الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
قال: (وصيامه يوم عاشوراء كفارة).
لاحظ أن المؤلف أولاً بدأ بصيام الأشهر، ثم بصيام الأيام المجموعات عشر ذي الحجة وست من شوال.
ثم بعد ذلك قال: (وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة)
صيام يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم، وصيامه قربى يشكر بها الله تعالى على ما حصل من إنجاء موسى وإهلاك فرعون، وهو مما كان النبي ﷺ يأمر به ويحث عليه في أول الأمر، ثم جاء الندب إلى صيامه ببيان الفضل وأنه كفارة سنة أي: يحط الله تعالى به الخطايا لعام كامل، وهذه الكفارة عند جمهور العلماء للصغائر دون الكبائر، والذي يظهر أنه يمكن أن تحمل هذه النصوص على أنه كفارة للصغائر والكبائر، فالتكفير جاء في النصوص على نحوين، إما تكفير مطلق كقوله ﷺ: «مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» أخرجه البخاري (2014)، ومسلم (760) ، وإما تكفير مقيد بالصغائر كما قال النبي ﷺ: «الصَّلواتُ الخمسِ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانَ إلى رمضانَ، والعمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهنَّ إذا اجتنُبتِ الكبائرُ»صحيح مسلم(233) فهذا تكفير مقيد باجتناب الكبائر، فجماهير العلماء حملوا ما جاء مطلقا على ما جاء مقيدا فقالوا: التكفير إنما يكون للصغائر، وأما الكبائر فإنها لا تكفر إلا بالتوبة منها، وعلى هذا جماهير أهل العلم.
والقول الثاني أنه يبقى ما أطلقه الله على إطلاقه، وما قيده يبقى على تقييده، والذي يقرب من هذين القولين: أنه يبقى ما كان مقيدا على تقييده، وما كان مطلقا على إطلاقه.
وأما قول من قال: بأنه إذا كانت هذه العبادات الجليلة الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان لا تقوى على تكفير الكبائر، فكذلك ما جاء مطلقا لا يقوى على تكفير الكبائر نقول: باب الأجور والثواب لا قياس فيه، فقد يرد عمل يسير، يرتب الله تعالى عليه من الأجر الشيء الكبير فلا قياس في موضوع الأجور والثواب.
ولذلك لما اعترض في المثل المفروض اعترض أصحاب العمل الأول والعمل الثاني على إعطاء أصحاب العمل الثالث، وهم المسلمون الذين عملوا من بعد العصر إلى الليل أعطاهم الله تعالى، أعطاهم مستأجرهم، أعطاهم أجرين وهو مثال لمضاعفة أجر هذه الأمة ما بخسهم من حقهم شيئا، فالمضاعفة كانت ثابتة مع قصر المدة مع قصر مدة العمل، فالأجور ليست من بابه لا يدخل فيها القياس أجور الأعمال لا يدخل فيها القياس.
ولذلك ينبغي أن يبقى ما أطلقه الله تعالى على إطلاقه، ولا يقيد في هذا الحال لأن فضل الله واسع ومنه كبير جل وعلا، هنا من يطمع من الله تعالى أن يكون ما أطلقه على إطلاقه يشمل الصغائر والكبائر.
فقوله: وصيام يوم عاشوراء كفارة بها تفيد ماذا الكفارة؟
تفيد حط السيئات وسترها الكفارة مأخوذة من الكفر وهو الستر، فالله تعالى يستر على العبد بهذا الصيام كما أنه يتجاوز عنه فالكفارة تتضمن أمرين، تتضمن الستر وتتضمن ماذا؟ التجاوز تتضمن الستر على العبد، وتتضمن التجاوز عنه فيما وقع من خطأ، صيام عاشوراء كفارة سنة، هذه الفضيلة كفارة سنة جاء في حديث أبي قتادة وغيره، وهذه الكفارة ثابتة في هذه الأحاديث هل هي لصيام اليوم منفردا؟
الجواب: نعم من صام يوم عاشوراء منفردا أدرك الفضيلة، لكن يسن لمن صام عاشوراء أن يصوم قبله يوما؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس عندما قيل له: إن اليهود يصومون العاشر قال: لإن أدركت العام القادم لأصومن التاسع يعني مع العاشر وفهم الظاهرية، ومنهم ابن حزم أنه يصوم التاسع منفردا فعنده الفضيلة تتعلق بصيام التاسع، لكن هذا الفهم مغلوط، لأن أصل وسبب الصيام هو في اليوم العاشر، وإنما قال: لأصومن التاسع يعني لأجل المخالفة، وليس أنه ينقل الصيام من العاشر إلى التاسع.
صيام يوم عاشوراء ذكر بعض العلماء له مراتب قالوا: صيامه أن يصوم ثلاثة أيام، والمرتبة الثانية أن يصوم يوما قبله، والمرتبة الثالثة أن يصوم يوما بعده، هذه ثلاثة مراتب ذكرها الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن القيم، وذكر ابن القيم في زاد المعادزاد المعاد(2/72).
والذي يظهر أن صيام عاشوراء على مرتبتين، المرتبة الأولى أن يصوم العاشر وقبله يوما وهو التاسع، والمرتبة الثانية أن يصوم العاشر منفردا، وأما صيام الثلاثة أيام فليس عليه دليل، ولا ينبغي أن يقال: أنه من مراتب صيام عاشوراء، لأن هذا إحداث فأين الدليل أنه يسن صيام يوم قبله ويوم بعده، لا سيما إذا كنا نريد أن نحث الناس ونقول لهم صوموا لأن الناس إذا قلت له صم ثلاثة أيام قال: لا، ما أنا صائم فلماذا نحن نطول الموضوع، الفضيلة في صيام يوم عاشوراء فينبغي أن يندب الناس إلى صيام يوم عاشوراء ثم يبين لهم أن من السنة أن يصوموا يوما قبله، ولكن من قصرت همته وأراد فقط إدراك الفضيلة فليصم يوم عاشوراء ويكفي، الآن بعض الناس يصوم الناس أربعة أيام يوم عاشوراء، ولأجل الاحتياط في مسألة الهلال أهل أو ما أهل، يصوموهم يوم قبل هذا يا أخي من التعمق المذموم حقيقة، الفضيلة جاءت في صيام عاشوراء، ولسنا أحرص على الخير من النبي ﷺ وأصحابه، ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يصومون هذه الجملة من الأيام ولا يندبون الناس إلى صيام هذه الجملة من الأيام، فينبغي أن يبين ومسألة تقدم الشهر وتأخر الشهر نحن نقول: من أراد الاحتياط أن يفعل ما يشاء يجب أن يصوم محرم كاملا حتى يدرك عاشوراء ما عندنا مشكلة لكن في ندب الناس وبيان ما الذي ينبغي أن يفعلوه، ينبغي أن يبين أن الفضيلة تدرك بصوم يوم، إذا كان الشهر ناقصا، إذا كان الشهر لم يثبت برؤية، فالأصل تمام شهر ذي الحجة، وعليه فإنه يصوم العاشر ابتداء من تكميل شهر ذي الحجة، لأن الأصل تمام الشهور إذا ثبتت الرؤية؛ فليعمل بالرؤية.
والواقع الآن أنه ليس هناك عمل بالرؤية لا يراعى قليل ما تثبت أو تعلن الرؤية، بل لا تعلن الرؤية إنما الرؤية قد تعلن من سؤال بعض القضاة أو بعض المهتمين فيقال ثبت عندنا الشهر لكن لا يعلن على وجه العموم فما هو العمل؟
العمل في هذه الحال نحن نقول: إذا لم يكن هناك طريق لمعرفة دخول الشهر إلا الحساب؛ فليصار إلى الحساب في هذه الحال، لأن الحساب يعطي نوع ظن، وعليه فإنه ينبغي العمل بالتقويم، فما وافق العاشر في التقويم سواء تم الشهر أو لم يتم، فإنه يعمل به.
القول الثاني: إنه إذا كان الشهر في التقويم ناقصا، ولم تثبت رؤية، فإنه ينبغي أن يتمم الشهر، لأنه الأصل تمام الأشهر، والذي يقرب عندي من هذين القولين أن يعمل بالتقويم، إذا لم يكن هناك رؤية معتمدة، لأنا نصير إلى العمل بالحساب على وجه الظن، والعمل بالحساب في الواقع أنه كثيرا ما يصيب، وعليه فإننا نصير إليه، لأنه لم يحصل عندنا رؤية نعتمدها فمتى يكون عاشوراء؟
عاشوراء ما وافق التقويم، هذا الذي يصار إليه في قضية هذه الفضيلة، لأنه كثيرا ما يحصل اشتباه، وهذا يرُدُّ على هذا في الجرائد، وذاك يجيب على رد هذا، وتحصل يعني ما يحمل الموضوع كل هذا الإزعاج يعني هي أصلا سنة، لو ما صامها الناس ما نقصهم شيء من جهة حصول الألفة والاجتماع، فلو صاموا مختلفين لكان في ذلك من الشر أكبر من ألا يصوموا، أو أن يصوم كلٌّ حتى بما يرى، ولا داعي أن يدخل أهل العلم في مهاترات، وهذا بلاء متكرر.
ولذلك أحببت أن أنبه إليه لما جاء ذكر الصوم في قوله: وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة.
إذًا مراتب الصيام كم؟
مرتبتان: صيام عاشوراء ويوم قبله، والمرتبة الثانية أن يصوم عاشوراء منفردا في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: "صوموا يوما قبله أو يوما بعده".أخرجه أحمد (2154)، والبزار (5238)، وابن خزيمة (2095)، سنده ضعيف، وله متابعة . إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري(3/81)، لأن هذا الحديث ضعيف باتفاق المحققين، وعليه فإنه لا يعمل به ولا يقال: إنه يندب أن يصوم اليوم الحادي عشر، ومن أراد أن يصومه لنفسه أو يكمل ثلاثة أيام من كل شهر هذا شأنه، لكن ليس هناك فضيلة متعلقة بعاشوراء هذا البحث الذي نبحث به، هل هناك فضيلة تتعلق بعاشوراء في صيام يوم بعده؟
الجواب: لا، الفضيلة المتعلقة بعاشوراء تحصل بصيام العاشر والتاسع، فإن لم يصم التاسع فليصم العاشر ليدرك الفضيلة.
قال رحمه الله: (والصائم المتطوِع أمير نفسه).
هذا بعد أن فرغ من ذكر الأيام التي يندب إلى صيامها، انتقل إلى بيان حكم الصيام، حكم صيام التطوع في وجوب إتمامه، قال: الصائم المتطوع أمير نفسه يعني لا يلزمه المضي في الصوم، بل يجوز له أن يفطر.
ولذلك قال: (إن شاء صام وإن شاء أفطر)
يعني إن شاء أتم صومه، وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه، والقول الثاني أنه إذا شرع في الصيام يجب عليه الإتمام، والقول الثالث أنه يكره له الإفطار إلا لحاجة.
والذي يظهر أنه أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر لما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليهم يوما فقالوا: «أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقالَ: أَرِينِيهِ، فَلقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فأكَلَ»صحيح مسلم(1154) ﷺ وهنا ليس هناك سبب ظاهر في أنه أفطر ﷺ أو أكل من هذا الطعام الذي أهدي إليه، فدل ذلك على أنه يجوز الفطر، وأن الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء فطر.
قوله: (ولا قضاء عليه).
يعني لا يلزمه القضاءمنهاج الطالبين للنووي (ص: 79)، ومغني المحتاج للشربيني (1/448)، والإنصاف للمرداوي (3/249)، قال ابن رشد: (وأجمَعوا على أنَّ مَن خرَج من صلاة التطوُّع، فليس عليه قضاءٌ فيما علمت) ((بداية المجتهد)) (2/75).، وهذا خلافا لما ذهب إليه مالك وغيره من أنه يلزمه القضاء في النفل، لأنه شرع في عباده، فعليه قضاؤها لأنها تلزم بالشروع، والصواب أنه لا يلزم كما هو قول الجمهور أنه لا يلزم شيء بالشروع إلا الحج والعمرة، وأضاف شيخ الإسلام رحمه الله الجهاد وألحق به أيضا طلب العلم، فجعل طلب العلم مما يلزم بالشروع، يعني إذا بدأ الإنسان يطلب العلم يلزمه أن يمضي في طلب العلم، والمضي هنا ليس معناه الاستمرار إنما معناه ألا يضيع ما حصل له.
وعلى هذا تحمل الأحاديث التي جاءت في السنن، وفي مسند الإمام أحمد من التحذير والتنفير من نسيان القرآن، فإنها محمولة على هذا المعنى، وهو أن يُهمل ويترك حفظ القرآن ويغفل عنه حتى يتفلت منه هنا يكون مذموما ومهددا بالوعيد الوارد في حديث أنس وغيره فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، فذاك يدل على أنه يلزم بالشروع إذا شرعت في تعلم علم إياك أن تضييعه.
وعلى كل حال الذي عليه الجماهير أن الذي يلزم بالشروع هو الحج والعمرة، وما عداهما فهو من مسائل الخلاف.
قال رحمه الله: (وكذلك سائر التطوع).
أي: ومثل ذلك سائر التطوع أنه لا يلزمه هو أمير نفسه، ولا يلزمه المضيف، بل له قطعه، وليس عليه القضاء، لكن الصواب أن صلاة ليس له قطعها إلا بسبب، لأنه شرع فيها وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] والخروج من الصلاة والعمل الصالح إلا ما ورد الشرع أنه يجوز الخروج منه يحتاج إلى دليل استثنائي من هذه الأعيان.
قال: (إلا الحج والعمرة).
لأن الله تعالى أمر بإتمامهما قال: فإنه يجب إتمامهما لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وقضاء ما فسد منهما، لأنه بذلك يحصل الإتمام، وبه أفتى صحابة رسول الله ﷺ وذهب طائفة من أهل العلم أنه يجب الإتمام دون القضاء، وذهب طائفة إلى أنه إذا أفسد، فإنه لا يجب الإتمام، والذي يظهر أنه يجب الإتمام كما هو قول الجمهور البحر الرائق لابن نجيم (3/ 17)، وتبيين الحقائق للزيلعي (2/ 57)، والتاج والإكليل للمواق(3/ 167)، والمجموع للنووي (7/ 388)، وشرح منتهي الإرادات للبهوتي(1/ 549) ، والقضاء قال النووي: (يجب على مُفْسِدِ الحَجِّ أو العُمْرةِ القضاءُ بلا خلافٍ، سواءٌ كان الحجُّ أو العُمْرةُ فرضًا أو نفلًا). المجموع(7/389). لفتوى الصحابة رضي الله عنهم ونهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين بعد ما فرغ من ذكر ما يندب صومه، ذكر ما ينهى عن صيام ونهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم الأضحى، الفطر هو التالي لرمضان وهو أول أيام شوال، ويوم الأضحى هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وقد توافرت الأحاديث في هذا من حديث أبي سعيد وحديث عمر وجماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، والإجماع منعقد على ذلك.
قال: (ونهى عن صيام أيام التشريق).
لحديث عائشة وابن عمر أن النبي ﷺ لم يرخص في صيام أيام التشريق وهي الثالثة وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة إلا لمن لم يجد الهدي، إلا أنه رخص في صومها للمتمتع وهو من وجب عليه هدي لمتعة أو قران إذا لم يجد الهدي، فإنه يجب عليه أن يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، والأيام الثلاثة تشرع ويبدأ سبب وجوبها من الإحرام بالعمرة، وله أن يؤخر إلى أيام التشريق، فإذا جاءت أيام التشريق وليس عند هدي وجب عليه الصيام عند ذلك.
قال رحمه الله: (وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان).
هذا إشارة إلى أن ليلة القدر وهي أشرف ليالي رمضان، بل أشرف ليالي السنة لعموم الأمة ليلة القدر وهي الليلة التي يحط الله تعالى فيها الخطايا، من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه هي في الوتر في العشر الأواخر من رمضان، والعلماء رحمهم الله اختلفوا في تحديدها على أقوال تبلغ ثمانية وأربعين قولا، ومع ليالي رمضان ثلاثين ليلة، لكن خلاف تشعب حيث إن من العلماء يرى أنها في غير رمضان، والذي عليه الجماهير أنها في رمضان، وأنها في العشر الأخير منه كما جاءت بذلك الأحاديث، وأشار المؤلف رحمه الله إلى ذلك بقوله: وليلة القدر في الوتر يعني في الأفراد من العشر الأواخر من رمضان، وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف رحمه الله في باب صيام التطوع، باب الاعتكاف هذا نجعله إن شاء الله تعالى في الدرس القادم غدا إن شاء الله تعالى .