الصيام من عمدة الفقه

من 2025-12-24 وحتى 2027-12-22
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 78

التاريخ : 2025-12-23 06:01:42


الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.

فتقدم لنا في المجلس السابق الحديث عن ما ذكره المؤلف ـــ رحمه الله ـــ في أول كتاب الصيام، وفي هذا المجلس سنقرأ إن شاء الله المسائل التي ذكرها المؤلف في باب أحكام المفطرين في رمضان، وكان آخر ما ذكرنا من المسائل مسألة إذا اشتبهت الأشهر على الأسير، وذكر المؤلف أن الواجب في حقه التحري والصيام ثم قلنا: إن نتيجة هذا التحري، إما أن توافق الشهر، وإما أن تتقدم عليه، وإما أن تتأخر عليه، وإما أن يوافق هذا التحري الشهر في بعضه، ويخالفه في بعضه، وبينا حكم كل حالة من هذه الأحوال، وأظن أن المسألة واضحة لا تحتاج إلى إعادة.

في هذا الباب في الباب الجديد اقرأ قال المؤلف رحمه الله.

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب أحكام المفطرين في رمضان ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها المريض الذي تضرر به، والمسافر الذي له القصر، فالفطر لهما أفضل وعليهم القضاء وإن صاما أجزأهما.

الثاني الحائض والنفساء تفطران وتقضيان وإن صامتا لم يجزئهما.

الثالث الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، وإن صامتا أجزأهما.

الرابع العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين، وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماع في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطيع، فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه، فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة، وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية، وكل من لزمه الإمساك في رمضان، فجامع فعليه كفارة، ومن آخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه غيره، وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكينًا، وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه لكل يومٍ مسكين إلا  أن يكون الصومَ منذورا فإنه يصام عنه وكذلك كل نذر طاعة).

هذا الباب تضمن مسائل عديدة، والعلماء يقسمون الكتب إلى أبواب، والأبواب إلى فصول.

فقوله رحمه الله: (باب أحكام المفطرين).

يعني ما جعله المؤلف رحمه الله مدخلا لبحث ما يتعلق بأحكام المفطرين في رمضان، والمفطرون في رمضان قسمهم المؤلف رحمه الله إلى أربعة أصناف، ومقصوده بأحكام المفطرين يعني من يباح لهم الفطر وإلا فهناك من لا يباح له الفطر، وهو من أفطر في رمضان من غير عذر، وقد أشار المؤلف رحمه الله إلى حكم هؤلاء في آخر هذا الفصل.

فقوله: (أحكام المفطرين).

يشمل من يباح لهم الفطر، ومن كان فطرهم عن تعدي وتجاوز لما يجب عليهم من الإمساك، ابتدأ أولا بمن يباح لهم الفطر، لأنه هو الأصل في بيان الأحكام، وهو بيان الحكم لمن يلتزمه ويعظمه ويعمل به وهم أهل التسليم والقبول.

قال المؤلف رحمه الله: (يباح الفطر في رمضان).

يباح هذا حكم تكليفي، وهو أحد الأحكام الخمسة، والإباحة هو ما استوى فيه الطرفان، فلا يؤاخذ عليه الإنسان، ولا يؤجر عليه، أي ليس هناك إثم في الفعل ولا في الترك، فهو مباح، والعلماء مختلفون هذه الإباحة حكم شرعي أو لا، والراجح ما عليه أهل التحقيق أن الإباحة حكم شرعي.

يباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام، لو قال قائل: ما الدليل على هذا الحصر في العدد؟

حيث قال المؤلف رحمه الله: يباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام.

الجواب: أن الدليل لهذا وأمثاله من العد والحصر في كثير من مسائل الفقه هو الاستقراء، الدليل هو الاستقراء، والاستقراء هو تتبع النصوص الشرعية، وجمع من يباح لهم الفطر، فلما تتبع أهل العلم النصوص الواردة في أحكام الصيام، فظهر لهم أن من يباح لهم الفطر أربعة أقسام فدليل هذا هو ماذا؟

الاستقراء، وما معنى الاستقراء؟

التتبع تتبع النصوص وسبرها وجمع ما يتعلق بهذه المسألة، فلما استقرأ العلماء النصوص الواردة في الكتاب والسنة فيما يتعلق بالصوم، تبين أن الذين يباح لهم الفطر أربعة أقسام، أحدها أي أحد هذه الأقسام الأربعة، المريض الذي يتضرر به، والمسافر الذي له القصر.

القسم الأول: تضمن قسمين من الناس، وهم المرضى والمسافرون، وبدأ المؤلف ــ رحمه الله ــ ببيان هذا العذر المبيح للفطر قبل غيره، لأنه المنصوص عليه في آية فرض الصيام، فإن الله تعالى ذكر فرض الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 183-184] ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 185] فالنص على هذين في أول الأقسام، لأنهما المذكوران في آية وجوب الصوم، المسافر والمريض، والسفر والمرض عذر مبيح للفطر في رمضان باتفاق العلماء لا خلاف بينهم في أن المرض والسفر من أسباب الفطر، ومن مبيحات الفطر في رمضان، على أنهم اختلفوا في ضابط المرض أو في أوصاف المرض، وكذلك في أوصاف السفر الذي يبيح الفطر، فهم متفقون من حيث الأصل على أن المرض مبيح للفطر، وكذلك متفقون من حيث الأصل على أن السفر يبيح الفطر، لكنهم اختلفوا في أوصاف المرض المبيح للفطر وأوصاف السفر المبيح للفطر.

ولذلك لم يطلق المؤلف رحمه الله المسألة دون قيد، بل قال: المريض الذي يتضرر به والمسافر الذي له القصر، فذكر الوصف في المرض والوصف في السفر الذي يحصل به العذر المبيح للفطر في رمضان.

  

ففي المرض (قال: المرض الذي يتضرر به).

هذا قيده، فليس كل مرض يبيح الفطر، إنما المرض الذي يتضرر به، هذا ما أفادنا كلام المؤلف رحمه الله وهو قول الجمهور أن المرض الذي يبيح الفطر هو ما كان مظنة المشقة والعناءبدائع الصنائع للكاساني (2/ 94)، ومواهب الجليل للحطاب (3/382)، وتفسير القرطبي(2/ 276)، وكشاف القناع)) للبهوتي (2/310).، وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذا على قولين، فمنهم من قال: كل مرض ولو لم يكن شاقًّا، فإنه يبيح الفطر، بل حتى المرض الذي لا يؤثر عليه الصوم، فإنه يبيح الفطر، وبهذا قال طائفة من أهل العلم، لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا[البقرة: 184] ولم يقيد المرض بوصف، فكل مرض يبيح الفطر هكذا ذهب طائفة من أهل العلم، والجمهور على أن المرض المبيح للفطر هو المرض الذي يؤثر فيه الصوم، وتأثير الصوم نوعان، إما أن يكون بزيادة، وإما أن يكون بتأخر الشفاء منه، أثر المرض الذي يباح معه الفطر في رمضان هو أن يكون الصوم يزيد به المرض أو يتأخر به البرء والشفاء، هذا هو المرض الذي يبيح الفطر في رمضان، وكذلك إذا كان يحصل به ألم ومشقة، ولو لم يزد المرض، ولو لم يتأخر البرء، لكن إذا كان هناك مشقة مع الصوم، فإنه يباح الفطر فهذه هي أوصاف المرض المبيح للفطر، فالمرض المبيح للفطر هو المرض الذي يتضرر به، والضرر إما أن يكون بألم يصيبه، وإما أن يكون بزيادةٍ في المرض، وإما أن يكون بتأخرٍ في الشفاء.

هذه الأوصاف الثلاثة هي الأوصاف التي إذا وجدت في المرض جاز الفطر، والضرر نوعان من حيث ثبوته، إما أن يكون ضررا حسيا، وإما أن يكون ضررًا خبريًّا، الضرر الحسي يثبت بوجود الألم أو بتأخر البرء، أو بزيادة المرض، فهذا ضرر حسي يحسه المريض، والنوع الثاني من طرق إثبات الضرر هو الخبر، الضرر خبري وهو أن يخبر ثقة من أهل الشأن من أهل الطب بأن الصوم يؤثر على هذا النوع من الأمراض، فإذا أخبر الطبيب بأن هذا النوع من المرض يؤثر فيه الصوم، إما زيادته أو تأخرًا في الشفاء، أو حصولا للألم والمشقة، فإنه يباح الفطر بالخبر، ولو لم يحس الإنسان بالألم في نفسه.

إذًا عندنا الآن تكلمنا في الضرر الذي أشار إليه المؤلف، المرض الذي تضرر به عن أمرين بماذا يثبت الضرر؟

يثبت من طريقين ما هما؟

إما حسي وإما خبري، طيب ما هو نوع الضرر الذي يبيح الفطر للصائم؟

إما زيادة المرض، أو تأخر الشفاء، أو وجود المشقة والألم، وقد تجتمع كلها، وقد يوجد واحد، المقصود أنه إذا وجد واحد من هذه الأمور الثلاثة في المرض، فإنه يبيح الفطر في رمضان.

  

(ثم قال رحمه الله: والمسافر الذي له القصر).

السفر يقسمه العلماء ـــ رحمهم الله ــــ إلى قسمين، سفر يبيح القصر، وسفر لا يبيح القصر، والمؤثر في السفر الذي يبيح القصر، والذي لا يبيح القصر هو المسافة والمدة والغرض، ثلاثة أشياء تؤثر في ثبوت القصر في السفر، المسافة والمدة والغرض والقصد من السفر.

نبدأ بالأخير إذا كان السفر لمعصية، فإنه لا يبيح القصر، فمن سافر ليسرق أو ليزني أو لينتهك حدا من حدود الله، فإنه لا يحل له القصر، وعليه فإنه لا يباح له الفطر في رمضان لماذا؟

لأنه لا يمكن أن يعان على مقصوده بإباحة الفطر له في رمضان، وإذا رخصنا له الفطر، فنحن نعينه على مقصوده المحرم، وهو السفر لغرض محرم.

إذاً هذا الأول أن يكون السفر إما مباحاً، وإما سفر طاعة، سفر مباح لتجارة، أو لقضاء حاجة من حوائج الإنسان، تعقيب على معاملة أو ما أشبه ذلك، سفر الطاعة هو سفر، الحج والعمرة، بر الوالدين، أي أمر من أمور الطاعات يسافر له الإنسان، فإنه يدخل في سفر الطاعة.

أما سفر المعصية، فإنه لا يبيح له القصر.

إذًا قوله: والمسافر الذي له القصر من حيث الغرض ألا يكون السفر معصية، ومن حيث المسافة والمدة جمهور الفقهاء يقيدون إباحة القصر بمسافة وبمدة، فلا بد أن يكون السفر مسافة محددة، وأن يكون أيضا مدة محددة، فإذا لم يتحقق هذان الوصفان في السفر، فإنه لا يبيح القصر، فمثلا من يسافر ليمكث في بلد شهر وهو يعلم أنه سيبقى شهرا، فهذا تنقطع عنه أحكام السفر بإقامته في المكان الذي سافر فيه، ويجب عليه الصوم في قول جمهور العلماء، كذلك المسافة إذا كانت المسافة دون أربعة برد وهي ثمانون كيلو تقريبا بقياس الحديث، فإنه لا يكون سفراً يبيح القصر، أما من حيث المسافة والمدة، فإن السفر ما عده الناس سفراً بغض النظر عن المدة والمسافة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بحث الموضوع في باب الصلاة في حكم صلاة المسافرين.

وكذلك الغرض؛ جمهور الفقهاء على ما ذكرنا من أنه لا بد أن يكون الغرض مباحا، حتى يستبيح الإنسان الفطربداية المجتهد لابن رشد (1/168)، والمجموع للنووي (4/343)، وتحفة المحتاج للهيتمي(2/386)، والإقناع للحجاوي (1/ 179)، والمغني لابن قدامة (2/193)، وذهب الإمام أبو حنيفةحاشية ابن عابدين(2/124)، وبدائع الصنائع للكاساني (1/93).، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللهمجموع الفتاوى(24/109). وقول في مذهب أحمد هو أنه يباح القصر وبالتالي يباح الفطر، ولو كان السفر سفر معصية، لكن يُؤمر بالتوبة ويقال له: تب إلى الله تعالى واترك هذا الذي سافرت إليه من معصية الله تعالى، هذا ما يتعلق بالمسافر وعليه فالمسافر الذي يباح له القصر هو الذي له أن يفطر لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 184] بعد ذلك انتقل المؤلف رحمه الله إلى مسألة أخرى تتعلق بالأمرين المرض والسفر، فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء.

بعد أن بيّن إباحة الفطر في المرض والسفر انتقل إلى بيان أيهما أفضل هل الأفضل الصوم في السفر والمرض أم الأفضل الفطر؟

قال: (والفطر لهما أفضل).

وهذا الحكم على وجه الإطلاق، سواء وجد مشقة بسفره أو لم يجد مشقة، سواء وجد عناء أو لم يجد عناء، فالأفضل الفطر مطلقا، إذا صام في سفره أو في مرضه، فإن جماهير العلماء على أن صومه مجزئ، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، من الأئمة الأربعة وغيرهم أنه إذا صام المسافر والمريض برأت ذمته بهذا الصوم، لكن الأفضل هو الفطر في الحالين مطلقا على المذهب. الإنصاف للمرداوي(3/204)، وكشاف القناع للبهوتي (2/311).

والقول الثاني أنه في السفر إذا كان لا مشقة ولا عناء على المسافر في صومه، فالأفضل له الصوم، لأن ذلك يتحقق به براءة الذمة وموافقة الوقت الذي هو رمضان، فالصوم فيه ليس كالصوم في غيره، ولأن النبي ﷺ صام في سفره، وجاء ذلك في أحاديث عديدة، وأما الأحاديث التي فيها النهي أو التنفير عن الصوم في السفر، فهي محمولة على أحوال وهي حال وجود المشقة والعناء، ففي حديث جابر أن النبي ﷺ قال في الذين صاموا بعدما أفطر وقد أدرك الناس العناء والمشقة في صومهم حدث أن قوما صاموا فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»صحيح مسلم(1114)، كما في صحيح الإمام مسلم، وفي الصحيحين قال ﷺ: «ليسَ من البرِ الصيامُ في السفرِ» أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (1115) وهذا محمول على ما إذا كان ذلك يحصل به للإنسان مشقة، وأما دليل الحنابلة في أن الفطر أفضل مطلقاً فما جاء من الأحاديث التي فيها أن آخر الأمرين عن النبي ﷺ أنه أفطر، فإنه ثبت عنه أنه ﷺ في غزوة الحديبية خرج، ثم لما بلغ كراع الغميم، أفطر ﷺ وكان هذا آخر الأمرين عنه ﷺ.

وكذلك أن النبي ﷺ قال: «ليسَ من البرِ الصيامُ في السفرِ» أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (1115) ومعنى ليس من البر أي: ليس مما يتقرب به على وجه الفضيلة والندب والحث والترغيب، وكذلك استدلوا بما في الصحيحين من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه سأل النبي ﷺ عن الصوم في السفر فقال ﷺ: «هي رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فمَن أَخَذَ بهَا، فَحَسَنٌ وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فلا جُنَاحَ عليه»صحيح مسلم(1121) فنفى الجناح وجعل الأخذ بالرخصة حسن استدلوا بهذه الأدلة.

وعلى كل حال المسألة تتردد بين هذين القولين، ولكن الأظهر أنه إذا لم يكن في السفر مشقة ولا عناء، فالصوم أفضل من الفطر، لأن ذلك أبرأ للذمة، ولإدراك فضيلة الوقت ولأن النبي ﷺ صام في أسفاره، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث أنس وغيره كان يصوم الصائم ويفطر المفطر، فلا يعد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ومعنى هذا أنه يرجع فيه إلى حال الناس، كلٌ يرجع فيه إلى حاله وإلى ما يناسبه والأفضل بالنسبة له، هذا ما يتعلق بقوله رحمه الله: فالفطر لهما أفضل.

قال: (وعليهما القضاء).

يعني ويجب على المسافر والمريض القضاء، والمقصود بالقضاء هو صيام ما أفطره، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 184].

قال: (وإن صاما).

يعني المريض والمسافر.

(أجزئهما).

يعني برأت ذمتهما بالصوم، وهذا خلاف ما جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من أمرهم من صام كما جاء عن أبي هريرة وغيره أن من صام في السفر، فعليه القضاء في الحضر، فهذا اجتهاد منهم وليس حكما يعتضد به، والأدلة دالة على عدم إن من صام فقد برأت ذمته بالصوم، ولا يكلف الصوم مرتين والله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 184]  يعني إن حصل منه الفطر، أما إذا لم يحصل منه الفطر، بسبب سفره أو مرضه، فإنه لا يجب عليه عدة من أيام أخر، لأنه لم يفطر ولم يترخص بهذه الرخصة.

  

الثاني مم يباح لهم الفطر في رمضان الحائض والنفساء وهما صنفان، وهذان الوصفان مما يقوم في النساء، الحائض وهي من كان معها دم الحيض الذي يخرج جبلة وطبيعة يرخيه الرحم هذا القسم الأول أو هذا الصنف الأول من هذا القسم وهو الحائض.

الصنف الثاني النفساء وهي من معها الدم بسبب الولادة، النفاس دم يخرج من المرأة بسبب الولادة، الحائض والنفساء تفطران وهذا محل اتفاق، لا خلاف بين أهل العلم في أنه يجب على الحائض والنفساء الفطر وأنه لا يصح منها الصوم، دل على ذلك إجماع أهل العلم كما دلت على ذلك نصوص عديدة في السنة النبوية.

 

(قال: تُفطران).

أي أنهما يجب عليهما الفطر، ولو صامتا لم يصح منهما الصوم منهم الصوم، وتقضيان أي يجب عليهما القضاء، لأن النبي ﷺ أمر بقضاء الصوم، ففي حديث العدوية سألت عائشة رضي الله عنها عن القضاء قضاء الصوم دون قضاء الصلاة، «فَقالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ قُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيَّةٍ، ولَكِنِّي أسْأَلُ. قالَتْ: كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ»صحيح مسلم(335)، والحديث في الصحيح، فدل هذا على أن الحائض يجب عليها قضاء الصوم والنفساء ملحقة بالحائض.

قال: (الثالث وإن صامتا لم يجزئهما).

أي: لم تبرأ ذمتهما لوجود المانع، فالحيض والنفاس يمنعان صحة الصوم، فلو صامتا لم يجزئهما، لقول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ»صحيح البخاري(2697)

  

الثالث من المسائل قوله رحمه الله: (الحامل والمرضع).

وهذا ثالث الأقسام، أقسام من يباح لهم الفطر في رمضان الحامل وهي من علقت بولد، والمرضع وهي التي تشتغل برضاع ولدها، أو ولد غيرها، فالمرضع هنا يشمل ما إذا كانت ترضع ولدها، أو ولد غيرها، فإنه لا يختص الحكم بمن ترضع ولدها، إنما من ترضع مطلقًا سواء كانت ترضع ولدها، أو كانت زئرا ترضع غير ولدها، الحامل والمرض يباح لهما الفطر، لكن بقيد.

قال: (إن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يومًا مسكينًا، وإن صامتا أجزئهما).

الحامل والمرضع لهما أحوال ذكر المؤلف رحمه الله حال من أحوالهم قال: إن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، فذكر أن لهما الفطر بقوله أفطرتا الحامل والمرضع أفطرتا إذا خافت على ولديهما، وهذه الحالة الأولى أن تفطر خوفا على الولد في الحمل، وفي الرضاع، ففي هذه الحال يباح لها الفطر وعليها القضاء والإطعام في قوله: قضتا وأطعمتا، والدليل على هذا ما رواه أنس بن مالك الكعبي، أن النبي ﷺ قال: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم على الحامل والمرضع، فدل هذا والحديث لا بأس بإسناده، وجاء في أحاديث أخر عن ابن عباس وغيره وكذلك عن ابن عمر، أن الحامل والمرضع لهما الفطر، والحامل والمرضع لهما ثلاثة أحوال، الحال الأولى ذكرها المؤلف رحمه الله وهي أن تخاف على ولدها؛ فلها الفطر، ولو كانت تستطيع في حال الرضاعة مثلا أن تجد من يرضع ولدها، فإن لها الفطر ولو وجدت من يرضع ولدها، لأن المرأة قد تتعلق بإرضاع ولدها حتى لو وجدت من يرضع، لكونها ترغب في إرضاعه، وترغب في ألا يجف لبنها أو ما أشبه ذلك من الحاجات والأغراض والمقاصد، المقصود أنها إذا خافت على الولد أن يقل اللبن بسبب الصوم، أو أن يقل الطعام في الحمل وتخشى على حملها الضرر، فإن لها الفطر، ويجب عليها أمران، القضاء، والإطعام.

أما القضاء فلقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 184] فألحقت بالمريض والمسافر بجامع العذر، فإنها أفطرت لعذر، فهي ملحقة بالمريض، والمسافر في أنه لما أفطرت لعذر وجب عليها الإتيان بما أفطرت بعد ذلك، لقول تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 184].

وأما الإطعام فالإطعام أخذ من حديث جاء عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ﷺ في قول تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة: 184] فإنه جاء عن ابن عباس أنها ليست منسوخة، إنما هي للرجل الكبير والحامل والمرضع، إذا خافت على ولدها، والذي يظهر أنه لا يثبت في ذلك شيء يعتضد به عن النبي ﷺ، وما جاء عن ابن عباس إنما هو اجتهاد منه، وهذا اجتهاد لا يقوى على الوجوب، فيقال: إن الإطعام غير واجب، إنما هو على وجه الاستحاب، وهذا القول أقرب إلى الصواب.

فنقول: إن الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولدها، المؤلف قال يجب عليها كم شيء؟

يجب عليها أمران، يجب عليها القضاء والإطعام، والقضاء ما ذكره متوجه لوجود أدلته، وأما الإطعام فلا دليل عليه إلا من قول ابن عباس رضي الله عنه لا يرقع إلى الوجوب.

فيقال: إن الإطعام مستحب وليس بواجب، لعدم دليل الوجوب، والأصل في الأموال الإباحة أو التحريم، الأصل في الأموال التحريم، فلا يحل أن يلزم أحد بشيء ولو كان هذا الشيء لله تعالى إلا ببينة وبرهان، هذه هي الحال الأولى من أحوال الحامل والمرضع، وذكر المؤلف هذه الحالة دون سائر الأحوال، لأن ما عداها قد يشابهها، وما لا يشابهها يرجع في حكمه إلى الأصل، فالأحوال ثلاثة:

أن تفطر خوفا على نفسها.

والحالة الثانية أن تفطر خوفا على ولدها.

والحالة الثالثة أن تفطر خوفا على ولدها ونفسها.

فالحامل والمرضع إن خافتا على ولدها بين المؤلف الحكم وهو القضاء والإطعام، إن أفطرت خوفا على نفسها وولدها، فالواجب كما ذكر القضاء والإطعام.

الحالة الثالثة أن تفطر خوفا على نفسها دون ولدها، ففي هذه الحال عليها القضاء فقط، لأنها في هذه الحال ملحقة بالمريض، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 184]

إذًا هذه الأحوال الثلاثة، هي أحوال المرضع والحامل، لعلنا نقف على هذا والله تعالى أعلم وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق