الصيام من عمدة الفقه

من 2025-12-24 وحتى 2027-12-22
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 103

التاريخ : 2025-12-23 06:11:53


الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.

فقال: (إلا المساجد الثلاثة)

الاستثناء، لأن المساجد الثلاثة فيها من الميزة والفضل ما ليس في غيرها، والمقصود بالمساجد الثلاثة مسجد الكعبة، ومسجد النبي ﷺ، والمسجد الأقصى، هذا المقصود بالمساجد الثلاثة، وإنما اجتمعت هذه المساجد بكونها مخصوصة بهذا الحكم، لما فيها من الفضيلة حيث إن مسجد الكعبة تضاعف فيه الصلاة، ولزومه ليس كلزوم غيره، وكذلك المسجد الأقصى فهو القبلة الأولى، وهو ثاني ما وضع في الأرض للعبادة والطاعة بعد المسجد الحرام، وأما مسجد النبي فلخصوصية النبي ﷺ وكون الصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواها إلى المسجد الحرام، لذلك خص المؤلف رحمه الله.

قال: (إلا المساجد الثلاثة).

فاستثنيت هذه المساجد إذا نذر الصلاة فيها، أو نذر الاعتكاف فيها، فإنه يفي بما نذر لأنه تشد رحاله إليها، ويفهم من هذا أن الاعتكاف لا يختص المساجد الثلاثة كما هو قول جماعة من أهل العلم، فإن الاعتكاف يكون في كل مسجد، قد ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد الثلاثة، وهذا القول لا تساعده الأدلة، كما أن ظاهر القرآن يخالفه وعمل الجماهير على خلافه المساجد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: 187] والألف واللام هنا للاستغراق فيصدق عليها أو يدخل فيها كل مسجد من المساجد، وتخصيص ذلك ورد في حديث حذيفة، لكنه حديث ضعيف الإسناد ومهجور العمل به، فلا تقوم به حجة والاعتكاف على هذا يكون في كل مسجد، لكن هذه المساجد لها من خصوصية مضاعفة الأجر من حيث تحقق الفضل أي المساجد أفضل في الاعتكاف؟

الذي يظهر أن المسجد الذي يتحقق به معنى الاعتكاف أفضل، لأن عندنا فضيلتين، الفضيلة الأولى المتعلقة بالعبادة نفسها، والفضيلة الثانية المتعلقة بمكانها.

الفضيلة الأولى المتعلقة بالعبادة نفسها ما المقصود من الاعتكاف؟ هل المقصود لزوم المسجد وانتهى الموضوع؟

المقصود الخلوة عن الشواغل ومناجاة رب العالمين، هذا هو المقصود، الاختلاء عن كل ما يشغلك عن الله تعالى، فكل مكان يحقق لك هذه الغاية وتصيب به هذا المقصود فهو أصل، قد يكون عندنا تعارض بين تحقيق المقصود وهو خلو القلب من الشاغل، وفراغ الفؤاد من الاشتغال بغير الله تعالى هذا المقصود يتعارض مع فضيلة المكان، سواء الاعتكاف في المسجد النبوي، أو الاعتكاف في مسجد مكة مسجد الكعبة، ففي هذه الحال أيما يقدم أو أيهما يقدر؟ ما يتعلق الفضيلة المتعلقة بالعبادة نفسها أو بمكانها؟

القاعدة التي ينبغي أن تشد عليها الأنامل، وتعقد عليها اليدين هي أن الفضيلة المتعلقة بالعبادة ذاتها مقدمة على الفضيلة المتعلقة بمكانها، وهذه لا تنساها وتطبيقاتها كثيرة يعني مثلا اليوم العصر لما دخلنا  لصلاة العصر في المسجد النبوي الصفوف تمشي ما تنتهي إلى صف إذا كنت قد أقيمت الصلاة وأنت لست في المسجد.

الآن هل تكبر وإذا خشيت فوات الركعة وتصلي في المكان الصف المتأخر أو تتقدم وتصل الصفوف فضيلة ثانية.

الفضيلة الأولى تتعلق بالصلاة نفسها، وهي أن تدرك الصلاة من أولها، والفضيلة الثانية تتعلق بمكانها وهو أن تتقدم في الصفوف الأولى أي الفضيلتين تقدم؟

الفضيلة الأولى وهي ما يتعلق بالعبادة نفسها، ومثله تماماً إذا كان الإنسان في الصف الأول، فينبهر ويندهش من هذه الزركشة والتجميل الموجود في الصف الأول، أو إذا كان في الحرم المكي بالطائفين يشتغل، وإذا كان في الدور الثاني تشتغل بالذي تحت، فهل يتأخر الصفوف الذي يفرغ قلبه من هذا الشاغل أو مسابق إلى فضيلة المكان؟

القاعدة أن الفضيلة المتعلقة بالعبادة ذاتها مقدمة على الفضيلة المتعلقة بمكانها، وعليه الاعتكاف في المسجد الحرام يتحقق به مضاعفة الأجر وما إلى ذلك من الفضائل المتعلقة بالمكان، لكن يبقى أن الاعتكاف في التجربة من كثير من الناس الذين يذهبون إلى المسجد الحرام يعني يحصل من الزحام والاشتغال وعدم الهدوء وعدم فراغ القلب ما يفوت المقصود من الاعتكاف، وإذا تأملت حالة النبي ﷺ كان يدخل معتكفه بعد الفجر، فيخلو بربه وينعزل عن الناس في الخباء الذي أعده لنفسه، اليوم ما تقدر تسوي لا خباء ولا غيره في المساجد المعمورة كالمسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ.

ففي هذه الحال الذي أندب إليه إخواني الراغبين في الاعتكاف ألا يعتكفوا في المسجد الحرام، إذا كان هذا سيفوت عليهم فراغ قلوبهم من الاشتغال بالله تعالى، فيفوت عليهم فراغ القلب الذي يحصل به الاشتغال بالله وذكره والأنس بمناجاته سبحانه وبحمده، يا أخي ابحث عن مكان تأنس به وتحقق المقصود من العبادة، ولو فاتك المضاعفة، فالمضاعفة ليست مقصودة، قد تحصل المضاعفة لإنسان بالصلاة في مكان، لكن ما يدرك من هذه الصلاة مقصودها وغايتها، وهي مناجاة الله تعالى، وإدراك هذا الطعم وهو طعم الخلوة بالله تعالى ومناجاته في حين لو أنه يعتكف في مسجد محطة يمكن أبرك له من حيث الخلوة بالله تعالى من أنه يعتكف في مسجد يكثر فيه الذاهبون والآيبون والمشتغلون بالحديث.

على كل حال الإنسان أدرى بنفسه، وإنما أحببت أن أنبه إلى ألا يشغلنا فضل المكان عن تحقيق مقصود العبادة، وهنا يتبين فقه الرجل ومدى استفادته من علمه، إذا كنت فقيهًا فانظر إلى ما يصلح قلبك، جاء رجل إلى الإمام أحمد فقال: يا أبا عبد الله، هو عرض عليه قائمة من الأعمال الصالحة، أيها اشتغل في أيها اشتغل؟ هل اشتغل بهذا أو بهذا من الأعمال الصالحة؟ قال: انظر إلى أيها أصلح لقلبك وخذ به. وهذا فقه دقيق وفقه يغوص على المعاني، ويفوّت النظر إلى الصور، فالصور ليست هي المقصودة في كل الأحوال، المقصود هو ما يتحقق به الصلاح القلب، ولذلك الإمام أحمد قال في الفضائل لهذا الرجل لما سأله عن فأي العمل أفضل؟ قال: انظر إلى قلبك أيها أصلح فخذ به، يعني أيها أصلح لقلبك، فاعمل به وهكذا ينبغي أن يكون منه.

فعلى كل حال يقول المؤلف رحمه الله: (واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل ومن نذر اعتكافه الصلاة في مسجد، فله فعل ذلك في غيره إلا المساجد الثلاثة).

فقال: (فإن نذر في المسجد الحرام لزمه).

لأنه لا يساويه غيره في الفضيلة والمكانة والمنزلة.

قال: (وإن نذر في مسجد المدينة، فله فعله في المسجد الحرام).

لأنه أعلى منه، ودليل هذا ما رواه أحمد وغيره من حديث جابر أن رجلا قال يا رسول الله: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال النبي ﷺ: صلي ها هنا، عاد الرجل مقالته فقال النبي : صلي ها هنا وهو في مكة، قال الرجل مقالته ثالثا، فقال: صلي ها هنا فقال الرجل لما كرر على النبي ثالثة قال: شأنك يعني افعل ما شئت أخرجه أبو داود (3305)، وأحمد (14919)، والدارمي (2384)، حديث صحيح. المجموع للنووي(8/473)، فدل هذا على أنه إذا نذر الإنسان اعتكاف في مكان، فله أن ينقله إلى ما هو أفضل وإلى ما هو أعلى، فإذا نذر أن يعتكف في مسجد المدينة، فله أن يفعله في مكة كذا إن نذر في بيت المقدس، فله فعله فيهما لكونهما أشرف وأعلى من المسجد الأقصى.

  

قال: (ويستحب للمعتكف الاشتغال بفعل القرب).

يندب للمعتكف وهو من لزم المسجد لطاعة الله تعالى، الاشتغال بفعل القرب وفعل القرب جمع قربى، والمقصود بها ما يقرب إلى الله جل وعلا من ألوان الطاعات وصنوف المبرات وأبواب الخير، وهذا لا ينحصر في ذلك، ولا يقف عند نوع من العبادة، بل يشمل كل عبادة من العبادات ضابطها وجامعها التي تكون في المساجد العبادات والطاعات التي تكون في المساجد.

قال: (واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل).

وذلك أنه ينبغي للمؤمن عموما أن يكون من خلقه، والاعتكاف فيه نوع من التربية في لزوم الطاعة، والقيام بها، وترك ما لا ينفع ويضر.

ولذلك قال المؤلف: (واجتناب ما لا يعنيه).

أي: ما لا يهمه ولا يخصه من قول وفعل، فيجتنب كل ما لا يخصه من الأقوال ومن الأفعال، وهذا فيه كف النفس عن الاشتغال بما لا ينفع.

  

قال رحمه الله: (ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه).

الآن بعد أن بين المؤلف رحمه الله حقيقة الاعتكاف، وبين حكمه، وبين أين يصح، وبين ما يتعلق بالأماكن التي يعتكف فيها، وما يشتغل به المعتكف، وما يجتنبه عاد إلى ذكر ما يخالف الاعتكاف. فقال: (لا يخرج).

معنى هذا أن الخروج ينافي صفة اللزوم، لكن لما كان لا بد له من أمور لا تكون في المسجد، فإنه نص على استثنائها وبين جواز ترك اللزوم لأجلها.

فقال: (ولا يخرج من المسجد).

يعني لا يترك ملازمة المسجد، والمسجد هنا المقصود به المكان الذي لزمه لطاعته، وليس المقصود جنس المساجد، وعليه فإنه إذا اعتكف في هذا المسجد ليس له أن يقول: لا والله خلينا نروح المسجد الثاني أو صوت الإمام ليس طيب ونروح المسجد الثاني اعتكف فيه، ليس له أن ينتقل، فإذا لزم الاعتكاف في مكان يجب عليه أن يمضي في المكان الذي لزمه، هذا إذا كان منذورا، أما إذا كان مسنونا، فالسنة تفوت بالخروج يعني إذا قال: والله اعتكف كل يوم في مسجد مرة في قباء، ومرة في المسجد النبوي ويطوف على مساجد المدينة، هذا في الحقيقة ما حقق السنة، لأن السنة هو أن يلزم مسجدا لطاعة الله تعالى، ولا يتنقل في المساجد.

فهنا قال: (لا يخرج من المسجد).

يعني حتى ولو كان لمسجد آخر لا يخرج من المسجد الذي لزمه للاعتكاف، ولو إلى مسجد آخر إلا لما لابد له منه، وهو ما لا يستغني عنه الإنسان مما لا يمكن التخلص منه، ولا يمكن فعله في المسجد والمشار به هنا قوله: إلا لما لا بد له منه البول والغائط وما شابههما مما لا يكون في المساجد وهذا بالاتفاق حكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يضر الاعتكاف قال ابنُ المنذر: (وأجمعوا على أنَّ للمُعتَكِفِ أن يخرُجَ من مُعتَكَفِه للغائِطِ والبول). الإجماع(ص50) ، ويجوز للمعتكف الخروج من المسجد للبول والغائط، وما كان في معناهما كالقيء مثلا وما أشبه ذلك من الأمور التي تصان عنها المساجد، فإنه يجوز الخروج لفعلها خارج المسجد.

ولذلك قال: (إلا لما لابد له منه).

وأدخل الجماعة من أهل العلم الأكل والشرب في قول إلا لما لابد له منه فقالوا: يجوز أن يخرج للأكل والشرب، لأن الأصل أن المساجد ليست محلًا للأكل والشرب، وبعضهم قال: إنه يخرج إذا لم يكن من يأتيه بطعامه وشرابه، فإذا وجد من يأتي بطعامه وشرابه، فإنه لا يخرج، والذي يظهر أنه لا بأس بالخروج حتى للأكل والشرب حتى لو وجد من يأتيه بالأكل والشرب، فليس من المنقول عن النبي ﷺ أنه كان يأكل ويشرب في المسجد، لن ينقل هذا، والمساجد نهى جماعة من أهل العلم عن الأكل والشرب فيها وعدوا ذلك من المحدثات وقالوا: إن المساجد لم تكن على هذه الصفة في زمن النبي ﷺ، إنما الأكل والشرب يكون في غير المساجد فيخرج إليها.

وعلى كل حال الأمر في هذا فيه سعة، ولكن ينبغي أن يعلم أن الخروج جائز، فإذا كان له من يأتيه بالطعام وأحب أن لا يخرج للطعام أو يأكل في جانب من المسجد أو في مكان معد في المسجد للأكل والشرب فذلك شأنه، لكن لا يلزمه لا نقول إذا كان هناك مكان معد وهناك من يأتيك بالطعام فلا يجوز لك الخروج، فلنقول يجوز الخروج ولو كان هناك من يأتيك بالطعام، لأن هذا من ما لا بد له منه وقد جاء في الصحيح من حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يخرج لحاجة الإنسان أخرجه البخاري(2029)، ومسلم (297) ، وحاجة الإنسان حاجة التي لا بد منها، ومن ذلك الأكل والشرب فيما يظهر.

قال رحمه الله: (إلا أن يشترط).

استثناء لقوله: لا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه إلا أن يشترط فإن يشترط، يجوز له الخروج وظاهر قول المؤلف إلا أن يشترط أنه يخرج لكل ما اشترطه، لكن ينبغي أن يعلم أن الشروط أنواع:

الشرط الأول: أن يشترط الخروج لعبادة كأن يشترط الخروج لاتباع الجنائز، أو لعيادة المرضى، أو لصلة رحم، أو لدعوة كأن يشترط أن يخرج للأمر بالمعروف والنهي المنكر في الأسواق، أو لكلمات في المساجد هذا نوع.

الثاني: أن يشترط مباحا لا يناقض الاعتكاف، كأن يشترط أن ينام في بيته أو أن يأكل ويشرب في بيته.  الثالث: أن يشترط مباحا ينافي الاعتكاف، كأن يشترط أن يخرج متى شاء، هذا لا يمكن أن يقبل منه لأنه منافي للاعتكاف.

الرابع: أن يشترط ما لا يحل للمعتكف، كأن يشترط الاستمتاع بأهله أو الجماع، فهذا لا يجوز.

إذًا عندنا هذه الشروط.

قوله رحمه الله: (إلا أن يشترط).

ظاهره الإطلاق، لكن هذا الإطلاق لابد من تقييده كما هو معلوم. فإلا أن يشترط مقصوده إلا أن يشترط طاعة أو أمرا مباحا لا ينافي الاعتكاف، هذا الذي ينفع فيه الشرط، فإذا اشترط طاعة فله شرطه، وإن اشترط مباحا لا ينافي الاعتكاف، فله شرطه، أما إن اشترط مباحا ينافي الاعتكاف أو ما يبطل الاعتكاف، فإنه لا يصح شرطه، لأنه تفوت بها حقيقة الاعتكاف أو يحصل به بطلاله فإذا اشترط الجماع، بطل الاعتكاف الله تعالى يقول: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: 187] وليس المقصود ولا تباشروهن وأنتم في المساجد، إنما وأنتم حال كونكم معتكفين ولا ما عاد يجامع زوجته في المسجد، المقصود يعني حتى لو خرج يعني حاجة فليس له أن يستمتع بأهله لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: 187].

أما اشتراط ما ينافي الاعتكاف من المباحات، فهذا أيضا لا يصح، لأنه إذا اشترط الخروج أو اشترط الاشتغال بالتجارة، أو اشترط التكسب كل هذه مباحات، لكنها تنافي الاعتكاف، فاشتراطها يخرج الاعتكاف عن معناه، إذ الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، فإذا اشترط الخروج للتكسب ما يلزم المسجد لطاعة الله تعالى.

بقي عندنا الشرطان والنوعان الأولان، وهما إذا اشترط طاعة، والثاني إذا اشترط مباح لا ينافي الاعتكاف اشترط طاعة مثل: أن اشترط الخروج لإتباع الجنائز هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في قوله: إلا أن يشترط فهذا يجوز اشتراطه في قول جماعة من أهل العلم ما دليلهم على جواز الاشتراط؟

دليلهم ما في الصحيح من حديث ضباعة بنت الزبير أنها قالت يا رسول الله: إن أريد الحج، وَاللَّهِ ما أَجِدُنِي إلَّا وَجِعَةً قال النبي ﷺ: "حجي واشترطي" أخرجه البخاري (5089)، ومسلم (1207)، وفي رواية أصحاب السنن فإن لك على ربك ما استثنيتِ يعني لك على الله تعالى ما اشترطتِ هذا معناه لك على ربك ما استثنيتِ فقالوا: هذا دليل على جواز الاستثناء في العبادة، ولكن هذا الدليل لا يستقيم في الحقيقة، وذلك أن هذا الشرط في حال خاصة وليس في حال مطلقة، فهي تجدها شاكية وتخشى ألا تتمكن من الإتمام، ومن لوازم الحج والعمرة أو من صفاتها الأصلية وجوب الإتمام، وأتموا الحج والعمرة لله، فلما اشترطت جاء الاشتراط لتتحلل من هذا الإتمام، وهذا الوجوب بخلاف الاعتكاف فإنه لا يلزم بالشروع، فهناك فرق بين الأصل وبين الفرع المقيس والملحق به، فالاعتكاف ليس لازمًا، يمكن للإنسان أن يعتكف ويخرج بلا إذن في خروجه إلا أن يكون الاعتكاف منذورًا، فيجب عليه قضاء ما نذر.

إذًا هناك فروق، ثم إن المرأة شاكية وهذا الرجل ليس بهذه الصفة، فليس هناك ما يمنعه من إتمام النسك أو إتمام الاعتكاف، ثم إن المرأة ضباع اشترطت أن تخرج من العبادة بالكلية، فإن لك على ربي ثم استثنيت إذا وقع الحابس خرجت بالكلية، تحللت، بخلاف المعتكف، وهو يشترط أن يخرج عن العبادة ويرجع إليها، فهناك فروق بين الصورة، ولذلك الاستدلال بهذا لا يصح.

وعليه فإن الأصل أنه لا يصح الاشتراط في الاعتكاف، سواء شرط طاعة، أو شرط مباحا، لأن كل اشتراط يخرج بالإنسان عما دخل فيه، فإنه لا في الاعتكاف، إذ الاعتكاف حقيقته كما تقدم لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، فكل اشتراط يخالف هذا الصفة هو خروج عن العبادة وعليه فإنه لا يجوز له أن يشترط للخروج لاتباع الجنائز ولا لغيره من الأعمال هذا فيما يظهر والله يعلم إلا أن يشترط.

 

قال: (ولا يباشر امرأته وإن سأل عن المريض وغيره).

ولا يباشر امرأته المباشرة المقصود بالمباشرة هنا كل أوجه الاستمتاع فسواء إن كانت بإنزال أو بغير إنزال فكل أوجه الاستمتاع تدخل في قوله: ولا يباشر امرأته لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة: 187].

قال: (وإن سأل عن المريض وغيره في طريقه ولم يعرج إليه جاز).

إن سأل عن المريض يعني إذا رجع إلى بيته، وكان فيه مريض، فسأل عنه من غير انقطاع عن سيره ولذلك قال: ولم يعرج إليه يعني لم ينقطع بالوقوف عليه جاز أي: لا ينافي ذلك صفة الاعتكاف.

بقي مسألة ما ذكرها المؤلف رحمه الله وهي مسألة الصوم هل يشترط الصوم للاعتكاف أو يصح الاعتكاف بلا صوم؟

هذه مسألة فيها قولان لأهل العلم، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم وذكروا في ذلك حديثا لا اعتكاف إلا بصوم، وهو عند أحمد وأصحاب السنن من حديث عائشة إلا أن الحديث لا يصح من حيث الإسناد.

وأما القول الثاني فهو صحة الاعتكاف بلا صوم، وهذا المذهب المشهور في مذهب أحمد، وهو مذهب الشافعي رحمه اللهالأم للشافعي(2/118)، والحاوي الكبير للماوردي (3/486)، وكشاف القناع للبهوتي (2/348)، والفروع لابن مفلح (5/145)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وقال الشَّافعي وأحمد بن حنبل، وداود بن علي، وابن عُلَيَّةَ: الاعتكافُ جائزٌ بغير صومٍ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز) التمهيد (11/200)، والمغني لابن قدامة (3/188)،والمحلى(5/186)، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد (ص295).، والقول الثاني ومذهب مالك كشاف القناع (2/ 348)، وبلغة السالك (1/542). ورواية في مذهب أحمد وهو قول أبي حنيفة أنه لابد من الصوم في الاعتكاف، والذي يظهر من هذين القولين أنه لا يشترط الصوم للاعتكاف دليل ذلك أن النبي ﷺ قال لعمر لما قال: إني نذرت أن اعتكف ليلة قال: "أوفي بنذرك" رواه البخاري (2032)، ومسلم (1656)، والليلة ليس محلا للصوم ولم يقل له حتى على رواية إني نذرت أن اعتكف يوما ما قال له: صم ولو كان الصوم لازما واجبا لبينه النبي ﷺ، وكون الاعتكاف يوافق الصيام في العشر الأواخر من رمضان، وفي فعل النبي ﷺ لا يدل هذا على لزومه وعلى وجوبه، بل يكون الاعتكاف بلا صوم، وهذا هو الراجح من قولي أهل العلم أنه يصح الاعتكاف بلا صوم هذه مسألة.

المسألة الثانية التي لم يذكرها المؤلف رحمه وهي مهمة مسألة ما أقل الاعتكاف؟

هذه المسألة للعلماء فيها أقوال، فمنهم من قال: إن أقل الاعتكاف المسنون، نحن نتكلم عن الاعتكاف المسنون غير المنذور أو المشروع المتعبد به من غير النذر عشرة أيام، لأنه الوارد عن النبي ﷺ ولم يرد عنه أنه اعتكف أقل من عشرة أيام، لأنه كان يعتكف في العشر الأخير من رمضان، ولما فاته ذلك في عام من العوام قضاه في شوال، فاعتكف عشرة أيام ﷺ هذا قول.

والقول الثاني: أن أقل الاعتكاف يوم وليلة، وقيل: أقل الاعتكاف يوم، وقيل: أقل الاعتكاف ليلة، وقيل: لا حد لأقله لا يصح في الاعتكاف ولو لحظة، وهذا قول جماعة هو قول جمهور أهل العلم أن الاعتكاف يصلح ولو لحظة، وهو ما يعني يفسر به العبارات التي تكتب على بعض المساجد انوي الاعتكاف إذا دخلت المسجد فانوي الاعتكاف في أحد أبواب المسجد النبوي مكتوبة هذه العبارة هذا مبني على هذا القول وأنه لا حد لأقله، والذي يظهر أن الاعتكاف المشروع أقله ما يكون لزوماً للمسجد على خلاف المعتاد، هذا أقرب ما يقال في أقل الاعتكاف أن كل مكث في المسجد يخرج عن المعتاد لأنه يكون اعتكافاً.

مثاله: إنسان دخل المسجد كدخوله إلى ما نحن الآن صلاة المغرب إلى العشاء هذا لزوم معتاد أو غير معتاد؟

هذا لزوم معتاد كثير من الناس إذا دخلت صلاة المغرب لا يخرج إلا بعد صلاة العشاء، فعلى هذا لا يكون اعتكافا، لو نوى الاعتكاف ما كان اعتكافا، لأنه لزوم معتاد، لكن لو أن أحد دخل المسجد بعد الفجر أو صلى الفجر، ثم مكث إلى الظهر هذا العكوف غير معتاد، فيكون هذا اعتكافا، وعليه فإن أقرب ما يقال في أقل الاعتكاف أنه كل لزوم للمسجد يخرج عن المعتاد، فإنه يكون اعتكافا، وأما الذي عليه الجمهور هو ما ذكرناه من أنه لا حد لأقله.

والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق