الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
قال رحمه الله: (أو كرر النظر حتى أنزل).
لماذا فصل المؤلف التكرار نظر حتى أنزل، عن الاستمناء والتقبيل واللمس؟
الفرق بينهما أن الاستمناء والتقبيل واللمس أو أمنى أفطر، أمنى تكرار النظر، فإنه لا يفطر إلا بالإمناء، فلو أمذى لا يفطر بذلك، والعلة في ذلك قالوا: إن النظر لا يحصل معه فعل، بخلاف اللمس والتقبيل والاستمناء هناك فعل تحصل به الشهوة، ولذلك فرقوا بين الصورتين.
قال: (أو احتجم عامدا).
ذكر المؤلف رحمه الله بعد ما يتعلق بمفسد الشهوة الحجامة.
قال: (أو احتجم)
والاحتجام مأخوذ من الحجامة وهي إخراج الدم على صفة معروفة، إخراج الدم من البدن على صفة معروفة، والحجامة ورد فيها نصوص تثبت الفطر لمن فعله، من ذلك وهو أمثل الحديث حديث شداد بن أوس عند أحمد وأصحاب السنن أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجمُ والمحجومُ» أخرجه أبو داود (2367)، وابن ماجه (1680)، وأحمد (22503)، حديث صحيح. الاستذكار لابن عبد البر(3/206) وقد جاء هذا الحديث عن ثوبان، وعن جماعة من الصحابة لكن أمثل هذه الأحاديث كما يقول أحمد وغيره أمثلها حديث شداد بن أوس، وكذلك يليه حديث ثوبان، فهذا الحديث أفاد الفطر بالحجامة، وهذا الفطر للحاجم والمحجوم، وجاءت أحاديث تدل على عدم الفطر، منها حديث ابن عباس في الصحيح، في صحيح البخاري "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" صحيح البخاري(5694) وهذا يدل على أن الحجامة لا تفطر، فلما جاءت الأحاديث التي فيها أنه احتجم اختلف العلماء، فمنهم من قال: إن الحجامة مفطرة وهو مذهب الحنابلة، وجماعة من الصحابة والتابعين. المغني لابن قدامة(3/120)، والإنصاف للمرداوي(3/303)، والروض المربع للبهوتي(2/22)، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وعائشة، والحسن، وعطاء، وابن سيرين، والأوزاعي، وأبو ثور. ينظر المجموع للنووي(6/349)، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني(4/174).، ومنهم من قال: إن الحجامة لا تفطروهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والظاهرية، وجماعة من الصحابة والتابعين. البناية شرح الهداية(4/40)، وشرح مختصر الطحاوي للجصاص(2/434)، وبدائع الصنائع للكاساني(2/107)، والفواكه الدواني للنفراوي(1/308)، وإرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك لشهاب الدين المالكي(3/39)، والمجموع شرح المهذب للنووي(6/349)، وروضة الطالبين للنووي(2/357)، والمحلى(4/335).، ومنهم من قال: إن الحجامة مكروهة للصائم، وليست مفطرة، وهذه أقوال وكل صاحب قول احتاج إلى أن يجيب على أحاديث أخرى، فمنهم من أجاب بالنسخ، قالوا: أحاديث الحجامة تنسخ ما جاء عن النبي ﷺ، والذين يقولون: لا تفطر فعله ينسخ، في الصحيح أنه لا ينسخ لأنه لا يمكن إلا بالعلم بالتاريخ وليس هناك تاريخ واضح يمكن أن يقال أن هذا نسخ، وعليه فإن أقرب الأقوال في ذلك أن يقال: إن الحجامة مكروهة، وليست مفطرة، وجه كراهتها أنه قد تفضي إلى الفطر.
فقوله: أفطر الحاجم والمحجوم أي: أوشكوا على الفطر، فقاربوا الفطر وذلك أن الحاجم وهو الذي يمص الدم قد يصل إلى حلقه، ويفطر به، والمحجوم قد يضعف بخروج الدم منه فيحتاج إلى الفطر.
وأما احتجامه فهو دال على عدم الفطر، وهذا هو قول الجمهور وأهل العلم من المالكية والحنفية والشافعية، ومذهب الحنابلة أن الحجامة تفطر، والذي يظهر أن الحجامة لا تفطر، وأنها مكروهة للصائم، لكونها قد تفضي إلى الفطر، قد يضعف مع الإنسان وتفريقه، وبهذا تشتمل الأحاديث. التي فيها أفطر الحاجم والمحجوم، والأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
إذا كان الحجامة ما فيها مص، فالحاجم غير مفطر، لأنه لا يستعمل مص، أو يكون الفطر متعلق بالمحجوم.
خروج الدم بغير الحجامة هل يفطر؟
الجواب: لا يفطر، خروج الدم بأي صفة غير الحجامة لا يفطر، من أهل العلم من ألحق خروج الدم بالتحليل ألحقه بالحجامة، والصواب أنه ليس كالحجامة، ولا يلحق بها، لأن خروج الدم بالتحليل من حيث الكمية قد يكون مختلفا، وليس حجامة، والنص جاء في الحجامة، وعليه فإنه لو فصد عرقا ونزف، فإنه لا يفطر، وكذلك لو سحب من دمه، فإنه لا يفطر سواء كان ذلك لتحليل أو لتبرع أو لغير ذلك من الأسباب التي يؤخذ الدم لأجلها، فهذه لا تلحق بالحجامة على الصحيح.
قال: بعد أن فرغ المؤلف من ذكر جملة من المفطرات، الأكل والشرب وما يلحق بهما والشهوة والحجامة.
قال: (عامدا ذاكرا).
عامدا هذه من الفاعل، يعني حال كونه عامدا، والعمد هو القصد والاختيار في الفعل.
وقوله: (ذاكرا).
يعني غير ساهٍ ولا زاهي، إنما حاضر الذهن، لأنه صائم إذا فعل ذلك عامدا ذاكرا لصومه فسد، فإن فعله غير عامد أو مكره، فإنه لا يفطر، وإن فعله ناسيا، فإنه لا يفطر وهذا يشمل جميع المفطرات المتقدمة، دليل اشتراط العمد والذكر ما جاء من الأحاديث، ومن أشهرها حديث «رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهوا عليهِ» أخرجه ابن ماجه (2045)، وابن حبان (7219)، والطبراني في المعجم الأوسط(8273)، قال ابن الملقن: ثابت على شرط الشيخين. شرح البخاري لابن الملقن(25/276) الحديث جاء من طرق عن جماعة من الصحابة، إلا أن أسانيده لا تخلو من ضعف والحجة ليس في أفراد هذه الأحاديث إنما في مجموعها.
ولذلك الإجماع منعقد على معنى هذا الحديث، كما أن الأدلة دلت على ما في هذا الحديث قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] وبخصوص الصيام جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَن نَسِيَ وَهو صَائِمٌ، فأكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فإنَّما أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» أخرجه البخاري (6669)، ومسلم (1155)..
وجه الدلالة في الحديث قال: فليتم صومه، ثم قال: فإنما أطعمه الله وسقاه، فأضاف الفعل لله تعالى، فدل ذلك على أن الإنسان لا يؤاخذ، وأن يصح صومه، لأنه لم يفعل ما يوجب الفطر.
قال رحمه الله: (فسد).
أي: فسد الصوم، وإذا فسد، فإنه يجب عليه القضاء وهو آثم إذا كان عامداً ذاكرا، وتقدم مسألة القضاء وأن من أفسد الصوم متعمدا، فالعلماء لهم في هذا قول، من أفسد صومه متعمدا قول على أنه يجب عليه القضاء، والقول الثاني أنه لا ينفعه القضاء.
أما مسألة الكفارة فالكفارة هذه أيضا فيها خلاف، فمنهم من يوجب الكفارة في جميع المفطرات، ومنهم من يقصرها، وقول الجمهور على الإجماع فقط.
الذي يوجب الكفارة في جميع المفطرات من؟
من العلماء الإمام مالك رحمه الله.
قال رحمه الله: (وإن فعله ناسيا)
الآن بعد أن ذكر المؤلف الذكر والعمد جاء به مصرحا بمفهوم الكلام السابق، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد صومه.
ثم قال: (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو تمضمض، أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء أو فكر أو أنزل أو قطر في إحليله أو احتلم أو ذرعه القيء لم يفسد صومه).
كل هذه الصور فيها ما يحصل بالفطر، لكن من غير اختيار.
قال رحمه الله: (وإن طار إلى حلقه، وإن فعله ناسيا أو مكرها لم يفسد صومه).
وإن طار إلى حلقه ذباب ومثله كل شيء، الذباب مثال أو غبار أو تمضمض أو استنشق، فوصل إلى حلقه ماء من غير اختيار، أو فكر فأنزل، فكر بما يثيره حتى حصل منه الإنزال، وهذه المسألة على التفكير الذي يفضي للإنزال، المؤلف أطلق القول قال: أو فكر فأنزل سواء استرسل مع هذه الأفكار أو لم يسترسل، والأفكار نوعان، أفكار تطلب أفكار تهجم، قد يهتجم عن الأفكار ولا يستطيع دفعها حتى يحصل منه الإنزال في هذه الحال ليس عليه شيء، لأنه لم يتكلم ولم يعمل، والنبي ﷺ قال: «تَجَاوَزَ اللهُ عن أُمَّتي ما حدَّثَتْ به أنفسَهَا ما لَمْ يَتكلَّمْ بِهِ أو تَعْمَلْ بِهِ»أخرجه الطبراني (18/216) (539)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء(3/310)، وتمام في ((فوائده)) (342)، قال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ(2/1134): فيه سلام بن سليمان منكر الحديث. وهذا الذي هجم عليه الفكر حتى حصل من الإنزال لم يعمل ولم يتكلم.
الصورة الثانية أن يطلب الفكر ويسترسل مع الفكر حتى يحصل الإنزال هذا في الحقيقة المؤلف يقول: ليس عليه لا يفطر، والصواب أن يفطر لماذا؟
لأن الفكر فعل فهو لم يعمل ولا يتكلم، لكن أعمل ذهنه، لم يعمل ببدنه شيء، لكنه عمل بذهنه حتى أفضى إلى ما يفسد صومه، وقد قال النبي ﷺ في سر ما يعظم به بأجر الصوم يدع طعامه وشرابه وشهوته، هذا ما ترك شهوته فالذي استمر مع الأفكار حتى أنزل هذا ما ترك شهوته.
ولذلك القول الثاني هو الأقرب إلى الصواب هو أنه إذا استرسل مع الأفكار مع إمكان دفعها أو أنه طلبها، فإنه يفطر بذلك، لأنه عمل ولم يدع شهوته من أجل الله تعالى.
قال: (أو قطر في إحليله)
يعني قطر في ذكره، التقطير بالإحليل لا يفطر مع أنه يصل، ولذلك قال: لو قطر في إحليله أو وصل إلى جوفه شيئا من طريق إحليله، فإنه لا يفطر بخلاف ما لو أوصل إلى جوفه شيئا من طريق الدبر، فإنه يفسد، كذلك التحاميل.
ومثله أيضا الحقن الشرجية هذه التي تستعمل في بعض الأحيان، فلو أن إنسانا عنده إمساك أو أرادوا فحص القولون يحتاج إلى حقن شرجية تطهر أو تنظف المكان، هذه الحقنة التي يحقن به القولون هو في الحقيقة على المذهب يفطر، وقول الجمهور أنه يفطر هذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ، والمالكيَّة، والشَّافعيَّة، والحَنابِلة. المبسوط للسرخسي (3/62)، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي(1/425)، والمجموع للنووي (6/320)، وكشاف القناع للبهوتي (2/318)، والمغني لابن قدامة (3/121) ، والقول الثاني أنه لا يفطر وهو مَذهبُ الظَّاهريةِ, وقولُ طائفةٍ من المالكيَّةِ ومنهم ابنُ عبدِ البرِّ , وهو قولُ القاضي حُسينٍ منَ الشَّافِعيَّةِ، وبه قال ابنُ تَيميَّةَ. المحلى)) لابن حزم (6/203)، والمجموع للنووي (6/320)، والذخيرة للقرافي (2/505)، ومواهب الجليل للحطاب (3/346)، والكافي لابن عبد البر (1/345)، والمجموع للنووي (6/313)، والحاوي الكبير للماوردي (3/456)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (25/245). ، وهو الصحيح لأنه ليس أكلا ولا شربا، ولا في معنى الأكل.
قوله رحمه الله: (وقد تقطر في إحليله).
تبين المعنى، وأيضا الفرق بينه وبين ما يكون من الدبر، فإن ما يكون من الدبر يفطر دون ما يكون من الإحليل، والصواب أنه لا يفطر بهما جميعا لأنه لا دليل على الفطر بذلك.
ثم قال: (أو احتلم)
احتلم هو خروج المني في المنام، لأنه لا يفطر، لأنه غير مؤاخذ بذلك، والإجماع منعقد على أن الاحتلام لا يحصل به الفطر.
قال: (أو ذرعه القيء).
أي: خرج من غير اختياره قد تقدم لم يفسد صومه.
ثم قال: (ومن أكل يظنه ليلا فبان نهارا أفطر ومن أكل شاكا في غروب الشمس فسد صومه).
هذا نجعله إن شاء الله تعالى مبدأ درس غدا بإذن الله تعالى، وغدا تكون الإشارة لدرس التطوع وبعد غدا باب الاعتكاف بإذن الله.