الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
قال رحمه الله: (غير مستدير فلا يزيل قدميه في منارة ولا غيرها).
أي لأنه لا يستحب بل يكره أن يستدير أي أن يدور في مقامه إلى الجهة التي يريد تبليغ الأذان إليها.
قال: (ملتفتا في الحيعلة يمينًا وشمالًا أي: يسن أن يلتفت يمينًا لـ "حي على الصلاة"، وشمالًا لـ "حي على الفلاح".
وظاهر كلام المؤلف أن حي على الصلاة إلى جهة اليمين، وحي على الفلاح إلى جهة اليسار، والأصل فيه ما جاء عن أبي جحيفة في صفة أذان بلال قال: «أنَّه رَأَى بلَالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وهَهُنَا بالأذَانِ» أخرجه البخاري (3566)، ومسلم (503) وفي رواية شمالًا ويمينًا حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا ليس فيه أنه خص اليمين بالدعوة إلى الصلاة، وخص اليسار بالدعوة إلى الفلاح، ما في دلالة ظاهرة، ولهذا الأمر في ذلك واسع.
قوله رحمه الله: (ويرفع وجهه إلى السماء فيه كله؛ لأنه حقيقة التوحيد).
أي: أنه يسن للمؤذن أن يرفع وجهه إلى السماء في كل مكان، لأنه ذكر وتعظيم هكذا عللوه.
قال: (لأنه حقيقة التوحيد).
هذا هو الصحيح من المذهب وقيل: إنما يرفع وجهه عند كلمة الإخلاص والشهادتين فقط، وليس ثمة دليل يصاغ إليه في ذلك، وإنما هو نوع من المبنى على التعليل والذي يظهر أنه إن احتاج إلى ذلك في تبليغ الأذان بمعنى أنه يحتاج إلى رفع وجهه إلى السماء حتى يذهب مدى صوته للأبعد وإلا فإنه لا دليل على استحباب رفع الوجه إلى جهة السماء حال الأذان لا في أوله، ولا في الشهادتين.
قال: (قائلا بعدهما أي: يسن أن يقول بعد الحيعلتين في أذان الصبح ولو أذن قبل الفجر: الصلاة خير من النوم، مرتين لحديث أبي محذورة، رواه أحمد وغيره، ولأنه وقت ينام الناس فيه غالبًا، ويكره في غير أذان الفجر، وبين الأذان والإقامة).
أي أنه مما يسن في أذان الفجر التثويب، وهو أن يقول بعد الحيعلتين الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم وهذا في صلاة الفجر فقط، فلم ينقل في أذان غير الفجر.
وقوله رحمه الله: (ويكره في غير أذان الفجر، وبين الأذان والإقامة).
أي إن التثويب لا يشرع في غير أذان الفجر ولا بين الأذان والإقامة.
قوله رحمه الله: (وهي أي: الإقامة إحدى عشرة جملة، بلا تثنية، وتباح تثنيتها يحدرها أي: يسرع فيها، ويقف على كل جملة، كالأذان).
أي: إن الإقامة إحدى عشرة جملة، وذلك أنه يفرد جمل الأذان التي كانت تثنى إلا الإقامة، فإنه يثنيها وكذلك التكبير في آخره يثنيه، وإذا قال: بلا تثنية أي في غالبه وتباح تثنيتها أي يجوز أن يثنيها فيكون الأذان مطابق للإقامة في عدد الجمل خمسة عشرة جملة لورود ذلك في حديث أبي محذورة.
قال: (يحدرها أي: يسرع فيها).
يعني السنة في الإقامة خلاف الأذان، فالسنة في الإقامة الحدر، والسنة في الأذان الترتيب أي التأني وعلة الفرق أن الإقامة إعلام للحاضرين في الغالب بخلاف الأذان، فإنه إعلام لمن خارج المسجد فيحتاج الإعلام إلى التكرار.
قال: (ويقيم من أذن استحبابًا).
أي السنة أن يقيم من تولى الأذان واستدلوا لذلك بحديث زيد بن حارث الصدائي عن زياد بن الحارث قال: «أمرَني رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن أؤذِّنَ في صلاةِ الفجرِ فأذَّنتُ فأرادَ بلالٌ أن يُقيمَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ أَخا صُداءٍ قد أذَّنَ ومن أذَّنَ فهوَ يقيمُ»،سنن الترمذي(199)، في إسناده ضعيف. سنن الترمذي(1/383) وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن عمل المؤذن رسول الله ﷺ يعضده، فإنه كان يتولى الأذان بلال ويتولى الإقامة بلال رضي الله تعالى عنه، ولم ينقل أنه أذن أحدًا ثم أقام غيره.
قال: (فلو سبق المؤذن بالأذان، فأراد المؤذن أن يقيم فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة).
والمقصود كما صنع أبو محذورة ما جاء عنه رضي الله تعالى عنه أنه سبق بالأذان، فأذن رجل قبل أبي محذورة، فلما جاء أبو محذورة أذن ثم أقام، لكن هل هذا لازم الجواب لا، فإن اكتفى بأذانه وأقام فلا حرج، وهو الذي عليه الجمهور، واستدل بعضهم بحديث عبد الله بن زيد وفيه إنه أذن بلال وأقام هو رضي الله تعالى عنه.
قوله: (في مكانه أي: يسن أن يقيم في مكان أذانه إن سهل).
وهذا اليوم يسير مع وجود اللاقطات ووسائل التبليغ.
قال: (فإن شق؛ كان أذن في منارة، أو مكان بعيد عن المسجد، أقام في المسجد؛ لئلا يفوته بعض الصلاة، لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام).
أي: أن الإمام هو الحق بالإقامة في تحديدها، ولذلك جاء في حديث في المسند والإمام أملك بالإقامة ومعنى أملك يعني في تحديدها وفي توقيتها وأصله في الحديث في إسناده مقال لكن معناه تشهد له النصوص، فإن النبي ﷺ أمر بلال ألا يقيم حتى يراه، وأمر الناس ألا يقوموا حتى يروه، فالأدلة على هذا ظاهرة في أن الإمام أملك بالإقامة، ولذلك كان لا يقيم بلال حتى يخرج النبي ﷺ، فالحديث وإن كان في إسناده بعض المقال، لكن ظاهر عمل بلال مع النبي ﷺ أنه كان لا يقيم حتى يراه أو حتى يخرج وكان يؤذنه بالإقامة إذا جاء وقتها، كل هذا يدل على هذا المعنى.
قوله رحمه الله: (ولا يصح الأذان إلا مرتبا).
أي إنه لا يجزئ الأذان، ولا يسقط فرض الكفاية فيه إلا بأن يؤذن مرتبًا أي يأتي به كما علمه النبي ﷺ أصحابه، وتلقوه عنه، وتعليل المؤلف.
قال: (كأركان الصلاة).
أي أن أركان الصلاة يجب أن تكون متتابعة، والتعليل بهذا هو تعليل بالقياس، وأولى منه أن يقال: أن الأذان عبادة وردت منه على هذه الصفة فيجب أن تفعل كما وردت، والنبي ﷺ قد قال: «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ»صحيح البخاري(2697)، ومسلم (1718).
وقوله رحمه الله: (متواليا عرفا).
أي: من غير تفريق جمله، فيأتي بالأذان مرتبًا جمله متوالية، والأصل في ذلك ما جاءت به السنة، فإن السنة دلت على هذا حيث إنه لم ينقل الأذان إلا على هذه الصفة مرتبًا متواليًا
وقوله: (متواليا عرفا).
أي: فيما جرى به العرف من أنه لا يقطع التتابع والتوالي بين الجمل.
قال: (ولا تعتبر الموالاة بين الإقامة والصلاة، إذا أقام عند إرادة الدخول فيها).
أي: لا تشترط الموالاة بين الإقامة والصلاة، فيصح أن يفرق بينهما، وقد جرى هذا مع النبي ﷺ، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا قَامَ في مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أنَّه جُنُبٌ، فَقالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا ورَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا معهُ»صحيح البخاري(275)، ومسلم(605) ومثل هذا يستغرق وقتا.
قال رحمه الله: (ويجوز الكلام بين الأذان وبعد الإقامة قبل الصلاة).
أي: لا حرج في أن يتكلم بين الأذان والإقامة قبل الدخول في الصلاة لعدم الدليل على منع الكلام تحريمًا أو كراهة.
قوله رحمه الله: (ولا يصح الأذان إلا من واحد ذكر، عدل ولو ظاهرًا).
هذا بيان لشروط الأذان، فأول ما ذكر من الشروط الترتيب والموالاة، ثم ذكر هنا أيضًا الذكورية والعدالة، والمقصود بالأذان الذي لا يجزئ فيه إلا الذكر هو الأذان الذي يدعى الناس إليه، ويعملون فيه بدخول وقت الصلاة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم، وذلك أنه لم يتولى الأذان إلا رجال منذ زمن النبي ﷺ، ولأن المرأة مطلوب منها الستر والأذان فيه علو وظهور حيث يستحب أن يكون في مكان عالٍ وفيه ظهور للصوت وعلو وارتفاع، والمرأة أمرت في الصلاة إذا احتاجت إلى التنبيه بالتصفيق سترا لصوتها، فإذا كان هذا في الصلاة، فخارجها من باب أولى، وإذا كان هذا مع وجود الداعي للتنبيه في الصلاة، ففي خارج الصلاة من باب أولى.
وأما اشتراط العدالة، فالمقصود بالعدالة التي ذكر المؤلف.
قال: (عدل ولو ظاهرا).
أي لا يلتبس بشيء من خصال الفسق الظاهرة.
قال: (فلو أذن واحد بعضه، وكمله آخر، أو أذنت امرأة، أو خنثى، أو ظاهر الفسق: لم يعتد به).
يعني هذه الصورة جميعها لا يعتد بها، إذ أنه فوت شرطا من شروط الأذان، فمن شروط الأذان أن يكون من واحد، فلا يشترك في الأذان الواحد بتقاسم جمله أكثر من واحد، بل لا بد أن يأتي بالجمل كلها واحد، وكذلك أن يكون ذكرًا كما تقدم، فخرج بذلك المرأة والخنثى، وأن يكون عدلًا، فخرج بذلك الفاسق، وفي أذان الفاسق روايتان عن أحمد إحداهما أنه لا يجزئ، والثاني أنه يجزئ.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان أقواهما عدمه لمخالفة أمر النبي ﷺ).
والمقصود بأمره قوله ﷺ: «ليؤذن لكم خياركم»، أما ترتيب الفاسق مؤذنًا أي جعله مؤذنًا راتبًا، فلا ينبغي قولا واحدا.
قال رحمه الله: (ويصح الأذان ولو كان ملحنا أي: مطربا به أو كان ملحونا لحنا لا يحيل المعنى، ويكرهان. ومن ذي لثغة فاحشة. وبطل إن أحيل المعنى).
أي أنه يصح الأذان مع الكراهة في هذه الصور أن يكون ملحنًا مطربًا، فإنه وإن كان يجزئ، لكنه يكره، وأما الملحون فهو الذي غير فيه علامات الإعراب، وخلفت فيه قواعد اللغة، وهو على قسمين؛ قسم لا يصح معه الأذان، وقسم يصح معه الأذان.
القسم الذي يصح معه الأذان هو اللحن لا يحيل به المعنى، لا يتغير به المعنى هذا يصح مع الأذان، أما ما كان من اللحن يحيل المعنى ويغيره، فهذا لا يجوز ولا يعتد به.
قوله: (ويجزئ أذان من مميز لصحة صلاته، كالبالغ).
أي أن ممن يصح أذانه المميز.
وقوله: (يجزئ).
يعني في إسقاط فرض الكفاية، فلو لم يؤذن إلا مميز وهو من يفهم الخطاب ويرد الجواب كان ذلك مجزئًا لفرض الكفاية، والعلة قالوا: لصحة صلاته كالبالغ فيعتد بأذانه، وقد ذكر عن عبد الله بن أنس قال: كان عمومتي يأمروني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم احتلم، قال: وأنس بن مالك شاهد فلم ينكر ذلك عليهم، وفي رواية أنه لا يجزئ أذانه قالوا: لأنه لا يقبل خبره، فلم يصح الإعلام بأذانه، وهذا القول هو الرواية الثانية عن أحمد رحمه الله، وثمة قول أنه لا يجزئ أذان المميز للبالغين، أما إذا كان لمن لم يبلغ، فإنه لا بأس به.
والذي يظهر والله أعلم أنه إذا أجزئ الأذان للصغار، فهو مجزئ للكبار، والغريب أن هذا القول الأخير اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية كما ذكر ذلك صاحب "الإنصاف".
قوله رحمه الله: (ولا يجزئ قبل الوقت).
أي لا يعتد به إذا كان قبل دخول الوقت، تعليل.
(قالوا: لأنه شرع للإعلام بدخوله).
والدليل أن النبي ﷺ قال: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ» في حديث مالك بن الحويرث، «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» أخرجه البخاري (628)، ومسلم (674)، فجعل الأذان إذا حضرت الصلاة، وحضورها بدخول وقتها.
قال رحمه الله: (ويسن في أوله).
أي يستحب أن يكون الأذان في أوله أي في أول الوقت، لقول النبي ﷺ: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ». أخرجه البخاري (628)، ومسلم (674)
قوله رحمه الله: (إلا الفجر فيصح بعد نصف الليل).
استثنى الفجر في جواز تقديم الأذان على الوقت، فيجوز تقديم الأذان قبل الصبح ليتأهب الناس لصلاة الفجر، لكن ينبغي أن يؤذن أذانًا آخر عند دخول الوقت، ليعرف الناس أنه قد دخل الوقت ودليل ذلك «إنَّ بلَالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». صحيح البخاري (2656)، ومسلم (1092)
قال: (ويستحب لمن أذن قبل الفجر: أن يكون معه من يؤذن في الوقت).
يعني بحيث يتمايز الصوتان كما كان عليه الحال من أن أذان الفجر في زمن النبي ﷺ تولاه اثنان، الأذان السابق للوقت، والأذان الذي عند دخول الوقت.
قال: (ويتخذ ذلك عادة، لئلا يغر الناس).
يعني أن يجزي بذلك عمل، حتى لا يغتر الناس، فمن كان يؤذن في فترة ويترك في فترة، يتوهم الناس بأذانه عند عدم الترك أنه قد دخل الوقت.
قال: (ورفع الصوت بالأذان ركن ما لم يؤذن لحاضر فبقدر ما يسمعه).
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.