الصيام من عمدة الفقه

من 2025-12-24 وحتى 2027-12-22
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 75

التاريخ : 2025-12-23 06:03:17


الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.

القسم الرابع من أقسام من يباح لهم الفطر في رمضان.

قال: (العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه).

العاجز عن الصيام هو الذي لا يطيقه، هو الذي لا يطيق الصوم، دليل أن العاجز عن الصيام لا يجب عليه الصوم قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن: 16] وقول الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة: 286]، وأما الصيام على وجه الخصوص يعني ذكر الاستطاعة في الصوم على وجه الخصوص قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة: 184] فإنه صح عن ابن عباس قراءته عن الذين يطوقونه أي: يكلفونه يعني يصومونه مع المشقة وجود عدم القدرة، فإنه قد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة: 184]، وقد قال ابن عباس كما في صحيح البخاري هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة: 184] ليست منسوخة ومقصوده بنفي النسخ هنا ارتفاع حكمها بالكلية يعني إنه لم يرتفع الحكم بالكلية، وإن كان ارتفع الحكم في التخيير سبق أن ذكرنا أن الصوم أول ما فرض كان على التخيير من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم لقول الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ[البقرة: 184] يعني يستطيعون ويقدرون، ثم لم يصوموا ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا[البقرة: 184] يعني زاد في الإخراج على طعام مسكين ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ[البقرة: 184] ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة: 184] هذا ترغيب في الصوم وأنه خير من الإطعام هذا في مدة التخيير، ثم جاء الحزم والجزم بوجوب الصوم في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة: 185] فهنا جاء الإلزام بالصوم والإخبار بوجوبه، وأنه لا يسقط عن كل من كان شاهدًا للشهر.

الآن هذه الآية نسخت، لكن ابن عباس يقول: ليس نسخ الآية قد رفع حكمها بالكلية، إنما رفع بعض حكمها فما يتعلق بالكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا، وهذا ما أشار إليه المؤلف في قوله: العاجز عن الصيام.

العاجز عن الصيام إما فعله بأن يعجز الإنسان يحاول الصوم ولا يستطيع، وإما أن يكون العجز إخباريًّا بأن يقال له: أنت لا تقدر على الصوم، وذلك إما لورود حال على الإنسان تضعفه ولا يستطيع معها الصوم، ويخبره الطبيب بذلك، فإنه عند ذلك يكون عاجزًا عن الصوم، فالعجز إما حسي، وإما خبري، مثل الضرر تماما، قبل قليل قلنا الضرر، إما أن يكون حسيًّا، وإما أن يكون خبريًّا

قال: العاجز عن الصيام، بين سبب العجز قال: لكبر، أي: لتقدم في السن، والكبر هنا هل هو محدود بحد خمسين ستين سبعين ثمانين مائة؟

الجواب: لا، إنما هو محدود بوصف، وهو أن يكبر كبرًا يشق معه الصوم، فيكون الصوم شاقا مشاقة خارجة عن المعتاد، وهذا مما جاء به الترخيص في الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة: 184] كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقد أفطر جمع من الصحابة لما كبروا كما جاء في الصحيح أن أنس بن مالك رضي الله عنه أفطر في آخر عمره، وكان يطعم عن كل يوم مسكينا خبزا وأدما مع هذا الخبز.

قال: (أو مرض لا يرجى برؤه).

هذا السبب الثاني للعجز إما لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أي: لا يؤمل ولا يطمع في الشفاء منه، وهذا هل هو أمر يقيني أو أمر ظني عدم البراءة عدم الشفاء من المرض يقين أو ظن؟

يختلف قد يكون هناك يقين بأن يكون الإنسان مثلاً مبتور الأعضاء التي يلحقه بها الضرر هذا يقيني، إذا كان يعني عود فلا يمكن أن يكون، فالمرض يختلف، لكن في الغالب أنه عدم رجاء البرء من المرض، هو في الغالب ظني، فقد يشفى الإنسان مع قول الأطباء إنه لا يشفى، فالشفاء لا يرتبط بسبب وحيد هذا الشفاء من الأمراض ليس له سبب واحد، ولذلك قد يشفى الإنسان من المرض بلا علاج أليس كذلك؟ كم من المرضى شفوا وكشف ما بهم من ضرر دون أن يعالجوا بعلاج أو يتعاطوا شفاء أو سبب للشفاء.

