الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
قوله رحمه الله: (وتدرك الصلاة أداء بـإدراك تكبيرة الإحرام في وقتها).
هذا بيان أن كل صلاة موقتة تدرك بتكبيرة الإحرام في ذلك الوقت أي: في وقتها الذي شرعت فيه، فمن أدرك تكبيرة الإحرام في الوقت أدرك تلك الصلاة، لأن إدراك الجزء كإدراك الكل هكذا عللوا، فالصلاة لا تتبعض، واستدلوا لذلك بما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «مَن أدرَك سَجْدةً مِنَ الصُّبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ، فقد أدرَكَها. ومَن أدرَك سجدةً منَ العصرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ، فقد أدرَكَها» أخرجه البخاري (556)، ومسلم (608) ومعلوم أن السجدة جزء من الصلاة قالوا: فيقاس عليها تكبيرة الإحرام.
وقيل: إن الصلاة لا تدرك بإدراك سجدة أو بإدراك تكبيرة الإحرام، إنما تدرك بإدراك ركعة كاملة في الوقت، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدلوا لذلك بحديث أبي هريرة في الصحيحين «مَنْ أدركَ ركعةً منْ صلاةٍ فقدْ أدركَ الصلاةَ». صحيح البخاري(580)، ومسلم (607)
وجملة من أدرك شرطية، ومفهومها أن من أدرك دون ركعة، فإنه لم يدركه، فعلق الإدراك بإدراك ركعة كاملة، فعدم الإدراك للركعة يترتب عليه عدم إدراك الصلاة، ومعلوم أن من أدرك تكبيرة الإحرام لم يدرك ركعة.
وأما ما جاء في حديث عائشة «مَن أدرَك سَجْدةً»صحيح مسلم(609)، فإنه محمول على الركعة، فإن السجدة تطلق ويراد بها الركعة، ولا يمكن أن يدرك سجدة معتبرة في الصلاة إلا إذا أدرك ركعة، وبالتالي لا تعارض بين حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وبين حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فحديث من أدرك سجدة المراد به من أدرك ركعة، فالسجدة تطلق ويراد بها الركعة كما تقدم، ومما يدل على ذلك قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه «حفظت عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَجدَتَينِ قبل الظُّهرِ وسَجدَتَينِ بعدَها» صحيح البخاري(1173)، ومسلم (729) يريد بذلك الركعتين.
وقوله رحمه الله: (فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس أو غروبها، كانت كلها أداء، حتى ولو كان التأخير لغير عذر، لكنه آثم).
أي: إنه مدرك للصلاة، ولو كان التأخير لغير عذر، وذلك أنه لا يجوز للمصلي أن يؤخر الصلاة بحيث يقع بعضها خارج الوقت، فإن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] وهذا الوقت هو لجميع أجزاء الصلاة في الأصل، إلا أنه عفي عما خرج عن وقت الصلاة فيما زاد على الركعة للاضطرار والعذر، وليس للاختيار.
ولذلك قال: (فإنه آثم).
أي: قد أتى محرم.
قوله رحمه الله: (وكذا: وقت الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام).
أي: ومثل سائر الصلوات صلاة الجمعة، فإنه يدرك وقتها بركعة، وإذا كان كذلك فمتقضى ما ذكره المؤلف رحمه الله من أن من أدرك تكبيرة الإحرام فقد أدرك الصلاة، أن الصلاة تكون أداء، ولو وقع بعضها خارج الوقت وهذا ظاهر المذهب.
وقيل: بل هي قضاء اعتبارا بالسلام، وهذا قول في المذهب.
وقيل: الخارج عن الوقت قضاء، والذي في الوقت أداء، وهذا فيه غرابة.
وعلى كل حال سواء كان معذورًا أو غير معذور، خروج الوقت لا يبطل الصلاة، يعني إذا كان يصلي وخرج الوقت، فإنه لا تبطل صلاته بخروج وقتها، بل يكملها فإن كان مؤخرًا تأخيرًا يأثم به فهو أثم، وإن كان معذورا فلا إثم عليه.
قوله رحمه الله: (ولا يصلي من جهل الوقت، ولم تمكنه مشاهدة الدلائل قبل غلبة ظنه بدخول وقتها).
أي إن من جهل الوقت، ولم يتمكن من معرفته بما يعرف به من الدلائل، فإنه يعمل بغلبة الظن.
ولذلك قال: (ولا يصلي من جهل الوقت قبل غلبة ظنه بدخول وقتها).
وذلك أن غلبة الظن طريق يحصل به العلم فيما إذا تعذر اليقين، وهذه قاعدة مطردة في مواضع عديدة من أحكام الشريعة أنه إذا تعذر اليقين علم بغلبة الظن.
فقوله: (ولا يصلي من جهل الوقت قبل غلبة ظنه بدخول وقتها)
إعمال لغلبة الظن، فينزل غلبة الظن منزلة اليقين والطرق التي يحصل بها غلبة الظن بينها المؤلف رحمه الله.
بقوله: (إما باجتهاد أو بخبر متيقن).
الطريق الأول الذي يحصل به غلبة الظن الاجتهاد، وبينه المؤلف رحمه الله.
فقال: (ونظر في الأدلة، أو له صنعة وجرت عادته بعمل شيء مقدر إلى وقت الصلاة).
فيكون قد أتم هذا العمل كأن يقرأ مثلا شيء من القرآن، أو يكتب شيئا أو ينجز صنعة.
(أو جرت عادته بقراءة شيء مقدر).
هذا في القراءة فيما تقدم بالعمل.
(ويستحب له التأخير حتى يتقين).
فهذه كلها من وسائل الاجتهاد الذي يحصل به غلبة الظن بدخول الوقت، وأما الطريق الثاني الذي يحصل به غلبة الظن.
قال: (أو بخبر ثقة متيقن).
فهذا أيضًا مما يعتبر من وسائل حصول غلبة الظن خبر الثقة المتيقن.
(بأن يقول: رأيت الفجر طالعًا، أو الشفق غالبًا، ونحوه).
مما يتعلق بالصلاة.
(فإن أخبر).
الثقة.
(عن ظن، لم يعمل بخبره).
لأنه ظن، فلا تحصل به غلبة الظن.
قال رحمه الله: (ويعمل بأذان ثقة عارف).
أي: يعمل في دخول الوقت بأذان ثقة.
قال: (عارف).
يعني عالم بالوقت، لأن الأذان شرع للإعلام بدخول وقت الصلاة، فإذا صدر هذا من ثقة عارف بالوقت اعتمد وبنى عليه العمل، وهذا محل اتفاق، فإن الناس لم يزالوا يجتمعون للصلاة في مساجدهم إذا سمعوا الأذان، ويرتبون على أذان المؤذنين ما يترتب من الأحكام، ولا فرق فيما ذكر جماعة من أهل العلم بين دار الحرب ودار الإسلام، يعني لو أذن المؤذن في دار حرب فإنه يعمل بأذانه إذا كان مسلمًا.
قال رحمه الله: (فإن أحرم باجتهاد).
يعني إن أحرم عملا بغلبة الظن المؤلف رحمه الله ذكر لغلبة الظن طريقين، الاجتهاد، وخبر ثقة متيقن.
قال: (فإن أحرم باجتهاد بأن غلب على ظنه دخول الوقت؛ لدليل مما تقدم).
يعني من الأدلة التي ذكرها في وسائل حصول غلبة الظن بالاجتهاد.
(فبان إحرامه قبله).
أي: قبل الوقت.
(فصلاته نفل لأنها لم تجب، ويعيده).
فإذا تبين أنه أحرم قبل دخول الوقت، فإن صلاته تنقلب نفلا، وهذا محل اتفاق لأن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] ولم يرد ما يدل على جواز الصلاة قبل وقتها، ولهذا تكون نفلا.
قال رحمه الله: (وإلا يتبين له الحال).
يعني إن صلى اجتهاده، ولم يتبين له أنه قبل الوقت.
(أو ظهر أنه في الوقت فصلاته فرض ولا إعادة عليه).
يعني يعتد بها ويعتبر.
(لأن الأصل براءة ذمته).
هذا التعليل وهذا واضح، فيكون قد فعل ما قدر عليه.
قوله: (ويعيد الأعمى العاجز مطلقا).
يعني في كل الأحوال سواء أصاب أو أخطأ، لأن فرضه التقليد ولم يوجد من يقلده، ونظيره البصير في الغيم الذي لا سبيل عنده لمعرفة الوقت، لا بيقين ولا باجتهاد.
وأما وجه كونه يعيد أخطأ وأصاب، فلأنه إذا عدم الدليل صلى شاكا في تأدية فرضه، فوجب عليه الإعادة وإن أصاب أشبه واجد الدليل إذا صلى بلا سؤاله، يعني تركه ما يجب وهناك وجه آخر أن الأعمى العاجز إذا صلى ولم يوجد من يقلده أنه لا يعيد، إلا إذا تبين أنه أخطأ، وهذا قول ثان في المذهب.
الصحيح من المذهب هو ما قرره المؤلف أن يعيد مطلقا، والقول الثاني أنه لا يعيد إلا إذا تبين أنه أخطأ، وهذا القول لعله أقرب إلى الصواب، لأن هذا فعل ما يجب عليه، فإذا لم يتبين أنه أخطأ، فالأصل براءة ذمته باجتهاده الذي فعله، لكن الفقهاء قالوا: ما الذي يجب على الأعمى إذا لم يجد من يقلده قالوا: تحرى فإن صلى بدون التحري مع القدرة على التحري قضى، وقيل: إن أخطأ يقضي، وإلا فلا يقضي على نحو ما تقدم من القولين، والأقرب والله أعلم أنه إذا استنفذ جهده في تحري الوقت حسب ما يقدر، فإن لم يتبين له خطأه، فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه، فقد فعل ما يستطيع، والله تعالى قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
قوله: (وإن أدرك مكلف من وقتها أي: وقت الفريضة قدر التحريمة أي: تكبيرة الإحرام ثم زال تكليفه بجنون).
إذا أدرك من الصلاة قدر تكبيرة الإحرام، ثم ارتفع وجوبها عنه إما بزوال التكليف، وإما بالحيض، وهاتان المسألتان هما المذكورتان في كلام المؤلف رحمه الله، ابتدأ أول بزوال التكليف.
فقال: (فإذا أدرك مكلف من وقتها أي: وقت فريضة قدر التحريمة أي: تكبيرة الإحرام ثم زال تكليفه بنحو جنون أو أدركت طاهر).
هذه الصورة الثانية.
(من الوقت قدر التحريمة، ثم حاضت أو نفست ثم كلف الذي كان زال تكليفه وطهرت الحائض أو النفساء، قضوها).
هذا الجواب أنه إذا زال السبب الرافع للوجوب فإنه يستقر الوجوب قضاء، وذلك بإدراك تكبيرة الإحرام، ووجه تعليق الحكم بتكبيرة الإحرام في كون من أدرك من الوقت تكبيرة الإحرام ثم جن أي زال تكليفه، أو حاضت المرأة في وجوب القضاء لأن الصلاة تجب بأول الوقت قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] فقد استقر في ذمته وجوب الصلاة، فإذا ارتفع المانع من الوجوب بعود التكليف أو بارتفاع المانع من وجوب الصلاة في حق المرأة الحائض في الطهر وجب عليه أدائها، وهذا المذهب وبه قال جماعة من أهل العلم.
القول الثاني أن من دخل عليه الوقت، فطرأ مانع من جنون أو حيض، فلا قضاء عليه إلا إن أدرك من وقت الصلاة ما يبقى قدر فعل الصلاة بمعنى أنه أدرك وقت الصلاة، ثم آخر فعلها حتى لم يتبقى من وقت الصلاة إلا قدر فعلها، فوجد المانع هنا تكون قد ثبتت في ذمته لأنه كان يجب عليه الشروع، إذ إنه أدرك من الوقت ما يجب معه فعل الصلاة ولم يفعلها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في (الفتاوى الكبرى)(5/319): من دخل عليه الوقت ثم طرأ مانع من جنون أو حيض، لا قضاء إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع يعني فلا يبقى من وقت الصلاة إلا قدر أربع ركعات في الظهر، لا يبقى من وقت الصلاة إلا قدر ركعتين من صلاة الفجر مثلا، فيطرأ المانع، فهنا تكون قد لزمته لأن الواجب عليه أن يأتي بالصلاة قبل خروج وقتها كاملة، وهذا القول أقرب إلى الصواب، إذ لو كان الأمر كما ذكر الأصحاب من أنه يجب بإدراك تكبيرة الإحرام، لبينه النبي ﷺ فإن الحاجة داعية إلى بيان ذلك، إذ إن النساء يطرأ عليهن الحيض بعد دخول الوقت في كثير من الأحيان، ولم يأمر النبي ﷺ النساء بقضاء الصلاة التي أدركوا من وقتها قدر تكبيرة الإحرام، ثم طرأ عليهن الحيض، هذا ما يتعلق بالقسم الأول من هذه المسألة، وهو فيما إذا طرأ المانع بوجود سبب يرتفع به الوجوب، كما لو ارتفع التكليف أو حاضت المرأة.
القسم الثاني من صار أهلا لوجوب الفرض.
يقول رحمه الله: (من صار أهلا لوجوبها بأن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض أو نفساء قبل خروج وقتها).
بقدر إدراك تكبيرة الإحرام.
ولذلك قال: (بأن وجد ذلك قبل الغروب مثلا، ولو بقدر تكبيرة).
أي: تكبيرة الإحرام.
(لزمته أي: العصر وما يجمع إليها قبلها وهي الظهر).
أي: تلزمه الصلاتان المجموعتان ظهر وعصر، أو مغرب وعشاء.
ولذلك قال: (وكذا لو كان ذلك قبل الفجر، لزمته العشاء والمغرب؛ لأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور فكأنه أدرك وقتها).
وهذه المسألة عكس المسألة السابقة، والحجة في ذلك أنه إذا أدرك من الوقت ما يكون به أهلا للوجوب، فإنه مخاطب بوجوب الصلاة في مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78] فيلزمه أن يأتي بالصلاة، بمعنى أن قدر إدراك وقت الصلاة، وإدراك الصلاة هو تكبيرة الإحرام، فإنه إذا أدرك من الوقت بهذا القدر، وصار فيه من أهل الوجوب فإنه يلزمه أن يأتي بالصلاة.
وقيل: إن مناط الحكم هو إدراك ركعة، فإذا أدرك ركعة من الصلاة وهو من أهل الوجوب لزمه أن يأتي بها، والمسألة محل تأمل، وما ذهب إليه الأصحاب في الصحيح من المذهب أحوط، لكن الأقرب إلى الصواب أنه لا يقضي إلا الصلاة التي أدرك وقتها، لا يقضي الصلاة التي تجمع إليها، فإذا زال المانع وصار من أهل الوجوب، وبين المغرب بقدر تكبيرة الإحرام، فإنه لا يجب عليه إلا صلاة العصر، هذا الأقرب إلى الصواب والله تعالى أعلم.
قوله رحمه الله: (ويجب فورا ما لم ينضر في بدنه، أو معيشة يحتاجها، أو يحضر لصلاة عيد قضاء الفوائت، مرتبا ولو كثرة. ويسن صلاتها جماعة).
هذا بيان أن الأصل وجوب قضاء الفوائت على الفور، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ لما فاتته الصلاة بادر إلى قضائها، ففي حديث جابر لما فاتته ﷺ صلاة العصر يوم الخندق قال جابر: فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضئنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، فجعلها مقدمة على الحاضرة، فدل ذلك على أن الواجب في قضاء الصلاة أن يكون على الفور، وكذلك قوله ﷺ: «مَن نام عن صَلاةٍ أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» صحيح البخاري (597)، ومسلم (684) وقيد وجوب القضاء على الفور بألا يكون عليه ضرر في ذلك.
فقال: (ما لم ينضر في بدنه).
أي: ما لم يتضرر في بدنه وكذا في معيشته لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وقوله: (أو يحضر لصلاة عيد).
فإذا حضر صلاة عيد وعليه فائتة، فإن له ان يؤخر الفائتة إلى انقضاء صلاة العيد، ثم ذكر وجوب قضاء الفوائت مرتبة ولو كثرت، وهذا الترتيب يجب لأن الله تعالى قد بين الصلاة على نحو مرتب، وكذلك ما جاء عن النبي ﷺ أنه قضى الفوائت في يوم الخندق، فإنه أتى بها مرتبة سواء في حديث جابر الذي ذكرناه قبل قليل وهو في الصحيحين قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضئنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، في بعض الروايات أنه صلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب بعد أن غربت الشمس. صحيح البخاري(598)، ومسلم (631). فكان الفائتة أكثر من فريضة، وقد قال ﷺ: «صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». أخرجه البخاري (6008)، ومسلم (674)
قال: (ويسن صلاتها جماعة).
يعني فيما إذا تيسر له ذلك، كما فعل النبي ﷺ في قضائه لصلاة العصر لما فاتته يوم الخندق، وفي قضائه يوم الخندق لما فاتته في سفر من الأسفار صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (ويسقط الترتيب بنسيانه للعذر).
أي: يسقط الترتيب بين الفوائت إذا نسيها، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]
(فإن نسي الترتيب بين الفوائت، أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة، صحت، ولا يسقط بالجهل).
يعلم منه أن الترتيب يسقط بالنسيان لا بالجهل قالوا: لأن الجهل مقصر في التعلم، فلا يعذر بترك الترتيب، وقيل: يسقط فهو الأقرب للصواب فإن الجاهل كالناسي، وكونه لا يعذر بجهله هذا لو كان مفرطا في تعلمه.
قال: (ويسقط الترتيب أيضا بخشية خروج وقت اختيار الحاضرة).
هذا ثاني ما يسقط به الترتيب، أول ما يسقط به الترتيب النسيان، الثاني الجهل عن الصواب، أما بالنسبة لما ذكر المؤلف، فالثاني هو خشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
نقف على هذا بارك الله فيكم.