|
وأُقِرُ بـالْمِيـزَانِ وَالْحَوضِ الَّذِي |
|
أَرجُـو بأَنِّي مِنْـهُ رَيّاً أَنْهَـلُ |
المعتزلة ذهبوا إلى أن الميزان هو العدل، وليس هناك ميزان له كفتان ولسان يوزن به العمل.
وقد شن عليهم أهل الإسلام إذ إن هذا القول قد أجمع العلماء على رده وإبطاله.
وبعض المعتزلة استمسك بما جاء عن مجاهد من أنه قال "الميزان العدل " لكن هذا ليس فيه حجة فإن الميزان لاشك أنه من العدل ولذلك قال الله تعالى ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ سورة الأنبياء:47. حاسبين عدلاً، وحاسبين إحصاءاً، وحاسبين عداً ، لكن لا يعنى هذا أن يلغى ما دلت عليه النصوص من أن الميزان حقيقي.
مما يتعلق بالميزان موضع الوزن متى يكون؟.
فمن العلماء يقول: إن الوزن يكون في أرض المحشر.
ومنهم من يقول أن الوزن يكون قبل الحوض.
ومنهم من يقول أن الحوض أول ما يكون من أحوال ذلك اليوم إذا ارتفع الكرب، وزالت الشدة .
فنجعل هذه المسألة فيما يتعلق بمسائل الحوض.
هذا ما يتعلق بالمسائل في الميزان.
ثم قال:
|
وأُقِرُ بـالْمِيـزَانِ وَالْحَوضِ الَّذِي |
|
أَرجُـو بأَنِّي مِنْـهُ ريّاً أَنْهَـلُ |
الحوض أصله مَجْمع الماء ولذلك يقال حوض النخلة، و حوض الشجر وما أشبه ذلك.
فكل مكان سواء كان معداً بفعل الإنسان أو أنه بطبيعته اجتمع فيه الماء يسمى حوضاً.
فالحوض هو مجمع الماء والحوض مما بشر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كتابه، ومما دلت عليه السنة، وأجمع عليه أهل الإسلام، وأنه من مناقب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخصائصه.
أما دليله في الكتاب قول الله تعالى:﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ سورة الكوثر:1.، والكوثر نهر في الجنة كما جاء ذلك في "الصحيح" ولكن الحوض من هذا النهر يمد ، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة وحديث أبي ذر.
فإن فيه ميزابان يشخبان أي يصبان من الجنة أي في الحوض، وهو من نهر الكوثر، فيدخل في قول الله تعالى﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
وقد استدل بذلك أهل العلم على إثبات الحوض، استدل العلماء على إثبات الحوض بإعطاء الله تعالى الكوثر لأن الكوثر هو الخير الكبير في الدنيا والآخرة ومن ذلك ما يكون في أرض المحشر.
وأما ما جاء في السنة ففي أحاديث بلغت حد التواتر أخبر فيها النبي r عن حوضه وأنه فرط إلى الحوض، وأنه على الصفات التي سيأتي بيانها وتوضيحها فالسنة مليئة بذكر ذلك على وجه بلغ حد التواتر.
والحوض أصله في أرض المحشر، لكنهم اختلفوا في موضعه هل هو قبل عبور الصراط أو بعده ؟.
والذي يظهر من صنيع البخاري أن الحوض يكون بعد الصراط، واستدلوا لذلك بأن النبي r قال «وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا »صحيح البخاري"(7051)..
ومعلوم أن المار على الصراط الذي يصيبه من عذابها بقدر سيئاته يظمأ، وأشار البخاري إلى هذا حيث جعل باب الحوض بعد باب الصراط فجعل كلامه على الحوض بعد فراغه عما يتعلق بالصراط ونحوه مما يكون في أرض المحشر.
والمسألة في هذا قريبة لكن فيما يظهر أن الحوض يكون في أرض المحشر قبل الصراط.
هذا الظاهر ولا تعارض لأنه قد ينتفي عنه الظمأ من يعذب بالنار بسبب سيئاته في مروره على الصراط ينتفي عنه الظمأ لكن يعذب بعذاب آخر، لأن عذاب النار لا يقتصر على الظمأ، بل قد يكون هناك ألوان من العذاب أخرى ليس الظمأ منها.
فلا تعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم«وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
الحوض ورد في وصفه أحاديث عديدة منها ما في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فإنه ذكر صفة الحوض عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :« حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا» أخرجه البخاري (6579)، ومسلم (2292)..
هذا ما جاء في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
وفيه بيان شيء من أوصاف الحوض وبيان سعة هذا الحوض .
وجاء في "مسلم" من حديث أبى ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن طوله وعرضه سواء"صحيح مسلم" (2292)..
وفي رواية عبد الله بن عمرو في "الصحيح" قال النبي صلى الله عليه وسلم «وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ»"صحيح مسلم" (2292)..
وكل هذه الأوصاف لهذا الحوض العظيم الذي يكرم الله تعالى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكرم به الأمة فإن الناس يريدونه أشد ما يكونون حاجة إلى الماء.
ولذلك قال الناظم رحمه الله " أَرجُـو بأَنِّي مِنْـهُ ريّاً أَنْهَـلُ" أرجو أي أطمع وأأمل " بأَنِّي مِنْـهُ ريّاً أَنْهَـلُ " أي أشرب منه شرباً يحصل لي به الري ، والري ضد الظمأ وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم « مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا».
جاء ذلك في عدة أحاديث منها ما في "الصحيحين" من حديث نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وفي آخر الحديث قال:« مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا»صحيح البخاري"(7051)...
والحوض قد جعله الله تعالى لهذه الأمة خاصة من حيث سعته وكثرة من يرد إليه.
أما بالنسبة لسائر الأنبياء فقد جاء في حديث سمرة عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ولكل نبي حوض» أخرجه عبد بن حميد (904) ، وأبو يعلى (2/303) ح(1028)، وابن أبي شيبة(6/309 )، ح(31681) ومن طريقه ابن أبى عاصم في "السنة" (2/335)ح(723) ، وابن ماجة (4301) قال البوصيرى (4/259) :" هذا إسناد فيه عطية وهو عطية العوفي وهو ضعيف"..
ولكن الذي ثبت بالتواتر أن ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم ولا يمنع أن يكون مثله لغيره من الأنبياء.
قال " وكذا الصراط على جهنم مده " وعندك في النسخة " وَكَذَا الصِّراطُ يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنَّمٍ".
الصراط فعال بمعنى مفعول، أي الصراط بمعنى مصروط، وأصل الصراط من صرط وهو المرور بسرعة ، المرور في الشيء بسرعة.
فالصراط هذا أصل من حيث اللغة لا من حيث الاشتقاق، ولا من حيث المعنى.
أما من حيث معناه في كلام الله تعالى وكلام رسوله فالصراط المقصود به الصراط المضروب على متن جهنم على ظهرها هو الجسر المضر المضروب على متن جهنم.
وهو الذي يمر الناس عليه حسب أعمالهم.
وقد جاء الخبر عنه في أحاديث عديدة كلها تدل على ثبوت هذا الصراط، وأشار إليه قول الله تعالى:﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ سورة مريم:71..
والورود هو المرور على الصراط كما في قول جماعة من المفسرين من الصحابة ومن بعدهم.
فالصراط دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأجمعت عليه الأمة.
وهو مضروب على متن جهنم يعنى على ظهرها.
وهو جسر جاء الخبر عنه في أحاديث عديدة في صفته فقيل في صفته : إنه «دَحْضٌ مَزِلَّةٌ»، كما في "الصحيحين" في حديث أبى سعيد رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن الجسر قالوا: وما الجسر؟ قال:«دَحْضٌ مَزِلَّةٌ»، هكذا قال في رواية مسلم"صحيح مسلم"(183). .
وفي رواية البخاري «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ»"صحيح البخاري"(7439).، والمعنيان واحد.
والدحض والمزلة معناهما واحد وهما الطريق الزلق الذي لا تثبت فيه قدم ولا يستقر فيه سائر.
فوصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بهذا الوصف لكون السير عليه من أشق ما يكون والسير عليه إنما هو سير الأعمال فهي الركائب التي يسير عليها الناس في ذلك اليوم، فليس السير بالقوة والحول – بقوة الإنسان وحوله - إنما بما يسره الله تعالى من العمل.
والناس يتفاوتون في سيرهم فمنهم من يكون سيره كاللمح كلمح الطرف ، ومنهم من يكون سيره كالبرق، ومنهم من يكون سيره كالريح، ومنهم من يكون سيره كأجاود الخيل، ومنهم من يكون سيره كأجاويد الركاب، ومنهم من يكون سيره دون ذلك، فمنهم من يعدو، ومنهم من يمشى، ومنهم يزحف، ومنهم من يحبو، هكذا مراتب الناس، ومنهم من تعيقه ويعلق في الخطاطيف والكلاليب التي على الجسر .
وجاء في بعض الآثار أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، وذلك في رواية مسلم فيما رواه أبو سعيد رضي الله عنه قال في آخر الحديث الذي ساق فيه أحوال القيامة وأحوال الموقف قال «بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ»"صحيح مسلم"(183)..
قال الحافظ ابن حجر"لم يثبت في ذلك إسناد يصح أو إسناد يعتمد عليه""فتح الباري"(11/454)..
فليس في ذلك إثبات واضح لهذا الوصف من جهة النبي صلى الله عليه وسلم والذي جاء في السنة وصفه بالدحض والمذلة ، ومقتضى دلالة ذلك – مقتضى دلالة الاسم – اسم الصراط أن الطريق واسع أنه طريق واسع لكنه طريق لا تثبت فيه الأقدام إلا بتثبيت الله جل وعلا.
والناس في سيرهم على مراحل وعلى مراتب أعلاها كلمح البصر وأدناها من تخطفه الكلاليب.
ثم الناس ينقسمون إلى قسمين يقول:"فمسلم ناج وآخر مهمل"، هذا باعتبار الغاية والمنتهي التقسيم هذا باعتبار الغاية والمنتهي لا باعتبار صفة السي، إنما باعتبار ما يؤول إليه حال من يمر على هذا الصراط وهذا الصراط يمر عليه الناس فمنهم من يسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبى سعيد وحديث أبى هريرة وغيرهما:«فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ»"صحيح البخاري"(7439)،ومسلم (183).، والمكدوس هو المتراكم الواقع وفي بعض الروايات "منكوس" أخرجه أحمد(3/11).، وكل هذا يدل على أنه يناله من العذاب ما يناله بسبب بطء سيره.
لكن الجميع يمرون على هذا الصراط ما من أحد من أهل الإيمان إلا يمر على هذا الصراط كما دل عليه قول الله تعالى ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ سورة مريم:71..
وجاء في "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« لاَ يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»"صحيح البخاري"(1251)، ومسلم(2632)..
وتحلة القسم قيل إن الإشارة في القسم هنا إلى قوله ﴿ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، وهذا فسره بعض أهل العلم قسماً واجباً.
ومن أهل العلم من قال إن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن تحلة القسم المقصود به يعنى إلا أقل القليل ، وهو وروده الذي يحصل به النجاة.
ويقال هذا في كلام العرب على القليل قال لم يبقى فيها إلا تحلة القسم أو لم يقر إلا تحلة القسم، إشارة إلى قلة المقام وقل الزمن الذي يمضه الإنسان في العمل أو في المقام أو ما إلى ذلك.
المقصود أن الكل يردون النار لكن ذلك على تفاوت بَيِّن واضح في نصيبهم منها.
وهذا الورود لا يعارض ما جاءت به الأخبار من السلامة والنجاة من النار لأهل التقوى والإيمان.
فإن ذلك ورود لا يلحقهم به أذى وإن كان الموقف مهولاً عظيماً حيث إن الأنبياء على عظيم مكانتهم ليس لهم قول عند اجتياز الصراط إلا قولهم "اللهم سلم سلم" أخرجه البخاري (806)، ومسلم(182)..
جميع الحقوق محفوظة لمنصة اسوار المعرفة@2021 - تصميم وبرمجة إنجاز إن