الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
يقول المصنف رحمه الله: (ويصلي العاري) العاجز عن تحصيلها).
أي: تحصيل السترة.
(قاعدًا ولا يتربع).
(قاعدا) أي: ليس قائما، وأما صفة القعود، فذكر قال: ولا يتربع يحصل به الانكشاف، وإنما تحول إلى الصلاة قاعدا لأجل حصول الستر بجلوسه، فإذا تربع كان ذلك مما ينكشف به العورة، فلا يحصل به الستر، ونفي التربع على وجه الخصوص لأجل هذه العلة، ولأجل أنه ورد أن السنة في صلاة الجالس في حال القيام أن يتربع.
فقال: ولا يتربع خلافا لما لو كان جلس في الصلاة لعذر غير عدم وجود ما يستر به عورته، فإن السنة أن يصلي متربعا حال قيامه.
قال: (بل ينضام)أي يجمع بعضه على بعض، ما أمكن لأجل أن يحصل بذلك الستر.
قال: (بالإيماء) أي ليس في صلاته ركوع ولا سجود، فيكون قد فاته ثلاثة أركان، القيام، والركوع، والسجود.
وقوله: (استحبابا) أي: أن صلاته على هذه الصفة على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، فلو صلى قائما صحت صلاته.
وقوله رحمه الله: (استحبابا فيهما) أي: في القعود، والإيماء بالركوع والسجود، فلو صلى قائما، وركع وسجد جاز).
والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يصلي قائمًا وجوبًا، وهو مذهب مالك والشافعي، لقول النبي ﷺ في حديث عمران: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِع»صحيح البخاري(1117) وهو هنا مستطيع، وإنما عدلوا عن القيام في صلاة العاري إلى القعود لأجل ستر العورة، فإن ذلك هو الموجب للصلاة جالسًا، وعللوا ذلك بأن ستر العورة مما يطلب في الصلاة كلها من دخوله فيها إلى فراغه منها، فصلاته قاعدا لأجل تحصيل السترة، أولى من صلاته قائمًا مع انكشاف العورة.
قوله رحمه الله: (ويصلي العاري العاجز عن تحصيلها قاعدًا).
ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون في جماعة أو أن يكون منفردًا، لأن الستر حق لله عز وجل، وهو آكد من القيام لأنه يجب في الصلاة وغيرها، ولأن القيام يسقط مع القدرة في أحوال كما لو صلى نافلة، وفرق بعضهم بين صلاته في جماعة، وصلاته منفردا فقالوا: إذا صلى منفردًا، فإنه يصلي قائمًا.
والقول الذي أشرت إليه وهو وجوب الصلاة قائما في الجماعة ورواية عن أحمد رحمه الله كما تقدم.
والوجه الثاني أن القيام رخص فيه في النافلة، وفي حال وجود العارض من مرض، ووجود التخفيف في واجب من الواجبات يلاحظ في الموازنة بينه وبين ما لم يرد فيه تخفيف، ولهذا رجح الحنابلة أن يصلي قاعدًا مراعاة للستر على الصلاة قائمًا، والإتيان بالأركان، القيام، والركوع، والسجود.
وقوله رحمه الله: (ولا يتربع).
أي: يسن له ترك التربع في حال قعوده، لأن ذلك يفضي إلى انكشاف عورته.
قال: (بل ينضام).
لتحقيق المقصود من القعود وهو الستر.
قال: (بالإيماء).
أي يصلي العاري إيماء في قعوده، والإيماء إشارة، والمقصود به هنا أن يومأ برأسه أو بجذعه ببدنه في ركوعه وسجوده.
وقوله: (استحبابًا).
أي: أن ذلك على وجه الاستحباب في الصلاة قاعدًا، وفي الإيماء.
ولذلك قال: (استحبابًا فيهما).
أي: في القعود والإيماء، فالقعود والإيماء بالركوع والسجود على وجه الاستحباب، لا على وجه الوجوب. ولهذا (قال: فلو صلى قائمًا، وركع وسجد جاز).
وفي الرواية الثانية أنه يجب كما تقدم، والوجوب مبني على عموم قول النبي ﷺ: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِع فقاعدًا، فإن لم تستَطِع فعلَى جنبٍ»صحيح البخاري(1117) وهذا يستطيع، لكنه المشكل ليس في الاستطاعة، إنما المشكل في أن قيامه سيفضي إلى تفويت شرط من شروط الصلاة، وهو ستر العورة، والذين رأوا الوجوب قالوا: إن جلوسه لا يحصل به الستر الواجب في الصلاة، حيث إنه وإن ستر العورة المغلظة بانضمامه القبل والدبر يبقى ما يجب ستره مما هو دون ذلك، والأقرب والله تعالى أعلم أن الأمر فيه سعة، إلا أنه إذا لم يكن هناك ما يمنعه من القيام والإتيان بالصلاة على الوجه المأمور به، فإنه ينبغي له أن يصلي قائمًا ويركع ويسجد.
وهذا القول وجهه أنه قد لا يقوى الإنسان على هذا حياء، فإذا عجز عن ذلك حياء سقط، أما إذا كان يقوى، فإن الأولى أن يأتي بما يستطيع مما فرضه الله تعالى عليه في صلاته.
بيان موقف الإمام في جماعة العراة أن يكون وسطهم، والمقصود بوسطهم.
قال: (أي بينهم).
أي: إذا صلى العراة جماعة، فيكون إمامهم وسطهم، أي: بينهم.
وقوله: (وجوبا).
أي: إن ذلك على وجه الوجوب، وهذا خلاف الأصل في وقوف الإمام، فإن الإمام يكون بين يدي الجماعة ليأتموا به كما قال النبي ﷺ: «إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ به»صحيح البخاري(734)، ومسلم(417)، وهذا يتحقق بتبينه عنهم، وتقدمه عليهم وهذا ما كان عليه فعل النبي ﷺ مع أصحابه، ولكن في صلاة العورات جماعة رعي تحقيق الستر بالنسبة للإمام، وذلك بأن يكون إمام العراة وسطهم، فيكون بينهم، وتوسطه أولى ولكن إن لم يكن ذلك، فإنه يكون بينهم، وإن لم يتساوى عن يمينه وشماله.
وقوله: (وجوبًا).
لأنه أستر من أن يتقدم عليهم، ولهذا قالوا: فإن تقدمهم الإمام بطلت في الأصح عند الأصحاب، وذلك لعدم تحقق ستر الإمام لعورته في هذه الحال.
قال رحمه الله: (ما لم يكونوا عميانا، أو في ظلمة).
استثنى هاتين الحالين أن يكونوا عمينا، فإذا كانوا عميانا، فلم يرى بعضهم عورة بعض، وكذلك إذا كانوا في ظلمة، فإنه يتقدمهم على الأصل في موقف الإمام في الصلاة، وأما كون الجماعة مطلوبة في هذه الحال، فإنه في فضل الجماعة والندب إليها، فهم مشمولون في هذه العمومات، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «صلاةُ الرَّجلِ في جماعةٍ تفضلُ علَى صلاةِ الرَّجلِ وحدَهُ بسبعٍ وعشرينَ درجةً» أخرجه البخاري (645)، ومسلم (650) وهذا عام في كل مصلي عارٍ أو لابس.
وقوله رحمه الله: (ويصلي كل نوع من رجال ونساء وحده لأنفسهم إن اتسع محلهم، فإن شق ذلك صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم عكسوا فصلى النساء واستدبرهن الرجال).
وهذا بيان أنه إذا اجتمع رجال ونساء عراة، صلى الرجال وحدهم أي: صلوا جماعة بمفردهم، وصلى النساء وحدهن في جماعة منفردًا، فلا يصلون جميعًا، لأن النساء لا يقمن أن يفقهن في صف الرجال، فلا يتحقق التوسط، فلا بد لهن من صف مؤخر، فإذا صففن وراء الرجال، صرن يرون عورات الرجال، فلا تصلي النساء مع الرجال جماعة في حال كون المصلين عراة، بل يصلي النساء في مكان، ويصلي الرجال في مكان، ولا يصلون جماعة، فإن شق هذا أي لم يتمكنوا من ذلك لأمر يلحقهم فيه عنت ومشقة، صلى كل نوع وحده، فيبتدأ الرجال بالصلاة، وتكون ظهور النساء إلى القبلة، أي: يستدبرون القبلة حتى لا يطلعوا على عورات الرجال، ثم تصلي النساء ويفعل الرجال كذلك، فتكون ظهور الرجال نحو القبلة لئلا يروا عورات النساء، وهذا كله جمعا بين تحصيل الجماعة وإدراك فضيلتها، وبين تحقيق ستر العورة الذي هو شرط من شروط الصلاة.
قال المصنف رحمه الله: (فإن وجد المصلي عريانا سترة قريبة عرفا في أثناء الصلاة ستر بها عورته وبنى على ما مضى من صلاته وإلا يجدها قريبة، بل وجدها بعدية ابتدأ الصلاة بعد سترة عورته، وكذا؛ من عتقت فيها واحتاجت إليها).
أي: إن المصلي عاريا إذا وجد سترة قريبة أي: يسهل تناولها وحدد القربى بالعرف، لأنه لا تقدير فيه، فالمرجع في ذلك إلى ما جرى به العرف، فإذا كانت قريبة تناولها في أثناء صلاته، وستر بها عورته، وبنى على ما مضى من صلاته، فلا يقطع صلاته لأجل لبس السترة، لأنه يمكنه المضي في صلاته، ويكون في هذا نظير ما جرى لأهل قباء لما علموا بتحويل القبلة، فإنهم لم يقطعوا الصلاة، بل استداروا إليها وأتموا صلاتهم، ومثله إذا كانت السترة قريبة، فإنه يشتغل بتحصيلها ولا يقطع صلاتها، هذا إذا كان قريبة والستر لا يحتاج إلى عمل كثير، فإن كانت السترة غير قريبة أو احتاجت إلى عمل كثير لتحقيقها، فإن الصلاة تبطل، لأنه لا يمكنه المضي في الصلاة عاريا، وهو قادر على الستر.
وكما تقدم أن المرجع في ذلك إلى العرف، فإن كانت بعيدة عرفا، أو تستغرق عملا كثيرا عرفا، فإنه لا يبني بل يقطع الصلاة ويستأنفها من أولها.
وقيل: بل يبني مطلقًا يعني سواء كانت قريبة أو بعيدة.
وقيل: لا يبني مطلقًا يعني سواء كانت قريبة أو بعيدة.
قوله رحمه الله: (وكذا من عتقت فيها).
أي: الأمة الرقيق، إذا عتقت فيها وعورتها وهي رقيق كعورة الرجل في الصلاة، فإن يمكنها إذا عتقت في الصلاة أن تستر بالستر الذي يطلب من الحرة، فإنها تستر نفسها وتمضي في صلاتها إذا كانت قريبة، أما إذا كانت بعيدة فإنه يجري فيها ما تقدم من وجوب الخروج من الصلاة واستأنفها، بعد تحصيل السترة.
ما يكره من الألبسة في الصلاة:
قوله رحمه الله: (ويكره في الصلاة: السدل وهو: طرح ثوب على كتفيه، ولا يرد طرفه في الأخرى).
هذا شروع في ذكر ما يكره من الألبسة في الصلاة، وأول ما ذكر، ذكر كراهية السدل، هذا المذهب لما جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ نهى عن السدل في الصلاة أخرجه أبو داود (643)، والترمذي (378)، وأحمد (7921)، وقد فسر المؤلف رحمه الله السدل بأنه طرح ثوب على كتفيه، ولا يرد طرفه أي: طرف الثوب على الأخرى، أي: على كتفه الأخرى، هذا ما فسره به المؤلف رحمه الله السدل.
قال المرداوي: وهذا التفسير هو الصحيح وعليه جمهور الأصحاب.
وقيل: بل السدل أن يضع الثوب على أحد كتفيه دون الآخر.
وقيل: السدل هو إسبال الثوب على الأرض.
وقيل: السدل هو وضع وسط الرداء على رأسه وإرساله من ورائه على ظهره، وهي لبسة اليهود.
كل هذا مما قيل في السدل، والأقرب والله أعلم ما ذكره المؤلف من تفسير، والكراهية هنا فيما إذا كان عليه ثوب آخر يستر عورته، أما إذا لم يكن عليه ثوب آخر، فإن السدل لا يتحقق به ستر العورة، فيكون بهذا قد فوت شرطا من شروط صحة الصلاة، وهو ستر العورة، فلا يصح.
قوله رحمه الله: (ويكره فيها).
أي: في الصلاة.
(اشتمال الصماء بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، فإن كان تحته ثوب غيره لم يكره).
هذه ثاني لبسة تكره في الصلاة، وهي اشتمال الصماء، وعرفه بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، بمعنى أن يكون في صلاته قد اضطبع بثوب ليس عليه غيره، وحملوا الكراهة فيما إذا لم يكن عليه ثوب غيره، أما إذا كان عليه ثوب آخر، فإنه لا يكره حينئذ، والأصل في النهي عن اشتمال الصماء ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن لبستين عن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء صحيح البخاري(6284)، ومسلم (1512) ، وجاء في حديث أبي سعيد أيضًا الحديث نفسه نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء أخرجه البخاري(6284)، ومسلم (1512).، وقد جاء في صحيح البخاري في بيان معنى اشتمال الصماء فقال: أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، وهي قريبة من الصفة التي ذكرها الأصحاب.
وقيل: اشتمال الصماء هو أن يتجلى للرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانبًا، وسمي صماء لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، فيكون كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء ذكروا في هذا المعنى الذي ذكرت، وهو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على عاتقه، واشتمال الصماء مما وقع فيه خلاف بين أهل اللغة، والفقهاء.
قال أبو عبيد: اشتمال الصماء عند العرب أن يلتحف الرجل بثوب يجلل به جسده كله كما تقدم، ولا يرفع منه جانبًا يخرج منه يديه بأن يكون مغلق عليه من كل جانب.
أما الفقهاء فعرفوه بما ذكره المؤلف رحمه الله من صفة، بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، والذي يظهر والله تعالى أعلم أن كلا الصورتين مما يدخل في اشتمال الصماء.
أما تفسير أهل اللغة فواضح لكونه مشابه للصخرة الصماء من حيث عدم وجود منافذ، وأما على المعنى الآخر فهو شبيه به من جهة أنه لا يتمكن من تمام التصرف بنفسه إذا كان قد جلل أحد طرفيه، فكلا الصورتين مما يندرج في اشتمال الصماء المنهي عنه، فإذا كان النهي عن الصفة التي ذكر المؤلف من كون اشتمال الصماء اضطباع بالثوب، ليس عليه غيره، فما كان من تجليل البدن بالثوب بحيث لا يكون لليدين منافذ، هو أشد وأحق للنهي.
قال المصنف: (ويكره في الصلاة: تغطية وجهه).
أي: كامل الوجه.
(واللثام على فمه وأنفه).
وهذا تغطية لبعض الوجه.
قال: (بلا سبب).
أي: من غير داع والأصل في هذا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه يعني في الصلاة، فإن كان النهي عن تغطية الفم في الصلاة، فتغطية الفم والأنف من باب أولى، وتغطية الوجه كاملا أيضًا من باب أولى، وعلل المؤلف ذلك بأن في تغطية الفم تشبه بفعل المجوس عند عبادتهم، وهذا وجه آخر من موجبات الكراهة.
قوله رحمه الله: (ويكره كف كمه أي: أن يكفه عن السجود معه ولفه أي: لف كمه بلا سبب، لقوله: «ولا أكف شعرا ولا ثوبا» متفق عليه).
أي: إن مما يكره في الصلاة كف كمه عن السجود معه، وكذا لف كمه بلا سبب، أي: من غير موجب، والدليل واضح، «لا أكُفُّ شَعَرًا ولَا ثَوْبًا» صحيح البخاري(816)، ومسلم (490) في حديث ابن عباس في الصحيحين، والكف أ، يجذبه حتى يترفع، أو يثنه حتى يرتفع، وأما اللف أن يطويه حتى يرتفع.
وقوله: (بلا سبب).
أي: من دون موجب من حر أو برد أو مصلحة، والكف واللف متقاربان، ولهذا كان الدليل واحدا، أما المكروه الخامس ذكره المؤلف رحمه الله مما يتعلق باللباس.
(ويكره فيه شد وسطه كزنار أي: مما يشبه شد الزنار لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، وفي الحديث: «من تشبَّه بقَومٍ فهو منهم» رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح).
هذا بيان لكراهة هذه الصفة وهي أن يشد وسطه بما يشبه الزنار، فلو كان بزنار كان النهي أشد، لأن المؤلف نهى عن أن يشد وسطه بما يشبه الزنار، فما كان زنارًا، فإنه من باب أولى، والعلة ما ذكره من التشبه بأهل الكتاب، وقد قال النبي ﷺ: «من تشبَّه بقَومٍ فهو منهم» أخرجه أبو داود (4031) واللفظ له، وأحمد (5114)، قال الزيلعي: فيه ابن ثوبان ضعيف. نصب الراية(4/347). وهذا الذي ذكر المؤلف رحمه الله هو مطلق، والزنار خيط رفيع يلبسه أهل الكتاب قد يتدلى منه بعض الشيء، يعني يكون معه شيء يتدلى إما من الإمام أو من الخلف، وعن الإمام أحمد رواية أنه لا يكره، وما ذكره من تعليل الكراهة من التشبه لا يختص بالصلاة، لأن كراهيته من أجل كونه من التشبه، وقيل: يحرم والتشبه بهم قيل: مكروه، وقيل: يحرم.
وقوله رحمه الله: (بما يشبه شد الزنار).
أنه إذا كان لا يشبه شد الزنار فلا يكره، وهذا هو الصحيح، بل استحبه بعضهم لما فيه من ستر العورة، ولما فيه من الاستعانة على طول القيام ونحوه.
وقوله رحمه الله: (ويكره للمرأة شد وسطها في الصلاة مطلقا).
يعني سواء بما يشبه شد الزنار وبغيره، فالكراهية بالنسبة للنساء مطلقا، أي ولو كان بما لا يشبه شد الزنار، وذلك لكون شد المرأة وسطها يبين مفاتنها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتحرم الخيلاء في ثوب).
لعلنا نقف على هذا، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
قوله رحمه الله: (ويكره في الصلاة: السدل وهو: طرح ثوب على كتفيه، ولا يرد طرفه في الأخرى).
هذا شروع في ذكر ما يكره من الألبسة في الصلاة، وأول ما ذكر، ذكر كراهية السدل، هذا المذهب لما جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ نهى عن السدل في الصلاة أخرجه أبو داود (643)، والترمذي (378)، وأحمد (7921)، وقد فسر المؤلف رحمه الله السدل بأنه طرح ثوب على كتفيه، ولا يرد طرفه أي: طرف الثوب على الأخرى، أي: على كتفه الأخرى، هذا ما فسره به المؤلف رحمه الله السدل.
قال المرداوي: وهذا التفسير هو الصحيح وعليه جمهور الأصحاب.
وقيل: بل السدل أن يضع الثوب على أحد كتفيه دون الآخر.
وقيل: السدل هو إسبال الثوب على الأرض.
وقيل: السدل هو وضع وسط الرداء على رأسه وإرساله من ورائه على ظهره، وهي لبسة اليهود.
كل هذا مما قيل في السدل، والأقرب والله أعلم ما ذكره المؤلف من تفسير، والكراهية هنا فيما إذا كان عليه ثوب آخر يستر عورته، أما إذا لم يكن عليه ثوب آخر، فإن السدل لا يتحقق به ستر العورة، فيكون بهذا قد فوت شرطا من شروط صحة الصلاة، وهو ستر العورة، فلا يصح.
قوله رحمه الله: (ويكره فيها).
أي: في الصلاة.
(اشتمال الصماء بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، فإن كان تحته ثوب غيره لم يكره).
هذه ثاني لبسة تكره في الصلاة، وهي اشتمال الصماء، وعرفه بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، بمعنى أن يكون في صلاته قد اضطبع بثوب ليس عليه غيره، وحملوا الكراهة فيما إذا لم يكن عليه ثوب غيره، أما إذا كان عليه ثوب آخر، فإنه لا يكره حينئذ، والأصل في النهي عن اشتمال الصماء ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن لبستين عن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء صحيح البخاري(6284)، ومسلم (1512) ، وجاء في حديث أبي سعيد أيضًا الحديث نفسه نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء أخرجه البخاري(6284)، ومسلم (1512).، وقد جاء في صحيح البخاري في بيان معنى اشتمال الصماء فقال: أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، وهي قريبة من الصفة التي ذكرها الأصحاب.
وقيل: اشتمال الصماء هو أن يتجلى للرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانبًا، وسمي صماء لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، فيكون كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء ذكروا في هذا المعنى الذي ذكرت، وهو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على عاتقه، واشتمال الصماء مما وقع فيه خلاف بين أهل اللغة، والفقهاء.
قال أبو عبيد: اشتمال الصماء عند العرب أن يلتحف الرجل بثوب يجلل به جسده كله كما تقدم، ولا يرفع منه جانبًا يخرج منه يديه بأن يكون مغلق عليه من كل جانب.
أما الفقهاء فعرفوه بما ذكره المؤلف رحمه الله من صفة، بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، والذي يظهر والله تعالى أعلم أن كلا الصورتين مما يدخل في اشتمال الصماء.
أما تفسير أهل اللغة فواضح لكونه مشابه للصخرة الصماء من حيث عدم وجود منافذ، وأما على المعنى الآخر فهو شبيه به من جهة أنه لا يتمكن من تمام التصرف بنفسه إذا كان قد جلل أحد طرفيه، فكلا الصورتين مما يندرج في اشتمال الصماء المنهي عنه، فإذا كان النهي عن الصفة التي ذكر المؤلف من كون اشتمال الصماء اضطباع بالثوب، ليس عليه غيره، فما كان من تجليل البدن بالثوب بحيث لا يكون لليدين منافذ، هو أشد وأحق للنهي.
قال المصنف: (ويكره في الصلاة: تغطية وجهه).
أي: كامل الوجه.
(واللثام على فمه وأنفه).
وهذا تغطية لبعض الوجه.
قال: (بلا سبب).
أي: من غير داع والأصل في هذا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه يعني في الصلاة، فإن كان النهي عن تغطية الفم في الصلاة، فتغطية الفم والأنف من باب أولى، وتغطية الوجه كاملا أيضًا من باب أولى، وعلل المؤلف ذلك بأن في تغطية الفم تشبه بفعل المجوس عند عبادتهم، وهذا وجه آخر من موجبات الكراهة.
قوله رحمه الله: (ويكره كف كمه أي: أن يكفه عن السجود معه ولفه أي: لف كمه بلا سبب، لقوله: «ولا أكف شعرا ولا ثوبا» متفق عليه).
أي: إن مما يكره في الصلاة كف كمه عن السجود معه، وكذا لف كمه بلا سبب، أي: من غير موجب، والدليل واضح، «لا أكُفُّ شَعَرًا ولَا ثَوْبًا» صحيح البخاري(816)، ومسلم (490) في حديث ابن عباس في الصحيحين، والكف أ، يجذبه حتى يترفع، أو يثنه حتى يرتفع، وأما اللف أن يطويه حتى يرتفع.
وقوله: (بلا سبب).
أي: من دون موجب من حر أو برد أو مصلحة، والكف واللف متقاربان، ولهذا كان الدليل واحدا، أما المكروه الخامس ذكره المؤلف رحمه الله مما يتعلق باللباس.
(ويكره فيه شد وسطه كزنار أي: مما يشبه شد الزنار لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، وفي الحديث: «من تشبَّه بقَومٍ فهو منهم» رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح).
هذا بيان لكراهة هذه الصفة وهي أن يشد وسطه بما يشبه الزنار، فلو كان بزنار كان النهي أشد، لأن المؤلف نهى عن أن يشد وسطه بما يشبه الزنار، فما كان زنارًا، فإنه من باب أولى، والعلة ما ذكره من التشبه بأهل الكتاب، وقد قال النبي ﷺ: «من تشبَّه بقَومٍ فهو منهم» أخرجه أبو داود (4031) واللفظ له، وأحمد (5114)، قال الزيلعي: فيه ابن ثوبان ضعيف. نصب الراية(4/347). وهذا الذي ذكر المؤلف رحمه الله هو مطلق، والزنار خيط رفيع يلبسه أهل الكتاب قد يتدلى منه بعض الشيء، يعني يكون معه شيء يتدلى إما من الإمام أو من الخلف، وعن الإمام أحمد رواية أنه لا يكره، وما ذكره من تعليل الكراهة من التشبه لا يختص بالصلاة، لأن كراهيته من أجل كونه من التشبه، وقيل: يحرم والتشبه بهم قيل: مكروه، وقيل: يحرم.
وقوله رحمه الله: (بما يشبه شد الزنار).
أنه إذا كان لا يشبه شد الزنار فلا يكره، وهذا هو الصحيح، بل استحبه بعضهم لما فيه من ستر العورة، ولما فيه من الاستعانة على طول القيام ونحوه.
وقوله رحمه الله: (ويكره للمرأة شد وسطها في الصلاة مطلقا).
يعني سواء بما يشبه شد الزنار وبغيره، فالكراهية بالنسبة للنساء مطلقا، أي ولو كان بما لا يشبه شد الزنار، وذلك لكون شد المرأة وسطها يبين مفاتنها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتحرم الخيلاء في ثوب).
لعلنا نقف على هذا، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.