صفحة جديدة 1
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
انتقل المؤلف رحمه الله إلى بيان ما يفسد الصوم.
فقال: (باب ما يفسد الصوم، ومن أكل أو شرب أو استعطى أو أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو استقاء فقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر حتى أنزل أو احتجم عامدا ذاكرا لصومه فسد صومه، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد، وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو تمضمض أو استنشق، فوصل إلى حلقه ماء، أو فكر فأنزل أو قطر في إحليله أو احتلم أو ذرعه القيء لم يفسد صومه.
ومن أكل يظنه ليلا فبان نهارًا أفطر، ومن أكل شاكا في طلوع الفجر لم يفسد صومه، وإن أكل شاكا في غروب الشمس فسد صومه).
قوله رحمه الله: (باب ما يفسد الصوم) وفي بعض الفقهاء يقول: (باب المفطرات).
وكلاهما في معنى واحد، فما يفسد الصوم هو المفطرات، والأصل فيما يفسد الصوم التوقيف، فلا يسوغ لأحد أن يقول: هذا يفسد الصوم حتى يأتي بدليل ولهذا كل من أثبت مفطرا من المفطرات إذا لم يقم على ذلك دليلا، فإنه لا يصح قوله، ولا يقبل زعمه.
وعلى هذا فكل من أخبر بأن الشيء الفلاني يفطر لابد له من دليل، فالذي يقول الروائح العطرية لابد من دليل، الذي يقول الاكتحال يفطر لابد من دليل، الذي يقول خروج الدم يفطر لابد من دليل، وعلى هذا فكل من زعم في شيء من الأشياء إنه مفطر، إذا لم يقم دليلا على دعواه، فإن قوله مقبول أو مردود؟
مردود.
ما هي أصول المفطرات؟
أصول المفطرات ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] الصيام عن هذه المذكورات السابقة، فأصول المفطرات ثلاثة، الجماع، الأكل، الشرب، هذه أصول المفطرات وهي مما اتفق العلماء على الفطر بها، لا خلاف بينهم في أن من جامع، أو أكل، أو شرب وهو عالم ذاكر لصومه مختار، فإنه يفطر بذلك، هذه أصول المفطرات.
هناك أمور أخرى جاءت في السنة ألحقت بهذه الأصول الثلاثة التي هي أصول المفطرات ننظر إلى ما ذكره المؤلف رحمه الله.
قال: (ومن أكل أو شرب أو استعطى أو وصل إلى جوفه شيء من أي موضع كان إلى آخر ما قال عامدا ذاكر لصومه فسد).
فالمؤلف ذكر الأكل، والأكل معروف وهو إيصال الطعام عن طريق الفم، والشرب كذلك معروف إيصال المائع إلى الجوف من طريق الفم، فالأكل والشرب يفطران، والأصل في الطريق الموصل إلى هذين الأمرين هو الفم، فالأكل والشرب في الأصل يكون من الفم، وقد يكون من غير الفم، ولذلك أشار المؤلف رحمه إلى منافذ أخرى تأخذ حكم الأكل والشرب من الفم.
قال: (استعطى).
الاستعاط هو دخول الشيء إلى الجوف من طريق الأنف، فقوله: أي استعط أي أدخل إلى جوفه من طريق أنفه، ودليل أن ما يدخل من الأنف يحصل به الفطر ما رواه أصحاب السنن من حديث قيس بن لقيط بن صبرة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «بالِغْ في الاستِنشاقِ إلَّا أن تَكونَ صائمًا» أخرجه أبو داود (2366)، والترمذي (788)، والنسائي (87)، وابن ماجه (407)، وأحمد (16427)، حديث صحيح. شرح النووي على مسلم(3/105) ، فالنبي ﷺ أمر بالمبالغة بالاستنشاق وقيد ذلك بماذا؟ ما لم تكن صائما، دلّ ذلك على أن وصول شيء إلى الجوف من طريق الأنف اختياراً، ولو لم يكن مؤثراً لما قال ﷺ ما لم تكن صائما، لكن لما كان مؤثراً ذكر النبي ﷺ هذا القيد فقال: «بالِغْ في الاستِنشاقِ إلَّا أن تَكونَ صائمًا».
قال: (أو وصل إلى جوفه شيء من أي موضع).
الحقيقة الفقهاء ليس عندهم ضبط بين وواضح لمعنى الجوف، فما هو الجوف؟
إذا نظرت في كلامهم عند من تكلم منهم في معنى الجوف وجدتهم يذكرون الجائفة، ويذكرون شيئا مما يتعلق بالتجويف البدني، لكن ليس هناك وضوح في معنى الجوف، هل الجوف هو مجرى طعام جهاز ما يعرف في العلم الحديث بالجهاز الهضمي، هل الجوف هو الرئة؟ هل الجوف هو كل ما كان في البدن مما ضمه الجلد؟
هذه مسألة ليس فيها وضوح في كلام الفقهاء رحمهم الله، منهم من يقول: الجوف هو كل تجويف فيشمل ما يصل إلى مجرى الطعام، وما يصل إلى العروق، وكذلك ما يصل إلى الدماغ، فمنهم من يدخل الدماغ في الجوف، ومنهم من يقتصر على غير الدماغ كالجهاز الهضمي، وأيضا البطن وتجويفه إلا أن الأمر غير واضح في الحقيقة، وأقرب ما يقال: إن الجوف الذي أنيطت به الأحكام هو ما يمكن إيصال الطعام والشراب إليه في العادة وهو المعدة، هذا أقرب ما يقال في معنى الجوف إنه هو ما يمكن إيصال هو الطريق الذي يصل إليه الطعام والشراب عادة هو الجهاز الهضمي.
وعلى هذا تترتب مسائل سيأتي الإشارة إليه في كلام المؤلف، المؤلف يقول: رحمه الله أو وصل إلى جوفه شيء من أي موضع كان، أي من أي جهة كانت سواء كان من الفم، أو من الأنف، أو من الأذن، أو من العين، أو تسرب شيء إلى الجوف من غير هذه الطرق، فالذي يفتح فتحة في الوهدة هذا ويوصل الطعام هذا وصل إلى جوفه شيء، كذلك الذي يضرب إبرة فيحقن الطعام إلى المعدة مباشرة وصل إلى جوفه شيء، فمن أي طريق كان إذا وصل شيء، وقول شيء هنا نكرة في سياق الشرط، فيعم كل شيء سواء كان نافعا أو غير نافع، سواء كان مما يحصل به الغذاء أو مما لا يحصل به الغذاء، إذا وصل إلى جوفه شيء من أي موضع كان، وهو عامد ذاكر لصومه فسد صومه.
وعلى هذا فإن ما يحقن في العروق هو في الحقيقة مما يحصل به الفطر، لأنه يصل إلى الجوف في كلام الفقهاء سواء كان مغذيا أو غير مغذ، وكذلك ما ينفذ أي ما له قوة نفوذ إلى البدن، ولو لم يصل من طريق الفم، وضربوا لذلك مثلا لو وطيء على ما وجد طعمه في حلقه، فإنه يفطر بذلك لكونه وصل أثر هذا الذي وطيء عليه بقدمه إلى جوفه مع أنه لم يأكل ولم يشرب، لكن في الحقيقة إن هذا الكلام فيه إشكال، إذ إن الله تعالى والنبي ﷺ ذكر المفطرات بالكلام البيّن الواضح الذي يدرك وهو الأكل والشرب، فما لم يكن أكلًا ولا شربًا، فإنه لا يفطر، ما لم يكن أكلًا ولا شربًا حتى لو وصل إلى الجوف فإنه لا يكون مفطرًا.
وعلى هذا فإن الإبر التي ليست في معنى الطعام، ولا في معنى الشراب وهي الإبر العلاجية لا تفطر، ولو كانت تصب في مجرى الطعام المعتاد، ومثله البخار واستنشاقه، وكذلك علاجات الصدر والربو، هذه الأبخرة التي تبخ في الفم وهي غازات مجموعة ليست مفطرة ؛ لأنها ليست بأكل ولا شرب، يبقى الإبر التي تقوم مقام الطعام والشراب وهي ما يعرف بالإبر المغذية، هذه الإبر المغذية ليست أكلاً ولا شربًا لكنها في معنى الأكل والشرب ما هي معنى في معنى الأكل والشرب؟ ماذا نقصد بأن في معنى الأكل والشرب؟
يعني تؤدي الغرض المقصود من الأكل والشرب في حفظ قوة البدن، هذا معنى قولهم في معنى الأكل والشرب، لكن في الحقيقة أنها ليست أكلا ولا شربا، فمن يأخذ المغذي لا يستغني أولا عن الطعام والشراب استغناء تاما، ولا يجد ما يجده الأكل والشرب من اللذة، فهي ليست كالأكل والشرب من كل وجه لكنها تغني لمدة على الأكل والشرب.
فلذلك ذهب جماهير الفقهاء المعاصرين إلى أن الإبر المغذية في حكم الأكل والشرب في حصول الفطر، فمن أخذها فإنه يفطر، لأنها في معنى الأكل والشرب، وذهب طائفة من الفقهاء المعاصرين إلى أنها ليست أكلاً ولا شرباً، وأنها لا تفطر، ولو كانت تحفظ قوة البدن، ويستغني بها الإنسان عن الأكل والشرب مدة، وهذا القول من حيث الوجاهة والقوة له حظ قوي من النظر، وذلك أنه ليس المقصود الاستغناء عن الأكل والشرب، قد يستغنى الإنسان عن الأكل والشرب من غير شيء، من غير أكل ولا شرب وغير شيء من قوة ذاتية يمنحها الإنسان، أو اشتغال معين يشغله على الأكل والشرب يستغني به لمدة.
ومثاله ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ" كان يواصل اليوم واليومين فنهاهم عن الوصال، فقال: لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" أخرجه البخاري (1966)، ومسلم(1103)، لو كان النبي ﷺ يأكل حقيقة ما يصدق أنه طعام وشراب، لمَ كان مواصلا وصائما، إنما قال أهل العلم مراده ﷺ يطعمني ويسقيني أي: يغنيني بما أجده من لذة العبادة والانقطاع والذكر عن الأكل والشرب، فليس كل ما قام مقام الأكل والشرب تحصل به قوة البدن يأخذ حكم الأكل والشرب، وهذا القول له حظ من النظر قوي، وهو أن الإبر المغذية ليست أكلا ولا شربا ولا يحصل به الفطر، لكن يعني نحن نذكر هذا القول من باب التفقه، وذكر الأقوال التي تكلم بها أهل العلم، وإلا فالذي يفتى به الناس ما انتهت إليه أقوال الفقهاء في المجامع وغيرها فيه ضبط، والظاهر أن من احتاج إلى مثل هذه الابر المغذية يصدق عليه أنه مريض، فالفطر هنا متوجه للمرض والله تعالى قد قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] لكن عند التحقيق لو أن أحدا قال: هل يلزمني القضاء أو لا؟
المسألة فيها تردد بالنسبة لما انتهيت إليه، والقول بعدم وجوب القضاء له حظ من النظر قوي على كل.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومن أكل أو شرب أو استعط أو وصل إلى جوفه من أي طريق كان شيئا من أي موضع كان فسد صومه).
إذًا الآن المؤلف ذكر الأكل والشرب (أو اسعط أو وصل) كل هذا ملحق بالأكل والشرب.
إذًا الآن كم ذكر من مفطر أربعة ولا اثنين؟
ذكر اثنين، الأكل والشرب وأما بقية المذكورات، فهي لكونها في معنى الأكل والشرب أي تؤدي ما يؤدي إليه الأكل والشرب، فالأكل والشرب هما المفطران، وكذلك إذا وصلت هو في حكم الأكل إذا وصل إلى جوفه شيء، فهو في حكم الأكل في الفطر، إن شئتم أن تعدوها كل مسألة عن انفراد، أكل أو شرب أو استعاط أو وصل إلى جوفه، ذكر أربع صور، الصورة الأولى: الأكل والشرب والاستعاط ووصول شيء إلى جوفه من أي طريق كان.
قال: (أو استقاء).
استقاء أي: طلب خروج القيء، استقاء المقصود بها طلب خروج القيء، وهو من الاستفعال وهو طلب الفعل استفعل طلب الفعل، استقى أي: طلب خروج القيء، وهو ما في جوفه، طلب خروج ما في جوفه، القيء له حالان: إما أن يخرج بطلب ومعالجة من الإنسان، وإما أن يخرج من غير اختيار، إذا خرج بطلب ومعالجة من الإنسان على أي صورة كانت، لو وضع إصبعه، استنشق رائحة، نظر إلى شيء يغثيه ويهيج خروج الطعام، كل هذه الصور واحدة المقصود أنه فعل ما يخرج به ما في جوفه، هذه الصور كلها تندرج تحت قوله: من استقاء، فقاء.
الحال الثانية: أن يخرج ما في جوفه من غير طلب، إنما خرج كرها، إن كان الخارج من غير طلب، فقد حكي الإجماع على أنه لا قضاء عليه، إذا خرج ما في الجوف من غير طلب، فالإجماع قد حكي على أنه لا قضاء عليه، وأما إذا استقاء وطلب خروج في جوفه، فحكي الإجماع على أنه يفطر، وهذا الإجماع غير منضبط لوجود الخلاف، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لم يوجب القضاء على من استقاء، وجاء في السنن ومسند أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيءُ فليس عليه قضاءٌ» أخرجه أبو داود (2380)، وابن ماجة (1676)، وأحمد (10463)، قال الترمذي: حسن غريب روي من غير وجه ولا يصح إسناده. سنن الترمذي(720) القيء ذرعه يعني خرج من غير اختيار، فلا قضاء عليه «ومن استقاء عمدًا فليقضِ» فأوجب النبي ﷺ القضاء على من استقاء، إلا أن هذا الحديث في إسناده ضعف، فالعلماء على تضعيفه وعدم صحته، ولكن ابن المنذر وغيره حكوا الإجماع على مضمون هذا الحديث، وعليه فيقال لمن طلب خروج القيء أنه يفطر وعليه القضاء.
خروج القيء إما أن يفعله لحالة مرضية كالمرأة التي في أول حملها، أو الإنسان المريض، أو من وجد في معدته ثقلاً لأكل أو شيء، فاحتاج إلى إخراج ما في جوفه، فهنا معذور بفطره، فعليه القضاء لكن إن فعله من غير عذر، فهذا آثم بفعله، لأنه أفسد صومه من غير عذر، فهو كما لو أكل أو شرب أو ما أشبه ذلك من الأفعال.
قال رحمه الله: (استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى فكرر النظر حتى أنزل).
تتعلق بالشهوة والشهوة أعلاها في حصول الفطر الجماع، وقد تقدم الكلام على ذلك فيما سبق في الباب السابق، والمؤلف هنا ذكر صورا من الشهوة دون الجماع، الجماع مفطر بالاتفاق لحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق وللآية: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ [البقرة: 187] بقية صور الاستمتاع هي مما يندرج في الشهوة، لكنها ليست كالجماع في الحكم من حيث وجوب الكفارة ووجوب القضاء عن القول بوجوب القضاء، يعني هناك فروق، الفرق أن الفطر بالجماع هو أظن المفطرات تجب به الكفارة ما عدا ذلك، فإنه لا يجب بها الكفارة كما تقدم الإشارة إليه.
قال: (أو استمنى)
والاستمناء هو طلب خروج المني بأي صورة كان، سواء كان ذلك باليد، أو بفراش، أو بأي نوع من أنواع إخراج المني، وهو فعل من الإنسان.
قال: (استمنى أو قبل أو لمس).
قبل أو لمس، لكن هذا التقبيل مقصودهم به التقبيل الذي يحصل لشهوة، أما لو قبل أمه، أو أخاه، أو صاحبه، أو المرأة قبلت المرأة، بل حتى لو قبل زوجته من غير شهوة، فإنه لا يدخل فيما يذكر المؤلف رحمه الله.
قال: (أو لمس).
يعني لمس تحصل به الشهوة، ولذلك قال: وأما المذي فخروجه لا ينقضي به الشهوة، أما من حيث الصفة فمعلوم الفرق أن صفة الخروج أن المذي يخرج لزجا غير دافق، وأما المني فيخرج دفقا، هذا الفرق بينهما، على كل نحن لا نريد أن ندخل في الفروق، لأن هذا مما يتعلق بباب الطهارة المقصود أن الفرق بين المني والمذي واضح في الصفة والغاية وطريقة الخروج، وأما ما يتعلق بالحكم بالنسبة للصيام فهو على المذهب واحد
نقف على هذا والله تعالى أعلم.