فإذًا قوله: لا يرجى برؤه، يعني فيما جرت العادة، وفيما يغلب على الظن، وليس أن ذلك متيقن وأنه يقين لا يشفى منه، إذا كان الإنسان مريضًا مرض لا يرجى برؤه، وهذا المرض أيضًا يتصل بالصوم له تأثير على الصوم، وليس المقصود بالمرض الذي لا يرجى برؤه مثلا عفوا، من كان فيه مثلاً بهاق برص هذا مرض في الغالب لا يرجى برؤه، أليس كذلك؟ هل هذا المرض يؤثر على صحة الصيام؟ هل يدخل في قوله: أو مرض لا يرجى برؤه؟

الجواب: لا، لأن المرض المقصود هنا هو المرض الذي يتأثر بالصوم وقلنا نوع الضرر والتأثر بالصوم إما أن يكون بزيادة، وإماً أن يكون بتأخر برء، وإما أن يكون بحصول ألم.

  

قال: (أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا).

يعني الواجب في هاتين الحالين عن كل يوم مسكينا، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله فيمن يتعلق بمن يباح لهم الفطر، وبين من الواجب في كل قسم من هذه الأقسام الأربعة، المريض والمسافر قسم، الحائض والنفساء قسم، المرضع والحامل قسم، والعاجز إما لكبر أو مرض لا يرجى برؤه قسم، وهؤلاء أربعة أقسام وهم كم صنف؟

ثمانية أصناف، المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء، والحامل، والمرضع، والكبير، والمريض الذي لا يرجى برؤه، ثمانية أصناف.

بعد ذلك ذكر المؤلف رحمه الله قال:

(وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير).

الآن بعد أن فرغ من ذكر من يباح لهم الفطر، وبين أحكامهم انتقل إلى من وقع منه الفطر، ولو لم يبح، لذلك قال: وعلى سائر مأخوذة من السؤر وهو بقية الشيء، إذا شرب الإنسان ماء، فما يبقى في الإناء بعد ذلك يسمى سؤرا لأنه بقية، وسائر مأخوذة من سؤر في اللغة، فهو بقية الشيء.

فقوله: بقية هؤلاء من عدم تقدم ذكره في الأقسام الأربعة عليه القضاء فقط.

فقوله رحمه الله: (وعلى سائر من أفطر)

يعني على بقية المفطرين، سواء كانوا بعذر أو بغير عذر، طبعا نحن تقدم لنا من يباح له الفطر، وغيره من لا يباح له الفطر عليه القضاء لا غير، يعني يجب عليه القضاء لا غير، يعني لا يجب عليه غير القضاء إلا وسيأتي الاستثناء، ما ذكره المؤلف رحمه الله هو مذهب الجمهور من أن من أفطر من غير عذر، فإن عليه القضاء، وليس عليه سوى القضاء، هذا قول جمهور الفقهاء المجموع للنووي (6/328 - 329)، وكشاف القناع للبهوتي (2/309)، والمغني لابن قدامة (3/130)، والاستذكار لابن عبد البر (1/77)، والإشراف لابن المنذر(3/127).

والمسألة فيها أقوال من حيث وجوب القضاء فيها قولان، القول الأول: أن من أفطر من غير عذر عليه القضاء، وهذا قول الجمهور وهو المذكور هنا، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: 185] وجه الدلالة في الآية يعني كيف دلت الآية على وجوب القضاء على من أفطر؟

إذا كان المريض والمسافر أباح الله لهما الفطر، وأوجب عليهم القضاء مع وجود العذر، فمن لا عذر له يجب عليه القضاء من باب أولى، هكذا قالوا في الاستدلال وهذا قول الجمهور.

القول الثاني: أن من أفطر من غير عذر، فلا قضاء عليه المحلى لابن حزم(4/308)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يقضي متعمد بلا عذر: صوماً ولا صلاة ، ولا تصح منه." الاختيارات الفقهية(ص: 460). هذا قول جذاب للذين أفطروا وما عليه قضاء نقول: الأحسن من هذا التعبير أن يقال: من أفطر من غير عذر لا ينفعه القضاء، هناك فرق بينهم إذا قلنا لا قضاء عليه شعر بنوع من الراحة والاطمئنان وأنه الحمد لله ما عليه قضاء، لكن إذا قلنا: لا ينفعه القضاء كان ذلك أبلغ في الردع والزجر، لأنه إذا أفطر من غير عذر، فإنه قد تعدى حدود الله تعالى، فكونه يصوم بعد ذلك في وقت لم يؤمر فيه بالصوم لم ينفعه هذا الصوم أو لا ينفعه هذا الصوم لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه، ومن أحدث في دين الله ما ليس منه، فهو رد كما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرِنا فهو رَدٌّ» أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) فهو مردود.

ولذلك لا ينفعه القضاء، وعلى هذا تحمل الآثار التي جاءت منها ما رواه البخاري بصيغة التضعيف قال: ويذكر عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: من أفطر يوما من غير عذر لم يجزئه صيام الدهر وإن صامه،صحيح البخاري، باب إذا جامع في رمضان، قبل ذكر الحديث رقم(1935)(3/32) وقد جاء هذا عن عبد الله بن مسعود وعن علي وعن جماعة، وهو قول وجيه قوي: إن كل من أفطر من غير عذر، لا ينفعه القضاء، هذا في القول بأنه لا ينفعه القضاء.

أما من قال بالقضاء، فمنهم من قال: يقضيه يومًا واحدا، وقيل: يقضيه عشرة أيام، وقيل: يقضي الشهر كله، إذا أفطر يوما من غير عذر، وقيل: يقضي عن اليوم ألف يوم، كل هذه أقوال في القول الأول وهو القول بوجوب القضاء، والصواب أنه لا ينفعه القضاء وإن صام الدهر كله، فما المخرج؟

المخرج أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يحدث صالحا، وإني لغفار لمن تاب وأمن وعمل صالحا، ثم اهتدى فأكثر من التوبة والعمل الصالح، ومن الصيام المتطوع به، لعل الله تعالى أن يتوب عليك وتجاوز هذا ما يتعلق بقوله: وعلى سائر من أفطر القضاء.

قال: (لا غير).

يعني ليس عليه سوى القضاء، وهذا قول الجمهور فتح القدير (2/ 264)، وشرح المحلي بحاشية القليوبي (2 /70)، وكشاف القناع (2/327)، والإنصاف (2/321) ، والقول الثاني أن عليه القضاء والكفارة، من أفطر عليه القضاء والكفارة، وهذا مذهب الإمام مالك ــ رحمه الله ــ أن من أفطر بشرب الماء أو بأكل طعام أو بأي نوع من أنواع المفطرات متعمدًا من غير عذر، فعليه القضاء والكفارة. القوانين الفقهية ص (83)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (1/ 528).

القضاء واضح في الاستدلال وتقدم ذكره، أما الكفارة فقالوا: إن الكفارة مستفادة من حديث حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة في قصة الرجل الذي وقع على أهله في رمضان، فإن النبي ﷺ قال: "أتجد ما تعتق رقبة قال لا، قال: تستطيع تصوم شهرين متتابعين، قال: لا، قال: أتجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا" أخرجه البخاري (1937)، ومسلم (1111) ففرض عليه الكفارة، فدل هذا على أن كل من أفطر من غير عذر فإنه يجب عليه الكفارة.

والجمهور على خلاف هذا، قالوا: عليه القضاء، وأما الكفارة فهي فقط في الجماع.

ولذلك قال: (إلا من أفطر بجماع في الفرج).

هذا استثناء من المؤلف، وهو مذهب الحنابلة، وهو وفاق مذهب أبي حنيفة والشافعي، وجمهور أهل العلماء من الفقهاء وغيرهم أن الكفارة لا تجب إلا بالجماع، لماذا استدلوا قالوا: لم ترد الكفارة إلا في الفطر بالجماع ولم ترد الكفارة في غيره، فيجب قصر الحكم على ما ورد به النص، ثم إن القاعدة أنه لا قياس في الكفارة، وهذا رد على المالكية الذين قالوا يجب قياساً على وجوبها في الجماع، قالوا: إنه لا قياس في الكفارات، لأن الكفارات مطهرات لا يجري فيها القياس، كما أنه لا قياس في الأجور والثواب، فكذلك لا قياس في الكفارات وهي نوع عقوبة، ولذلك ما عليه الجمهور أقرب إلى الصواب، وهو أنه لا يجب على من أفطر من غير عذر إلا القضاء على قول الجمهور وأما الكفارة فلا تجب عليه كفارة.

قال: (إلا من أفطر بجماع في الفرج).

هناك جماع في غير الفرج، قوله: جماع في الفرج هذا بيان لمعنى الجماع الذي تثبت به الكفارة، فاستمتاع الرجل بامرأته، بأي نوع من الاستمتاع حتى لو حصل منه إنزال لا يوجب الكفارة، إنما الذي يوجب الكفارة هو الاستمتاع في الفرج، وذلك بأن يولج قدر الحشفة، والحشفة هي رأس الذكر، هكذا ذكر أهل العلم رحمهم الله في ضابط الجماع الذي تثبت به الكفارة في رمضان.

  

قال رحمه الله: (إلا من أفطر بجماع في الفرج).

فما الذي يجب عليه؟

وقوله: في الفرج يشمل ما إذا كان في قبل أو دبر، ويشمل ما إذا كان الفرج مباحاً أو محرماً، ويشمل ما إذا كان فرج من حي أو ميت، ويشمل ما إذا كان فرج من آدمي أو من غير آدمي، كل هذه المسائل تدخل في كلام المؤلف رحمه الله، وفي هذه المسائل نوع خلاف لكن على كل حال المحقق الذي ورد فيه النص هو جماع الرجل المرأة في نهار رمضان في قبلها، وأما ما عدا هذا، فإنها مسائل منها ما هو ملحق ومنها ما هو فيه خلاف.

وعلى كل حال فإنه يقضي الذي يترتب على الجماع في الفرج في نهار رمضان، فإنه يقضي هذا الواجب القضاء، وهذا لا يقترف على سائر من أفطر من غير عذر، دليل وجوب القضاء قالوا: رواية ابن ماجه ويذكر شيخ الإسلام أنها في أبي داود، وهي ليست في النسخ الموجودة، أن النبي ﷺ قال: واقض يوما مكانه للرجل الذي جامع في رمضان قال: الكفارة بعد أن ذكر الكفارة قال: واقض يوما مكانه، إلا أن هذه الرواية شاذة غير محفوظة، وعليه فإن الخلاف في وجوب القضاء يجري فيه ما يجري في الخلاف في سائر المفطرات من غير عذر، إذا أفطر بمفطر من غير عذر، فقد تقدم الخلاف فيه، وأنه هل يجب عليه القضاء، أو لا؟

قولان قول الجمهور أنه يجب القضاء، والقول الثاني أنه لا ينفعه القضاء، كذلك هنا قال المؤلف رحمه الله: فإنه يقضي بناء على أنه ملحق كسائر أنواع الفطر ويختص بوجوب الكفارة، فيجب على القضاء لأنه أفطر بغير عذر، وتجب الكفارة لأنه قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لما جاءه الرجل الذي قال: هلكت، قال: ما أهلكك، قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال النبي ﷺ: أتجد رقبة؟ قال: لا، قال: تستطيع تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. " أخرجه البخاري (1937)، ومسلم (1111)

يقول المؤلف: (ويعتق رقبة).

والمقصود بالرقبة هنا الرقيق، وتشمل الرقبة الذكر والأنثى، والصغير والكبير، وجميع الرقاب ولكن لابد من وصف زائد وهو وصف الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ[النساء: 92] وهذا القيد في هذه الآية جاري على كل الكفارات التي تجب فيها الرقاب، فإنه يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، زاد بعض الفقهاء شرط السلامة أن تكون سليمة قادرة على العمل والكسب حتى لا يكون عبء على الناس فيما إذا أعتقوا زَمِنا مثلا لا يستطيع حراكا ولا عملا، إذا أعتق ما يكون معتقه قد تخلص منه، لأنه افتك من الإنفاق عليه، لأن الإنسان يجب عليه أن ينفق على الرقيق.

المهم أنه يعتق رقبة، الوصف اللازم في الرقبة أن تكون مؤمنة لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ[النساء: 92].

قال: (فإن لم يجد).

يعني يجد هنا الوجود إما بألا يوجد رقاب للعتق، أو لا يجد المال الذي يشتري به الرقاب، الرقاب موجودة لكن ليس عنده من القدرة المالية ما يتمكن من الشراء، النبي لما قال: تجد رقبة قال: لا، المنفي في ذلك الوقت وجود الرقاب أو وجود المال الذي يشترى به؟ وجود المال لأن الرقاب موجودة في زمنه، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، شهرين سواء كمل أو نقص، لأن الواجب هو الشهر بغض النظر عن الكمال والنقص.

وقوله: (متتابعين).

أي لا يفصل بينها فاصل، وذلك بأن يأتي بها متوالية من غير تفريق، وهذا التتابع لا يقطعه الفطر لأمر الشارع بالفطر أو لوجود عذر.

مثال: أمر الشارع أن يوافق مثلا في هذين الشهرين يوم العيد الأكبر، يوم عيد الأضحى، إنسان ابتدأ الصيام في واحد ذي القعدة وكمل شهرا، ثم جاءت العشر الأول من ذي الحجة، واستمر صائما إلى جاء يوم النحر الآن هل يجوز له الصيام؟

نهى النبي ﷺ عن صيام يوم النحر؛ لورود ذلك في حديث أبي مسعود وعمر وجماعة من الصحابة، فالآن لا يجوز له الصيام، هنا مأمور بالفطر شرعا، فهو ليس معذورا، ليس مريضا ولا مسافرا، فنقول: يجب عليك الفطر تفطر هذا اليوم، وكذلك تفطر أيام التشريق، وهي ثلاثة فيكون مجموع ما حصل به الفصل أربعة أيام، يوم الفطر وأيام التشريق لحديث عائشة لم يرخص النبي ﷺ في أيام التشريق أن يصام إلا لمن لم يجد الهدي، فيفطر هذه الأربعة، ثم في اليوم الرابع عشر، عندنا العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، في اليوم الرابع عشر يواصل الصيام، ويقضي هذه الأربعة أيام بعد تمام الشهر، بعد تمام شهر ذي الحجة، فيصوم أربعة أيام من المحرم وبهذا يكمل له الشهر، هذا فطر لأمر الشارع، هل هناك عذر يمكن أن يقطع التتابع؟

نعم كل ما يبيح الفطر في رمضان، يبيح قطع التتابع، هذه قاعدة، كل ما يبيح الفطر في رمضان، فإنه لا يقطع التتابع، فالمرأة إذا حاضت يجب عليها الفطر في رمضان، فكذلك إذا حاضت في صيام الشهرين المتتابعين لا ينقطع التتابع، الرجل إذا سافر أو مرض، فإنه يحل له ويباح له قطع الصيام في رمضان، فكذلك التتابع.

إذًا كل ما يبيح الفطر في رمضان، فإنه لا يقطع التتابع في الشهرين المتتابعين.

(قال: فإن لم يستطع)

يعني إذا لم يستطيع، عدم الاستطاعة هنا هل هي محددة بحد أو بضابط؟

بعض العلماء هنا يقول: الاستطاعة هنا كل من استطاع أن يصوم الفرض شهر رمضان، فإنه يستطيع صيام شهرين متتابعين، لكن هذا الضابط ليس بسليم، هذا الرجل هل هو من أهل الصيام في رمضان أو لا؟

نعم هو من أهل الصيام، ولذلك وقع الإشكال في أنه أفطر بالجماع في رمضان، فهو من أهل الصيام في رمضان، قال له النبي ﷺ: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.

إذًا القدرة على صيام شهر رمضان ليس من لازمه القدرة على صيام شهرين متتابعين، ولذلك هذا لا يصلح أن يكون ضابطا، إنما نقول: الاستطاعة أمر موكول إلى الإنسان بينه وبين ربه، ولذلك النبي ﷺ لم يحقق مع هذا الرجل، ما قال له: كيف ما تستطيع وأنت تصوم شهر رمضان، إنما قال له: بعد أن قال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: أطعم ستين مسكينًا، ما قال: احلف إنك ما تستطيع انتقل النبي ﷺ إلى الخصلة الثالثة، وعليه فإن الاستطاعة أمر بين الإنسان وربه، إذا كان قادرا مستطيعا متمكنا من الصيام، فالواجب عليه أن يصوم، فإن لم يكن قادرا، فينتقل إلى المرحلة الثالثة أو الخيار الثالث في الكفارة وهو إطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد يعني إن لم يجد ستين مسكينًا القدرة أو لم يجد المساكين، والغالب هنا إنه لم يجد يعني القدرة على الإطعام، سقطت عنه أي: برأت ذمته وليس عليه شيء.

دليل سقوطها عنه أن النبي ﷺ لما قال له الرجل: أتجد ما تطعم ستين مسكينا قال: لا، سكت النبي ﷺ، وجلس الرجل فلم يفرض عليه ﷺ شيئا زائدا، وهذا دل على سقوطها عنه.

قال رحمه الله: (فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة).

هذه المسألة متفرعة على المسألة السابقة بعد أن فرغ، قال: إذا كرر الجماع في يوم واحد أو في أيام، لأنه قال: إن جامع ولم يكفر سواء في يوم واحد حتى جامع ثانية في اليوم نفسه أو في يوم آخر فكفارة واحدة، الواجب كفارة واحدة، لتداخل الكفارات، وهذا ما يسميه الفقهاء بالتداخل حيث تداخل العقوبة الأولى مع العقوبة الثانية، فوجبت كفارة واحدة.

قال رحمه الله: (وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية).

سواء كان جماعه في نفس اليوم أو في يوم ثان، إنسان جامع الصباح، ثم كفر وجامع آخر النهار فتجب عليه كفارة ثانية، لأن هذا انتهاك جديد لحرمة الوقت، فتجب له الكفارة، وكذلك ما إذا جامع اليوم ثم كفر، ثم جامع غدا، فيجب عليه كفارة أخرى.

قال رحمه الله: (وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية).

وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية، فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة، وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية، قلنا في الصورتين سواء كان ذلك في يوم أو في أيام، لكن إن جامع في أيام، فمن العلماء من يقول: أنه يجب لكل يوم كفارة مستقلة، هكذا قال طائفة من أهل العلم، وقالوا: لأن هذا انتهاك ليوم آخر منفصل مستقل، فلا يدخل في اليوم السابق، والذي يظهر أنه إن لم يكفر متعمدًا التأخير لأجل أن يكرر المحظور، فإنه يجب عليه كفارة لكل انتهاك، وأما إذا كان التأخير من غير قصد التكرار يعني قال أنا ما أكفر حتى أنظر كم يوم تصير علي تكفي كفارة واحدة، هذا لا يصلح لأن هذا تحايل على ما يجب عليه، لأنه إن وقع ذلك من غير تحايل فإنه تكفيه كفارة واحدة.

يقول المؤلف رحمه الله: (وكل من لزمه الإمساك في رمضان فجامع فعليه الكفارة).

كل من لزمه الإمساك في رمضان، فجامع فعليه كفارة، من يلزمه الإمساك في رمضان تقدم، أول من يلزمه الإمساك في رمضان من تقدم وصفه كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم لماذا ذكر هذه المسألة؟

هذه المسألة تدخل فيها الصورة السابقة كما تدخل فيها صور أخرى، ونأتي إن شاء الله تعالى على هذه الصور في الدرس القادم غداً إن شاء الله تعالى.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق