنها تثبت في تلك الليلة، وذكرنا الأحكام الاحتياطية لنخرج الأحكام التي يتعلق مثلا بالآجال كتعليق الطلاق بدخول رمضان، فإنه لا يثبت بهذه الليلة؛ لأن دخول رم
ضان في هذه الليلة احتياطي، وليس قطعي هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله.
المسألة الأولى والثانية ذكرنا أنه مع الاتفاق، أما المسألة الثالثة فما ذكره المؤلف ـــ رحمه الله ـــ هو مذهب الإمام أحمد القواعد النورانية الفقهية (ص: 92) وجماعة من أهل العلم، والأئمة الثلاثة على خلافهأحكام القرآن للجصاص(1/255)، ومواهب الجليل للحطاب(2/394)، والمجموع (6/401) ، فهذا من مفردات مذهب الحنابلة وجمهور الفقهاء على أنه إذا كان ليلة الثلاثين غيم أو قتر يمنع من رؤية الهلال، فإنهم يصبحون مفطرين ويكملون العدة، لأنه لم يثبت الشهر لا برؤية ولا بكمال عدة، والنبي صلى الله عليه قال: «صوموا لرؤيتِه وأفطروا لرؤيتِه، فإن غُمَّ عليكم» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) ما العمل؟
الآن صوموا لرؤيته لم ير، وأفطروا لرؤيته ليس محل البحث، فإن غم عليكم هذه الحالة التي هم فيها الآن لم يروا الهلال، وكان عدم الرؤية لوجود ما يمنع وهو الغمة أو في بعض الروايات فإن غب عليكم لأي سبب من الأسباب «فأكْمِلُوا العِدَّةَ» هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليه يجب إكمال عدة شعبان ثلاثين، والحنابلة قالوا: يجب الصوم احتياطا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «فَاقْدُرُوا له» فإن غب في بعض الروايات «فإنْ غُمَّ علَيْكُم فَاقْدُرُوا له»صحيح البخاري(1900)، ومسلم(1080) قالوا: معنى اقدروا له أي: ضيقوا عليه، والتضييق هنا لشهر شعبان، وذلك بأن يجعل تسعة وعشرين يوماً بهذا يحصر الطريق على شعبان، واستدلوا لهذا بأن ابن عمر كان يبعث من يرى الهلال، فإذا لم ير الهلال لغيم أو قتر أصبح صائماً، قالوا وابن عمر راوي الحديث وهو أعلم بمقصود النبي صلى الله عليه وسلم، أو هو أولى من يؤخذ بقوله في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بقول سديد ولا مضطرد حتى عند من احتج به؛ لأن العبرة بالرواية لا بالدراية العبرة بما ينقله الراوي لا بما يراه الراوي، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، هذا إذا قلنا بأنه ليس هناك ما يرجح ما ذهب إليه الجمهور، فكيف وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأكْمِلُوا العِدَّةَ» وفي بعض الروايات «فأكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» فهذا لا مجال فيه للأخذ بقول راو مع وجود البيان النبوي والتفسير النبوي لقوله صلى الله عليه وسلم «فَاقْدُرُوا له» والشاهد أن هذه المسألة انتصر لها الحنابلة وألفوا فيها المؤلفات، وذلك لقوة خلاف من خالفهم واشتداد المخالفة في هذه المسألة، لكن الصواب فيها ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يجب الصومأحكام القرآن للجصاص(1/255)، ومواهب الجليل للحطاب(2/394)، والمجموع (6/401)، وهذا اليوم اختلف فيه العلماء، هذا اليوم الذي هو يوم الثلاثين إذا كان قد حال دون رؤية الهلال في ليلته غيم أو قتر للعلماء في صوم هذا اليوم أقوال، فالحنابلة يجب احتياطه، وهناك قول بأنه يكره، وهناك قول بأنه يستحب، وهناك قول بأنه يحرم، وهناك قول بأنه يباح، فالمسألة فيها خمسة أقوال. والراجح من هذه الأقوال أنه لا يجب الصوم في هذه الحال وسيأتي هل هو يوم الشك؟ فمن قال: بأنه يوم الشك رأى أنه لا يجوز الصوم، ومن قال: بأنه ليس بيوم الشك منهم من قال: بالإباحة، ومنهم من قال: بالاستحباب.
أما من قال: بأنه يوم الشك منهم من قال: بالتحريم، ومنهم من قال بالكراهة.
إذًا الذين قالوا: بالكراهة هم الذين قالوا أن هذا هو يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه، ومن قال: بالاستحباب أو الإباحة، قال: إنه ليس يوم الشك، إنما هذا قد جاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم صومه، ولا يمكن أن يكون هو يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه، وقد ذهب شيخ الإسلام ــ رحمه الله ـــ إلى استحباب صومه لا إلى وجوبه، واستنادا إلى ما جاء عن جماعة من الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ منهم ابن عمر وعائشة وطائفة من الصحابة كانوا يصومون هذا اليوم فيما إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر.
بعد ذلك يقول تلخص لنا من كلام المؤلف ــ رحمه الله ــ أن الشهر يثبت في ثلاثة أشياء، كمال عدة شعبان، رؤية هلال رمضان، أن يغم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فلا يرى لغيم أو قتر، والراجح أن هذا الأخير لا يثبت به الشهر، بل الواجب إكمال العدة في هذه الحال.
(بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله: وإذا رأى الهلال وحده صام)
إنسان في برية رأى الهلال وحده، فإنه يصوم، وإذا رأى الهلال وحده في بلد بين الناس فإنه أيضا يصوم لأن المؤلف لم يفرق بين من رآه وحده منفردا، وبين من رآه وحده بين الناس.
(فقال: وإذا رأى الهلال)
إذا رأى المكلف الهلال وحده أي منفردا عن غيره صام، أي: وجب عليه الصوم، وهذا يشمل صورتين أن يراه منفردا في برية، وأن يراه بين الناس، فإن رآه منفردا في برية فلا إشكال في وجوب الصيام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيتِه وأفطروا لرؤيتِه» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) لا سيما في الزمن المتقدم الذي لا يتمكن فيه الإنسان من معرفة حال الناس لكونه منقطعا عنهم في البرية، أما اليوم فإن كان يمكنه أن يعرف حال الناس، فإنه يأتي فيه الخلاف الذي سنذكره بعد قليل في الحالة الثانية.
إذًا عندنا قوله: وإذا رأى الهلال وحده صام، المسألة لا تخلو من حالين، الحال الأولى أن يراه منفردا في برية لا يعلم حال الناس فما الواجب عليه؟
الواجب عليه الصوم لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] ولقوله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081).
الحال الثانية أن يراه وهو بين الناس ففي هذه الحال المؤلف قال: صام أي يجب عليه الصوم، وهو مذهب الحنابلة وبه قال جماعة من أهل العلم، فبهذا القول قال الإمام مالك، وقال ليث، والشافعي وأصحاب الرأي في قول على تفصيل لهم، كل هؤلاء يعني الجمهور على ما ذكر المؤلف رحمه الله من أنه وإذا رأى الهلال وحده وكان بين الناس، فإنه يلزمه الصوم عملاً باليقين الذي وقف عليه. الهداية للمرغيناني (1/120)، وحاشية ابن عابدين(2/388)، والتاج والإكليل للمواق (2/387)، والمجموع للنووي (6/280)، والفروع لابن مفلح (4/421)، والإنصاف للمرداوي (3/277).
وقال عطاء وإسحاق: بأنه لا يجب عليه الصومالإشراف لابن المنذر (3/114)، وهو رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجب عليه الصوم لأنه تابع لغيرهالمغني لابن قدامة (3/163)، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي وعند أحمد وغيرهما، قال صلى الله عليه وسلم: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصومونَ، والفِطْرُ يَوْمَ تُفطِرونَ، والأَضْحى يَوْمَ تُضَحُّونَ» أخرجه أبو داود (2324)، والترمذي (697)، وقال: حسن غريب، وابن ماجة (1660) وفي سنن أبي داوود ومسند الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصومُ يومَ يصوم الناس، والفِطرُ يومَ يفطر الناس» أخرجه الترمذي (802)، وقال: حسن غريب صحيح من هذا الوجه، والدارقطني (2/225) وعن ابن عمر بإسناد فيه مقال الصوم مع الجماعة والفطر مع الجماعة، وهذا يدل على أن الإنسان لا ينفرد بصوم ولا بفطر، بل هو مع الناس إن صاموا وجب أن يصوم وإن أفطروا وجب أن يفطر، وهذا القول أقرب إلى الصواب، لكن لو صام احتياطاً، فهذا لا يكره ولا يحرم لأنه ليس شكًّا بالنسبة له، إذا قلنا: إنه شك فهو ليس شكًّا بالنسبة له لأنه رأى الهلال لكن من حيث الوجوب، الوجوب يتبع فيه الإنسان الناس لقوله صلى الله عليه وسلم الصوم يوم تصومون.
(ثم قال: فإن كان عدلاً صام الناس بقوله).
إن كان عدلاً يعني إن كان من مر على الهلال وحده عدلاً، والعدل هو من قام بالواجبات وترك الكبائر ولم يصر على الصغائر واستعمل المروءة هذا ضابط العدل في كلام الفقهاء، العدالة تتضمن أمرين الاستقامة في الدين واستعمال المروءة، والاستقامة في الدين تتضمن أمرين القيام بالواجبات، واجتناب الكبائر مع ترك عدم الإصرار على الصغائر.
إذًا العدالة هي الاستقامة في الدين واستعمال المروءة هذا تعريفها الاستقامة في الدين ما معناها؟
الاستقامة في الدين تتضمن فعل الواجبات وترك الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر، هذا فيما يتعلق بالشق الأول من أوصاف العدالة: الاستقامة في الدين.
الشق الثاني وهو استعمال المروءة أي ترك ما يعيبه، ترك ما يعاب به الإنسان هذا معنى استعمال المروءة، المروءة هي أن يتجنب الإنسان ما يعيبه يعني ما يلحقه به العيب هذا معنى استعمال المروءة.
(قال رحمه الله: فإن كان عدلاً).
أي: مستقيماً في دينه مستعملاً للمروءة.
(صام الناس بقوله).
أي: أخذ الناس بقوله ووجب عليهم، وقوله: صام الناس بقوله سواء ذهب العدل إلى القاضي وبلغ القاضي برؤيته أو لم يذهب، فإذا لم يذهب العدل وأخبر وانتشر خبره بأنه رآه وهم يعرفون عدالته، فإنهم يعملون بقوله هكذا أفاد كلام المؤلف رحمه الله، لأنه لم يذكر ثبوت القول عند الحاكم أو عند القاضي بل قال: فإن كان عدلاً صام الناس بقوله يعني لزمهم أن يصوموا بقوله، ويأخذوا بإخباره.
(وقوله: بقوله)
أي: بسبب قوله فالباء هنا للسببية والناس هنا يشمل كل الناس، في هذه الجملة من كلام المؤلف مسائل المسألة الأولى: اشتراط العدالة في المخبر برؤية الهلال هذه المسألة الأولى، وهذه مسألة متفق عليها بين الفقهاء؛ فلا بد في الخبر الذي يثبت به الشهر أن يكون ظاهر المخبر العدالة، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني في هذه الجملة أفادنا المؤلف أن شهر رمضان يثبت بخبر الواحد، لأنه قال: فإن كان عدلاً أي: من رأى الهلال وحده صام الناس بقوله، وهذه المسألة هي من مسائل الخلاف، وما ذكره المؤلف رحمه الله ومذهب الامام أحمد الفروع لابن مفلح (4/416)، والمغني لابن قدامة (3/164). وبه قال الشافعي المجموع للنووي (6/277)، والحاوي الكبير للماوردي (3/411). ، وبه قال أبو حنيفة فيما إذا كان غيم أو قتر، أما مع الصحو فإنه لا يقبل خبر الواحد بدائع الصنائع للكاساني(2/80)، وذهب الإمام مالك رحمه الله وهو القول الثاني في المسألة أنه لا يقبل في ثبوت رمضان إلا شاهدان، فلو شهد شاهد واحد لم يقبل قوله القوانين الفقهية ص (120) ، وهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله، وبه قال الشافعي أخيراً يعني والقول الثاني للإمام الشافعي، وهو رواية في مذهب أحمد.
وبهذا يتبين أن العلماء اختلفوا في العدد الذي تثبت به رؤية الهلال في رمضان، فمنهم من اكتفى بشهادة الواحد وبرؤية العدل، ومنهم من اشترط التعدد، ومنهم من فصل كالحنفية فقالوا: إن كان غيم أو قتر أو مانع من الرؤية فيكفي واحد، وأما مع الصحو فإنه لا يكفي لا واحد ولا اثنان، بل لا بد من خبر الجماعة الذين يبعد التواطؤ، ويغلب أن يكون ما رأوه صوابا وحقا، هذه المسألة الثانية في كلام المؤلف رحمه الله، ولكل قول أدلة، الذين رأوا قبول خبر الواحد استدلوا بحديث ابن عمر وحديث ابن عباس حديث ابن عمر «تَراءى النَّاسُ الهِلالَ، فأخبَرْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنِّي رأيْتُهُ، فصام، وأمَر النَّاسَ بصيامِهِ» أخرجه أبو داود (2342)، والدارمي (1691)، والبيهقي (8235)، حديث حسن. هداية الرواة لابن حجر العسقلاني(2/318) ، حديث ابن عباس «أن أعرابيا جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أني رأيتُ الهِلالَ، فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللهُ؟ قال: نعم، قال: أتشهدُ أن محمدا رسولُ اللهِ؟ قال: نعم، قال: فأذّنَ في الناسِ يا بلالُ أن يَصُوموا غدا» أخرجه أبو داود (2340)، والترمذي (691)، والنسائي (2113)، قال ابن الملقن: صحيح. البدر المنير(5/645) فقبل خبره، وهذان الحديثان فيهما مقال من حيث الإسناد كل واحد منهما في إسناده وهن وضعف، لكن القائلين بالاحتجاج بهما رأوا أن التعدد يثبت الحكم، كما أن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ــ أثبت الشهر بهذين الحديثين، فدل ذلك على أنه يثبت بخبر الواحد قالوا: التعدد كاف في الاحتجاج، وفيهما إثبات النبي صلى الله عليه وسلم الهلال بخبر الواحد فدل ذلك على أنه يثبت هلال رمضان بشهادة شاهد.
أما بالنسبة للقول الثاني وهو اشتراط شاهدين قالوا: إن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قد قال: «فإنْ شَهِد شاهِدانِ فصُوموا وأفطِروا» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) وهذا يدل على أنه لا بد من التعدد في الشهادة، وهذا مذهب المالكية والقول الثاني للإمام الشافعي رحمه الله، والحديث عند النسائي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقد قام خطيباً وقال: أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسألتهم فكانوا يقولون: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غُمِّيَ علَيْكُم الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلاثِينَ» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081)، «فإنْ شَهِد شاهِدانِ فصُوموا وأفطِروا» وهذا الحديث لا بأس بإسناده.
وذهب طائفة من أهل العلم، فالخلاف الآن الذي نحكيه هو الخلاف في ثبوت شهر رمضان، وأما بقية الأشهر ففيها أيضاً خلاف، لكن الجمهور على أنه لا يثبت بقية الأشهر إلا بشهادة شاهدين يعني شوال وذي القعدة وذي الحجة، فجمهور العلم على أنه لابد من شاهدين في بقية الأشهر حتى إن الترمذي ــ رحمه الله ــ قال: على هذا أكثر أهل العلم في إثبات شهر رمضان بشهادة الواحد، وأما ما عداه من الأشهر فلابد من شاهدين، وهذا قول حكى فيه أنه لا خلاف بينهم في بقية الأشهر أنه لابد من شاهدين، والحقيقة أن فيه خلاف، فأبو ثور يرى إثبات الفطر بواحد كما يرى إثبات الصيام بشهادة الواحد، هذا ما يتعلق بالمسألة الثانية.
المسألة الثالثة: إذا رؤي الهلال في مكان هل يلزم الناس كلهم الصوم ماذا قال المؤلف؟ ماذا أفادنا كلام المؤلف؟
فإن كان عدلاً صام الناس بقوله أنه يلزم جميع الناس أن يأخذوا بقوله، هذا ما أفاده كلام المؤلف ـــ رحمه الله ـــ أن جميع الناس يلزمهم الأخذ بقوله، وهذا مذهب جماعة من أهل العلم، ومذهب الحنفية بدائع الصنائع للكاساني(2/83)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (2/313). ، ومذهب الحنابلةالإنصاف للمرداوي(3/193)، والمبدع لابن مفلح (3/7). ومذهب المالكية أيضاًالتاج والإكليل للمواق (2/381)، والذخيرة للقرافي (2/490). ، وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يلزم إلا من يوافق هذا المكان في المطلع، وهي مسألة اختلاف المطالع، وهذه المسألة مسألة من الذين تلزمهم إحكام الرؤية فيما إذا رؤي في مكان فيها أقوال عدة أوصلها بعضهم إلى سبعة أقوال، فمنهم من قال: أن الرؤية خاصة بالمكان نفسه وما وافقه وما جاوره، ومنهم من قال: أن يلزم المكان نفسه وما حوله، ومنهم من قال: وما وافقه في المطلع، ومنهم من قال: إن الناس تبع لأئمتهم، نحن في الحقيقة إذا أردنا أن ننظر ونبحث في كلام العلماء وجدنا هذه الأقوال، لكن من حيث العمل عمل الناس أنهم تبع لأئمتهم، فما أعلنته الدولة لزم الناس أن يعملوا لقول النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وقوله: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون لا شك أن أقرب الأقوال إلى الصواب من حيث الدليل أنه إذا رؤي في مكان لزمت الرؤية جميع الناس لقول النبي صلى الله عليه وسلم «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) وهذا قول الجمهور لكن من حيث العمل، الآن العمل في هذا الأمر يرجع فيه الناس إلى أئمتهم وولاة أمورهم، فكل جهة تتبع ما تعلنه الجهة التي تتبعها حتى ولو كان الفارق قليلاً يعني بعض الأحيان الحدود بين البلدان لا تتجاوز أمتار، قرى والبلدان التي تتجاور فهؤلاء صوام وأولئك مفطرون بناء على أن هؤلاء يتبعون لهذه البلد، وهؤلاء يتبعون لتلك البلد وهؤلاء أعلنوا، وأولئك لم يعلنوا.
فالمرجع من حيث العمل إلى حال الناس في البلد التي تتبعها، قول من يقول: إن هذا التقسيم يعني تقسيم البلاد المسلمة أمر حادث نقول: نعم هو حادث لكن ينبغي العمل بما تقتضيه الحال من اجتماع كلمة أهل هذه البلد، فلا يسوغ أن يخالف الناس ما عليه عمل معظم الناس وغالبهم بناء على أنهم يوافقون البلد الأخرى البعيدة.
وعلى كل هذا الذي يسعى الناس الآن وليس لهم عمل إلا بهذا، وعليه الفتوى من الأئمة والعلماء المعاصرين.
(يقول رحمه الله: ولا يفطرون إلا بشهادة عدلين).
بعد أن بيّن حكم ما يتعلق برمضان، انتقل إلى ما يتعلق بالفطر فقال: ولا يفطرون أي لا يثبت الفطر إلا بشهادة عدلين أي شهادة اثنين، فلابد من التعدد في خروج الشهر، وقد حكي الاتفاق على هذا لكنه في الحقيقة ليس محل اتفاق، بل هذا قول جمهور العلماءحاشية ابن عابدين(2/391)، ومواهب الجليل(3/279)، وروضة الطالبين للنووي (2/348)، وكشاف القناع للبهوتي (2/304)، والمغني لابن قدامة (3/165)، والمسألة فيها خلاف حيث إن أبا ثور وجماعة من أهل العلم ذهبوا إلى أن الفطر يكون بواحدشرح النووي على مسلم (7/190). ومجموع الفتاوى لابن تيمية (25/186)، وهو مذهب الظاهرية، فقالوا كما لم يثبت بواحد فكذلك الفطر.
(ثم قال رحمه الله: ولا يفطر إذا رآه وحده).
الآن قال: إن رأى الهلال وحده صام؛ فألزموه بالصيام فيما إذا رأى الهلال وحده، وكذلك قال: ولا يفطر إذا رأى الهلال وحده يعني إذا انفرد برؤية الهلال هنا كم حال في هذه الصورة؟
هناك حالان كالمسألة السابقة الحال الأولى: أن يرى الهلال وحده وهو منقطع عن الناس، ففي هذه الحال يلزمه الفطر، لأنه رأى الهلال شوال وحده، والنبي ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) فيلزمه الفطر.
الحالة الثانية أن يراه في الناس، هذه المسألة فيها خلاف كما أن في تلك المسألة خلافا، فكذلك هنا خلاف، فقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يلزمه الصوم، وهذا ما ذكره المؤلف حيث قال: لا يفطر إذا رآه وحده روي هذا عن مالك والليث وغيرهما من الأئمة أنه لا يفطر إذا رآه وحدهالهداية)) للمرغيناني (1/121)، والتاج والإكليل للمواق (2/389)، والإنصاف للمرداوي (3/196 – 197)، وذهب الإمام الشافعي ــ رحمه الله ـــ إلى أن له الفطر لكن لا يظهر الفطر، والصحيح في هذه المسألة أنه يتبع الناس لقول النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ : الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، فإذا رأى الهلال وحده، ولم تقبل شهادته أو لم يعلم بشهادة أحد وهو بين الناس وبين أظهرهم، وهم صائمون فيلزمه في هذه الحال حال معظم الناس وهو أن يصوم معهم.
(قال: وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا).
إن صاموا بشهادة اثنين الآن الشهر يحتمل أن يدخل بشهادة اثنين، ويحتمل أن يدخل بشهادة واحد، ويحتمل أن يدخل بوجود غيم أو قتر، فيكونوا قد صاموا احتياطا، هذه ثلاثة احتمالات.
المؤلف يقول: إن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنْ شَهِد شاهِدانِ فصُوموا وأفطِروا» أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081) وقد شهد شاهدان وقد صاموا ثلاثين يوماً، فوجب عليهم الفطر لأنه لا يجوز صوم يوم العيد يجب عليهم الفطر هذه حالة.
الحالة الثانية أشار إليها المؤلف رحمه الله: وإن كان بغيم، هذه الحالة الثانية أن يقولوا صاموا لا بشهادة لا واحد ولا اثنين، إنما غم عليهم ليلة الثلاثين هذا على مذهب الحنابلة غم عليهم هنا يصبحون صائمين هنا احتمالاً أن يكملوا ثلاثين يوما ابتداء من هذا اليوم ثلاثين يوما، لكنهم لا يفطرون بكمال الثلاثين بل لا بد أن يطلبوا الهلال يوم الثلاثين على حسابهم هم، فإن رأوا الهلال وإلا صاموا يوما زائدا لماذا؟
لأن صومهم الأول احتياطي، لأن صومهم الأول احتياطا لرمضان، وليس صوما من رمضان يقينا؛ فلذلك إذا كمل لهم ثلاثين يوما ولم يروا الهلال لا يقولوا أكملنا العدة لماذا؟
لأنهم صاموا أول يوم احتياطا، وكذلك إذا أخبرهم شاهد واحد بأن الهلال قد رؤى بأنه رأى هلال شوال، فإنهم لا يفطرون ولذلك قال: وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا لماذا؟
لأنهم صاموا في حال الغيم احتياطاً، وصاموا بشهادة الواحد أيضاً احتياطاً، فكان صومهم في الحالين احتياطياً، وعليه فإنه لا يخرج الشهر إلا بشهادة شاهدين.
(ثم قال: إلا أن يروه).
يعني إذا رأوه في الحالين، فإنهم يفطرون.
(قال: أو يكملوا العدة)
في هذه الحال إن رأوه أو أكملوا العدة، فإنه عند ذلك يفطرون.
لعلنا نقف على هذا، والله تعالى أعلم وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد.