كتاب الصلاة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 87

التاريخ : 2026-02-12 13:14:08


صفحة جديدة 1

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

فيقول المصنف رحمه الله في كتاب ((الروض المربع)) شرح زاد المستنقع: (كتاب ((الصلاة)))

أي: هذا كتاب الصلاة، وقد اشتمل هذا الكتاب على بيان أحكام ومسائل الصلاة على وجه البسط والتفصيل، وجرى عمل العلماء ــــ رحمهم الله ـــ على البداءة بأحكام الصلاة ومسائلها في أول قسم العبادات، وذلك أن الصلاة أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين، فالصلاة التي هي حق لله تعالى هي أول الفرائض العلمية بعد الشهادتين، وقد تبوأت منزلة عظمى بين العبادات، ولذلك علق عليها ثبوت الإسلام والأخوة الدينية كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ[التوبة: 11] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ[التوبة: 5]، وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهُ ويُقِيمُوا الصلاةَ، ويُؤْتُوا الزكاةَ»صحيح البخاري(25)، وصحيح مسلم (22) وفي الحديث المشهور حديث عبد الله بن عمر في ذكر أركان الإسلام ودعائمه ومبانيه قال ﷺ: «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصَومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا»صحيح البخاري(8)، ومسلم(16) فلهذا جرى عمل العلماء رحمهم الله على البداءة بما يتعلق بأحكام الصلاة.

والمؤلف رحمه الله ذكر في أول هذا الكتاب تعريف الصلاة.

  

فقال: (في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم).

هذا بيان معنى الصلاة في اللغة، فالصلاة في اللغة تأتي بمعنى الدعاء، وقد ذكر شاهد ذلك من الآيات الكريمة قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ[التوبة: 103] أي: ادع لهم، من ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ[التوبة: 99] أي: ودعائه صلوات الله وسلامه عليه، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ»صحيح مسلم(1431) أي: فليدعو هذا المقصود بقوله ﷺ وإن كان صائما فليصل.

أما في الشرع فقد قال المؤلف رحمه الله: (أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم).

فالصلاة أقوال أي: أنها كلمات يتكلم بها المؤمن وأفعال أي: وأعمال من القيام، والركوع، والسجود، وهذه الأقوال والأفعال التي في هذه العبادات الجليلة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم أي: أن أولها تكبير، وآخرها تسليم، فالصلوات تبتدئ بالتكبير بقول الله أكبر، وتختم بالتسليم بقول السلام عليكم ورحمة الله.

قوله رحمه الله: (سميت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء).

هذا بيان المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي أو الشرعي، وهو أن تسمية الصلاة وهي الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم هذه الأقوال والأفعال سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأهل اللغة العربية وغيرهم أن وجه اشتقاق هذا الاسم لهذه العبادة هو أنه عبادة تضمنت الدعاء، والمقصود بالدعاء هنا نوعي الدعاء، دعاء المسألة والطلب، ودعاء العبادة، فالصلاة مشتملة على دعاء عبادة بالقيام والركوع والسجود والأقوال والأفعال من التكبير والتسبيح وقراءة القرآن، فكل هذه من أنواع العبادة القولية والعملية، وكذلك ما فيه من الخشوع الذي هو روح الصلاة، فإنه أيضًا من العبادات القلبية.

وأما دعاء المسألة فهذا فيما ثبت من الأدعية في الصلاة في القيام، وفي الركوع، وإن كان تابعا، وفي السجود، وفي ختم الصلاة، فإن الصلاة مشتملة على أدعية مسألة وطلب، وهذا وجه تسمية الصلاة بهذا الاسم لاشتمالها على الدعاء.

وقيل: إنما سميت صلاة لأنها ثانية لشهادة التوحيد أي: تابعة ووالية كما يسمى الفرس السابق بالمصلي، وقيل: سميت صلاة لما يعود على صاحبها من البركة، وتسمى البركة صلاة في اللغة.

وقيل: لأنها تفضي إلى المغفرة التي هي مقصود الصلاة.

وقيل: سميت صلاة، لما تتضمنه من الخشوع والخشية لله عز وجل مأخوذة من صليت العود إذا لينته، فالمصلي يلين ويخشع، ويذهب عن قلبه ما يكون من القسوة والغفلة، وأشار المؤلف رحمه الله إلى معنى من المعاني التي لها مناسبة بتسمية هذه العبادة بالصلاة.

قال: (مشتقة من الصلوين، وهما: عرقان من جانبي الذنب).

كما عرفه المؤلف رحمه الله.

وقيل: (بل هما عظمان ينحنيان في الركوع والسجود).

وذلك أن المصلي ينحني في ركوعه وفي سجوده، فينحني هذان العظمان، وقيل: لأن المصلي إذا كان مأموما فإن رأسه يكون عند صلوي إمامه.

  

قوله رحمه الله: (وفرضت: ليلة الإسراء).

هذا بيان الوقت الذي شرعت فيه هذه العبادة الجليلة، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الصلوات الخمس المكتوبات إنما فرضت ليلة الإسراء، وهي الليلة المشهودة التي أسري فيها بالنبي ﷺ إلى السماء، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في زمن الإسراء الذي فرضت فيه الصلاة.

فقيل: إن ذلك كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وهذا هو المشهور.

وقيل: بل هو قبل ذلك بعد مبعثه بخمس سنين.

وقيل: قبل الهجرة بسنة.

وقيل: قبل ذلك.

والاتفاق على أنها فرضت في ليلة الإسراء، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «فُرِضَتْ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيلةَ أُسرِيَ به الصَّلَواتُ خَمسين، ثم نَقصَتْ إلى خَمْسٍ، ثم نُودِيَ: يا محمدُ، إنَّه لا يُبدَّلُ القَولُ لدَيَّ، وإنَّ لك بالخمسِ خَمسينَ»سنن الترمذي(213)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. وأصل الحديث في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «فَفَرَضَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ علَى أُمَّتي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بذلكَ، حتَّى مَرَرْتُ علَى مُوسَى، فَقالَ: ما فَرَضَ اللَّهُ لكَ علَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قالَ: فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلتُ: وضَعَ شَطْرَهَا، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقالَ: هي خَمْسٌ، وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بي، حتَّى انْتَهَى بي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى»صحيح البخاري(349)، ومسلم(163) وهذا كله في سياق حديث أنس رضي الله تعالى عنه في خبر الإسراء بالنبي ﷺ.

  

قوله رحمه الله: (تجب الخمس في كل يوم وليلة على كل مسلم مكلف بالغ عاقل، ذكر أو أنثى أو خنثى، حر أو عبد أو مبعض إلا حائضا ونفساء فلا تجب عليهما).

هذا بيان أن الصلوات الخمس فرض واجب وبيان من تجب عليه.

فقوله رحمه الله: (تجب الخمس في كل يوم وليلة).

وهذا دل عليه كتابه وسنته والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[البينة: 5]، وأما السنة فما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصَومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا»صحيح البخاري(8)، ومسلم(16) والآي والأخبار في ذلك كثيرة، وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي تجب على كل مسلم أي أنها فرض لازم على كل مسلم، فخرج بذلك الكافر، فإن مفهوم قوله: تجب على كل مسلم أنها لا تجب على كافر، والكافر لا يخلو من حالين، إما أن يكون أصليا أو مرتدا، فإن كان أصليا فإنها لا تجب عليه، بمعنى أنه إذا أسلم لا يطالب بقضائها، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأما وجوبها بمعنى أنه مخاطب بها وأنه يعاقب على عدم قيامه بالصلاة، فهذا مبني على مسألة هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟

قولان لأهل العلم، والصحيح من المذهب أنهم مخاطبون بفروع الإسلام، وهو قول الجمهور، وعن الإمام أحمد رواية أنهم ليسوا بمخاطبين بها، ولكن على كل حال على القول بأنهم مخاطبون بها فإنها لا تنفعهم إلا إذا أتوا بها بعد الإقرار بعد الشهادتين.

وأما الحالة الثانية للكافر فهي أن يكون مرتدا، فالصحيح من المذهب أن الكافر المرتد يلزمه قضاء ما تركه من الصلاة قبل ردته، أما ما فاته زمن ردته فإنه لا يلزمه قضائها، هذا هو المذهب.

وقوله رحمه الله: (مكلف).

أي: تلزم الصلاة كل مسلم مكلف ثم فصل.

فقال: (بالغ عاقل).

وهذان الوصفان هما قوام التكليف، فلا تكليف إلا بالبلوغ والعقل.

وقوله رحمه الله: (ذكر أو أنثي أو خنثى، حر أو عبد أو مبعض).

أي: أن الصلاة تجب على هؤلاء جميعا، فلا يستثنى أحد من وجوب الصلاة لعموم الأدلة الدالة على عموم فرض الصلاة على كل مسلم.

قوله رحمه الله: (إلا حائض ونفساء) فلا تجب عليهما.

أي: لا يلزمهما الصلاة حال الحيض والنفاس، وهذا هو الصحيح من المذهب مطلقا، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحائض لا تجب عليها الصلاة، وهو الصحيح من المذهب في النفساء، فإن النفاس ملحق بالحيض في قول عامة أهل العلم.

وقوله رحمه الله في سياق من تجب عليهم الصلاة أو مبعض)

أي: من بعضه حر وبعضه رقيق.

  

قوله رحمه الله بعد ذلك: (ويقضي من زال عقله بنوم، أو إغماء، أو سكر طوعًا أو كرها أو نحوه كشرب دواء؛ لحديث: «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» رواه مسلم. وعيسى على عمار ثلاثا، ثم أفاق وتوضأ وقضى تلك الثلاث).

هذا بيان أن النائم يقضي الصلوات التي فاتته وهو نائم، لما جاء في حديث أنس الذي ذكره المؤلف رحمه الله وقد رواه مسلم وفيه قال النبي ﷺ: «مَن نام عن صَلاةٍ أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها»صحيح مسلم(684) والنوم يعذر به صاحبه إذا لم يكن عن تفريط لقول النبي ﷺ: «ليس في النومِ تفريطٌ»صحيح مسلم(681) بأن تغلبه عينه ولا يتنبه إلا بعد خروج الوقت، فإنه في هذه الحال يقضي لما جاء في حديث أنس «مَن نام عن صَلاةٍ أو نَسِيَها فلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها»صحيح مسلم(684) وألحق المؤلف ــــ رحمه الله ــــ وهو المذهب وقول جماعة من أهل العلم بالنوم الإغماء، وسائر ما يزول به العقل سواء كان طوعا أو كرهًا كما قال رحمه الله: أو سكر طوعًا أو كرهًا أو نحوه كشرب دواء يفضي إلى غياب العقل.

وأما دليل الإغماء فهو الإلحاق بالنائم، ولما روي عن عمار أنه غشي عليه ثلاثًا أي: ثلاثة أيام ثم أفاق وتوضأ وقضى تلك الثلاث، وجاء عن عمران بن حصين وعن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما نحو ما جاء عن عمار، ولم يعرف لهما مخالف هكذا قالوا، فكان كالإجماع، وعللوا أيضًا بأن الإغماء لا تطول مدته غالبًا، ولا تثبت الولاية عليه، ولأنه غياب للعقل عارض فلا يسقط ما يجب عليه من الفرائض كالصلاة والصوم، وهذا أحد القولين في المسألة وهو الصحيح من المذهب، وهو من المفردات وقيل: لا تجب عليه كالمجنون، وهذا القول أقرب إلى الصواب، وهو أنه إذا أغمي عليه فإنه لا يجب عليه القضاء واختاره في الفائق، وأما إذا زال عقله بسكر فيجب عليه القضاء، لأن سكره معصية، فلا يناسب إسقاط الواجب، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم، وهو مباح وقد لا يكون باختيار الإنسان؛ فبالمحرم والذي يكون فيه المرء مختارًا فالوجوب في المحرم من باب أولى، وقد فرق بعض أهل العلم بين المكره والمختار، فأوجبوه في المختار دون المكره على السكر.

فقيل: يسقط إذا كان مكرهًا، وأما إذا زال عقله بشرب دواء، فالصحيح من المذهب وجوب الصلاة عليه، كمن تعاطي بنجًا أو احتاج إلى دواء غاب به عقله، فإنه يلزمه القضاء، وهذا أيضًا من المفردات أي: من مفردات المذهب، وقيل: لا يجب عليه، وذكر القاضي وجهًا أن الإغماء بتناول المباح يسقط الوجوب، والإغماء بالمرض لا يسقطه، لأنه ربما امتنع من شرب الدواء خوفا من مشقة القضاء.

والذي يظهر والله أعلم أنه متى غاب العقل غيابًا تامًا سواء كان بسبب مباح مختارًا أو غير مختار، فإنه لا يلزمه القضاء، والقضاء في هذا أحوط.

قال رحمه الله: (ويقضي من شرب محرمًا حتى زمن جنون طرأ متصلا به تغليظًا).

أي من شرب محرمًا يزيل عقله يجب عليه القضاء، لأنه إذا وجب بالنوم المباح، فبالمحرم من باب أولى، ويلزمه قضاء ما فاته حتى الصلاة حال الجنون، لاتصاله بالسكر بمعنى إذا سكر وجن جنونًا متصلًا بالسكر، فإنه يلزمه القضاء تغليظًا عليه.

  

قال رحمه الله: (ولا تصح الصلاة من مجنون وغير مميز؛ لأنه لا يعقل النية).

هذا بيان أنه لا تصح الصلاة من مجنون وهو فاقد العقل، وذلك أن المجنون ليس له قصد، ومن لا قصد له لا نية له، ومن لا نية له لا عمل لقول النبي ﷺ: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى»صحيح البخاري(1) فلا تصح الصلاة من مجنون لفقدها شرط صحة الصلاة وهو النية، وكذلك غير المميز وهو من لا يفهم الخطاب ويرد الجواب، فإنه لا يصح منه قصد، ومن لا قصد له لا نية له، ومن لا نية له لا عمل كما تقدم، ولهذا جمع بينهما المؤلف في قوله ولا تصح صلاة من مجنون وغير مميز، وعلل ذلك بقوله: لأنه لا يعقل النية.

قال رحمه الله: (ولا تصح من كافر لعدم صحة النية منه).

أي أن الصلاة لا تصح من كافر، فالكافر لا تصح منه صلاة لأنه لا تضح منه نية، وذلك أن النية عمادها وبنائها على إفراد الله تعالى بالعبادة وقصده بالعمل، وإخلاص العمل له جل في علاه قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[البينة: 5] ولا يمكن أن يتحقق هذا المعنى من الكافر الذي لا يؤمن بالله عز وجل، فلا تصح منه صلاة لعدم صحة النية منه إذ لم يأتي بالأصل الذي تصح به الأعمال وهو الإسلام.

قال رحمه الله: (ولا تجب عليه بمعنى أنه لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، ويعاقب عليها، وعلى سائر فروع الإسلام).

قوله رحمه الله: (ولا تجب عليه)

أي: لا تجب الصلاة على الكافر، لأنها لو وجبت عليه حال الكفر، لوجب عليه قضاءه إذا أسلم، وقد أسلم خلق كثير زمن النبي ﷺ، ولم يأمرهم بقضاء ما تركوه من الصلوات، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ[الأنفال: 38] ولهذا لا يجب على الكافر فعلها ولا قضائها ولذلك قال المصنف بمعنى أنه لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، ويعاقب عليها أي: أن الكافر يعاقب على تركه الشرائع، ومنها الصلاة.

ولذلك قال رحمه الله: (وعلى سائر فروع الإسلام).

يعني ما جاء من شرائعه وفرائضه، وهذه المسألة مبنية على هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام أو لا؟

الصحيح من المذهب أنهم مخاطبون بفروع الإسلام وعليه الجمهور، وعن الإمام أحمد رواية أنهم ليسوا مخاطبين بها، وعنه رواية ثالثة أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر، لأن الأوامر لو فعلوها لم تصح منهم لعدم الأصل الذي تبنى عليه الأعمال وهو توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة.

وعن أحمد ــ رحمه الله ـــ رواية أنه يلزم الكافر قضاء الصلاة قبل إسلامه إلا أن هذا القول ضعيف، وظاهر كلام المؤلف ــ رحمه الله ـــ أنه لا فرق في عدم صحة الصلاة من الكافر بين الكافر الأصلي والكافر المرتد وهذا هو الصحيح من المذهب أن المرتد كالكافر الأصلي من حيث أنه لا تصح منه الصلاة حال ردته، وعليه فإنه إذا عاد إلى الإسلام وترك الردة لم يلزمه قضاء ما فاته زمن ردته هذا المذهب، وعن أحمد رواية أنه يقضي ما تركه أثناء ردته في الصلاة والزكاة والصوم والحج، والصواب القول الأول الذي هو الصحيح من المذهب، وأنه لا تجب على الكافر المرتد الصلوات حال ردته، ولا يجب عليه قضاء ما تركه حال ردته، وذلك لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ[الأنفال: 38].

قوله رحمه الله: (فإن صلى الكافر على اختلاف أنواعه في دار الإسلام أو الحرب، جماعة أو منفردًا، بمسجد أو غيره فمسلم حكمًا).

أي: أن الكافر إذا صلى حكم بإسلامه، فلو مات عقب الصلاة، فتركته لأقربائه المسلمين يرثونه ويرثهم ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين للحكم بإسلامه.

ولذلك قال رحمه الله: (فلو مات عقب الصلاة فتركته لأقاربه المسلمين، ويغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابرنا).

والدليل ما جاء في الصحيح من حديث أنس «مَن صَلَّى صَلَاتَنَا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فهو منا له ما لنا وعليه ما علينا»صحيح البخاري(391) ولأن الصلاة عبادة تختص أهل الإسلام أشبهت الشهادة، فإذا جاء بها حكم بإسلامه ولا فرق في ذلك بين الكافر الذي في دار الحرب، والكافر الذي في دار الإسلام، ولا فرق أيضًا بين أن يصلي في جماعة، أو يصلي منفردًا لعموم ما تقدم من أدلة، وهذا القول وهو أن الكافر إذا صلى حكم بإسلامه من مفردات مذهب الحنابلة.

وقوله رحمه الله: (ويؤمر بها صغير لسبع أي: يلزم وليه أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين، وتعليمه إياها، والطهارة؛ ليعتادها. ذكرًا كان أو أنثى، وأن يكفه عن المفاسد).

إلى آخر ما ذكر رحمه الله هذا بيان أنه يؤمر بالصلاة من له سبع سنين من الأولاد ذكرًا كان أو أنثى، والذي يأمره بذلك وليه من أب أو أم ونحوهم ممن له غاية، ويختصر هذا على فرض بل هو حق على كل من له ولاية، ودليل ذلك الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «مُروا أَولادَكُم بِالصَّلاةِ وهُم أَبناءُ سبعِ سِنينَ، واضْرِبوهم عَليها وهُم أَبناءُ عَشرٍ، وفَرِّقوا بَينَهُم في المَضاجِعِ»سنن أبي داود(495)، وأحمد (6756)، والبخاري في "التاريخ" 4/ 168، والدارقطني (887) و (888)، رواه أحمد وغيره.

والعلة في أمره بينها المؤلف رحمه الله قال: ليعتادها أي: ليألفها ويعهدها بحيث تسهل عليه ويقيمها على النحو الذي أمره الله تعالى به، ومما يلزم الولي في حق من تحت يده من الصغار أن يعلمهم أحكام الصلاة وما يتعلق بها من الطهارة والستارة ونحو ذلك، ليأتوا بالصلاة على الوجه المشروع.

قال: (وأن يكفه عن المفاسد).

أي أن الواجب على ولي الصبي أو الجارية أن يكفه عن المحرمات وأن يمنعه من المفاسد في الأقوال والأعمال والظاهر والباطن، فإن ذلك من حق الولد على والده، وعلى كل من له ولاية عليه.

قوله رحمه الله: (وأن يضرب عليها لعشر سنين).

أي أن: الأمر بالصلاة يمتد من تمام سبع سنين إلى إكمال العشر، ثم إذا استكمل العشر فإنه يضم إلى الأمر العقوبة في حال الترك، فقال: ويضرب عليها أي: لأجلها وبسببها إذا أخل بها أو بواجباتها لعشر وهذا واجب على الولي أي إن: ضرب ابن عشر على تركها واجب على وليه، وذلك لحمله على فعلها، وحثه على الإتيان بها حتى إذا بلغ يكون قد مرن عليها واعتادها.

قال رحمه الله: (فإن بلغ في أثنائها بأن تمت مدة بلوغه وهو في الصلاة).

وهذا لا يتأتى إلا بأن يكمل له السن الذي يحصل به البلوغ، وهو على المذهب أن يتم خمسة عشرة عاما.

(فإذا بلغ في أثنائها).

أي: تم له سن البلوغ في أثناء صلاته، فإنه يعيدها.

قال: (أو بعدها في وقتها أعاد).

ووجه ذلك أنه إذا بلغ في أثنائها يكون قد شرع فيها نافلة.

ولهذا قال: (أي: لزمه إعادتها؛ لأنها نافلة في حقه).

أي: دخل بها في غير فرض في حقه، فلما وجبت عليه انقلب من النفل إلى الفرض، فلم تجزئ هذه الصلاة على الفريضة، ولذلك قالوا: يعيدها، إذا بلغ في أثنائها، وكذلك يعيدها إذا صلاها وبلغ في وقتها قبل خروج الوقت، وهذا هو المذهب، وقيل: لا يلزمه الإعادة فيهما يعني في الحالين واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا أقرب إلى الصواب.

قوله رحمه الله: (ويعيد التيمم، لا الوضوء والإسلام).

أي: إذا كان قد صلى هذه الصلاة التي بلغ في أثنائها بالتيمم، فإنه يعيد التيمم، لأن تيممه كان لنافلة، لا يستبيح بها فريضة بناء على ما تقدم من أن التيمم مبيح وليس رافعا، والصواب أنه لا يعيد، لا التيمم ولا الصلاة كما تقدم.

  

قال رحمه الله: (ويحرم على من وجبت عليه تأخيرها عن وقتها المختار، أو تأخير بعضها إلا لناوي الجمع).

إلى آخر ما ذكر قرر المؤلف رحمه الله أنه لا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة أن يؤخرها عن وقتها، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا[النساء: 103]، ولقوله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[مريم: 59]، ولقول الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ[الماعون: 4-5] الأدلة متضافرة على تقرير هذا المعنى، وأنه لا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة أن يؤخرها عن وقتها.

قوله رحمه الله: (عن وقته المختار).

أي: أنه إذا كان للصلاة وقت اختيار ووقت اضطرار كصلاة العصر، وصلاة العشاء على المذهب، فإنه لا يجوز له أن يؤخرها عن وقت الاختيار إلى وقت الاضطرار، ويأثم بذلك وإن كانت صلاة صحيحة، لقوله ﷺ: «ومَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ»صحيح البخاري(579) لكن هذا على وجه الاضطرار لما جاء من الأحاديث الدالة على التفريق بين وقت الاختيار ووقت الاضطرار.

وقوله رحمه الله: (أو تأخير بعضها).

أي: يحرم تأخير بعض الصلاة عن الوقت، فمن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ثم يكبر قبل خروج الوقت، فيكون بعض صلاته خارج الوقت، فهذا يكون قد وقع في محرم، لأن الواجب عليه أن يأتي بالصلاة كلها في وقتها، واستثنى المؤلف رحمه الله من ذلك صنفان.

فقال: (إلا لناوي الجمع أو لمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبا).

أما الأول قال رحمه الله: (إلا لناوي الجمع).

أي: لمن نوى الجمع لكن قيده الشارح بقوله: لعذر يعني أن يكون نوى الجمع وهو من أهل الأعذار الذين يحل لهم الجمع كالمسافر والمريض الذي يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها ونحو ذلك، فهذا يباح له التأخير، لأن وقت الثاني يصير وقتا لهما، فإن الصلاة من جهة المواقيت تنقسم إلى قسمين: حال عذر، وحال سعة وعدم عذر وقدرة.

أما حال العذر، فالأوقات ثلاثة، الفجر وقت، والظهر والعصر وقت، والمغرب والعشاء وقت، وأما في حال السعة وعدم العذر، فالأوقات خمسة، الفجر وقت، والظهر وقت، والعصر وقت، والمغرب وقت، والعشاء وقت.

في قوله: (ويحرم على من وجبت عليه تأخيرها عن وقتها المختار).

هذا التحريم في حق القادر الذاكر، فلا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها أو بعضها عن وقتها مع القدرة والذكر إجماعًا، لما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ قال: «ليس التَّفريطُ في النَّومِ؛ إنَّما التَّفريطُ في اليَقظةِ»صحيح مسلم(681) أن يؤخر الصلاة إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى، ويدل للاستثناء الأول في قوله: إلا لناوي الجمع فعل النبي ﷺ، فإنه آخر الصلاة صلوات الله وسلامه عليه في بعض أحواله، فكان يؤخر الصلاة الأولى في الجمع، فيصليها في وقتها الثاني كما في حديث أنس وغيره.

وقوله رحمه الله: (وإلا لمشتغل بشرطها الذي يحصله قريبا كانقطاع ثوبه الذي ليس عنده غيره، إذا لم يفرغ من خياطته حتى خرج الوقت، فإن كان بعيدًا عرفًا صلى).

هذا هو الاستثناء الثاني من تحريم تأخير الصلاة عن وقتها المختار أو تأخير بعضها، وهو المشتغل بتحصيل شرطها وهذا الاستثناء لم يذكره أكثر الأصحاب، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا الاستثناء قال: ليس مذهبًا لأحمد وأصحابه، بل الوقت يقدم واختار تقديم الشرط إذا انتبه قبل طلوعها.

وقوله: (إلا لمشتغل بشرطها).

مثل المؤلف رحمه الله بمن انقطع ثوبه الذي ليس عنده غيره، وهذا الانقطاع يفضي إلى انكشاف عورته، فإنه يؤذن له في تأخير الصلاة عن وقتها إذا كان لن يفرغ من خياطة ثوبه حتى يخرج الوقت، ولكن قيد ذلك بقوله: يحصله قريبًا يعني ألا يكون ذلك مفضيًا إلى الخروج عن الوقت بزمن بعيد، بل بزمن قريب، وعلة هذا القول: أنه لا يجوز للمصلي الدخول في الصلاة مع عدم شرطها.

وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد رحمه الله ذكر غير واحدا من الأصحاب، أنه لم ينقل عن الإمام أحمد رحمه الله وغالب الحنابلة يذكرون جواز التأخير لناوي الجمع لا غيره.

والقول الثاني أنه لا يجوز أن يشتغل بالشرط وتحصيله إذا كان ذلك يفضي إلى إخراج الصلاة عن وقتها.

قوله رحمه الله: (ولمن لزمته التأخير في الوقت مع العزم عليه، ما لم يظن مانعًا، وتسقط بموته، ولم يأثم).

هذا النوع الثاني من أنواع التأخير، وهو تأخير الصلاة في الوقت، بحيث يفرغ من صلاته قبل انقضاء الوقت، النوع السابق هو تأخير للصلاة عن وقتها حتى تخرج الصلاة كلها عن وقتها، أو يخرج بعضها، وأما هنا وهو النوع الثاني فهو التأخير في الوقت، فالتأخير في الوقت يجوز لمن لزمته الصلاة، لكن يشترط لذلك شروطا.

الشرط الأول: أن يكون التأخير في الوقت، بحيث يفرغ من صلاته قبل خروج الوقت.

الثاني: العزم على فعلها في الوقت.

الثالث: ألا يظن قيام مانع يمنعه من أداء الصلاة في الوقت، فإن غلب على ظنه أنه سيكون هناك مانع، فليس له أن يؤخر كمن ظنت حيضًا أو ما أشبه ذلك.

ومن مات من له التأخير في الوقت، فإنه تسقط عنه الصلاة بموته، ولا يترتب على ذلك إثم، لأنه مما أذن له فيه، فلم يترتب عليه مؤاخذة ولا إثم.

  

قال المؤلف رحمه الله: (ومن جحد وجوبها كفر إذا كان ممن لا تجهله، وإن فعلها؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع الأمة، وإن ادعى الجهل، كحديث الإسلام، عرف وجوبها، ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور. فإن أصر كفر).

شرع المؤلف رحمه الله في ذكر أحوال ترك الصلاة، فبدأ بأعظم أحوال ترك الصلاة جرما، وهو من ترك جحودا سواء جحد فرضيتها، أو جحد شيئا مما لا تصح الصلاة إلا به، كما لو جحد شرطًا من شروطها، أو ركنًا من أركانها، فمن جحد وجوبها كفر أي: ثبت كفره، لأن جحودها تكذيبًا لله ولرسوله، وخروج عما أجمعت عليه الأمة، ويصير بذلك مرتدًا بغير خلاف بين أهل العلم.

(إذا كان مما لا يجهله).

أي: إذا كان ممن لا يجهل وجوب الصلاة، والكفر بالجحود ثابت لكل من جحد، ولو كان مقيما للصلاة.

ولذلك قال: (وإن فعلها).

وعلل ذلك بما تقدم من أنه مكذب لله ورسوله، وإجماع الأمة.

(وإن ادعى جهلا بأن قال: لم أعلم كحديث عهد بالإسلام أو من نشأ في بادية، فإنه يعرف وجوبها ولا يحكم بكفره فإن أصر كفر).

هذه هي الحال الأولى من أحوال الكفر بترك الصلاة، وهو ترك الصلاة جحدا لوجوبها.

وأما الحالة الثانية فأشار إليها المؤلف رحمه الله بقوله: (وكذا تاركها تهاونا أو كسلا لا جحودا).

ولكن هذا بشروط ذكرها المؤلف رحمه الله، فترك الصلاة تهاونا وكسلا من غير جحد، كذلك يحكم بكفره كفرا مخرجا عن الملة، لكن بشرطين:

الشرط الأول قال: (ودعاه إمام أو نائبه لفعلها فأصر).

أي: أبى الاستجابة.

الشرط الثاني قال: (وضاق وقت الثانية عنها).

أي: ضاق وقت الثانية في المجموعة كما لو دعي لصلاة الظهر، فإنه لا يحكم بكفره حتى لا يبقى من وقت صلاة العصر إلا قدر فعل صلاة الظهر وقدر فعل صلاة العصر.

وهذا معنى قوله: (وضاق وقت الثانية عنها أي: عن الثانية).

واستدل لذلك المؤلف بقوله: «أوَّلَ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الأمانةُ، وآخِرَ ما تفقدون الصَّلاةَ» المستدرك للحاكم(8762) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، والطبراني(8698)، وعبد الرزاق في مصنفه (5980) بمعناه. ووجه الدلالة أنه جعل ترك الصلاة فقدا للدين.

(قال الإمام أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء).

هذا هو المشهور من المذهب، أنه لا يمكن أن يحكم بكفر أحد ترك الصلاة، إذا لم يدعوه الإمام، ولم يضق وقت الثانية عنها.

ولهذا قال: (فإن لم يدع لفعلها، لم يحكم بكفره؛ لاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها لمثله).

قال رحمه الله: (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا فيهما).

أي: إن من ترك الصلاة تهاونا وكسلا أو تركها جحدا لوجوبها، فإنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا.

قوله: (فيهما).

أي: فيما إذا تركها جحودا، أو فيما إذا تركها تهاونا، وذلك لما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ذكر له رجل ارتد فقتل، فقال لهم: «هلا حبستموهُ ثلاثا، وأطعمتموهُ كل يوم رغِيفا واستتبتموهُ لعلّهُ أن يتوبَ أو يُراجِعَ أمْرُ اللهِ، اللهم إنّي لم أَحضرْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذ بلَغَنِي]» أخرجه مالك (2728)، والشافعي في مسنده(1608)، والبيهقي (16970)، حكم ابن التركماني: متصل. الجوهر النقي(8/207) واستدلوا لقتله بتركه الصلاة جحودًا أو تهاونًا وكسلًا بقوله ﷺ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»صحيح البخاري(3017) وقال بعض أهل العلم: إن الاستتابة ليست واجبة، بل هي مستحبة استدلالا بقول النبي ﷺ «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»صحيح البخاري(3017)  ولم يذكر الاستتابة كذلك في قصة تولية أبي موسي الأشعري، وفيها أن معاذ «فلمَّا قدِمَ عليه ألقَى إليه وسادةً وقال انزلْ وإذا رجلٌ عنده مُوثقٌ قال ما هذا قال كان يهوديًّا فأسلمَ ثمَّ تهوَّد قال اجلسْ قال لا أجلِسُ حتَّى يقتلَ قضاءُ اللهِ عزَّ وجلَّ وقضاءُ رسولهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثَ مرَّاتٍ فأمرَ به فقُتِلَ» أخرجه البخاري (6923)، ومسلم (1733) ولم تذكر استتابته.

قوله رحمه الله: (والجمعة كغيرها).

يعني يجري ما تقدم من الكفر بجحود الصلاة والكفر بجحود بترك الصلاة تهاونًا، ترك كل جمعة، وكذا ترك ركن أو شرط أي: ترك ركن من أركان الصلاة، أو ترك شرط من شروطها.

قال رحمه الله: (وينبغي الإشاعة عن تاركها بتركها حتى يصلي، ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته، قاله الشيخ تقي الدين).

كل ذلك لدفعه وحمله على فعل الصلاة لعله يرتدع بهذا الهجر، وبهذه المعاملة، فيراجع دينه، ويأتي بما أذن الله تعالى عليه من الصلوات.

قال: (ويصير مسلمًا بالصلاة).

أي: هذا الذي ارتد بترك الصلاة تهاونًا وكسلًا يعود إلى الإسلام بفعل الصلاة على الصحيح من المذهب، فتوبته أن يصلي، وذلك أن موجب الكفر هو امتناعه عن الصلاة، فإتيانه بالصلاة يخرجه عن موجب الكفر، وهل يحتاج مع هذا إلى الشهادتين؟

الصحيح من المذهب أنه لا يحتاجه في ذلك إلى الشهادتين، وقيل: يصير مسلمًا بالصلاة وبالإتيان بالشهادتين والأول أصوب.

قال رحمه الله: (ولا يكفر بترك غيرها من زكاة، وصوم، وحج، تهاونًا وبخلًا).

أي: أن سائر أركان الإسلام لا يكفر بتركها هذا هو المذهب، وتخصيص الكفر بترك الصلاة ما جاء في قول عبد الله بن شقيق كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، فإذا أقر بالأركان الأربعة، فإنه لا يكفر بتركها، وإنما يكفر بجحود وجوبها، وفرضيتها.

قال ابن تيمية رحمه الله: وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئا من هذه الأركان، فالتكفير أقوال للعلماء هي رواية عن أحمد، وذكر في ذلك خمس روايات أحدها أنه يكفر بترك واحد من أركان الإسلام، والثاني أنه لا يكفر بترك شيئا من ذلك مع الإقرار بالوجوب، والثالث أنه لا يكفر بترك الصلاة، والرابع أنه يكفر بترك الصلاة وبترك الزكاة، والخامس أن يكفر بترك الصلاة وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج، وهذا كله مع الإقرار بالوجوب والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق