الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
يقول المصنف-رحمه الله-: ((و) السابع (أكل اللحم خاصة من الجزور) أي الإبل فلا ينقض بقية أجزائها..... إلى آخر ما قال) الفروع وتصحيح الفروع (1/ 183)، والفتاوى الكبرى (1/ 296).
هذا هو الناقض السابع من نواقض الوضوء وهو قول أكل الإبل، فقوله –رحمه الله-: (أكل اللحم خاصة) أي دون سائر أجزاء الجزور، والجزور هو البعير، وهو اسم للبعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظَ مؤنثٌ، فتقول هذه الجزور وإن أردت ذكرًا.
ولذلك قال المصنف-رحمه الله-: فلحم الإبل ينقض الوضوء دون سائر الأجزاء، ولهذا قال: (فلا ينقض بقية أجزائها) أي أجزاء الجزور كالكبد وسائر أجزاء البعير هذا هو المذهب وعليه أكثر الأصحاب المغني لابن قدامة (1/140).
قال: (وشرب لبنها، ومرق لحمها)، أي كل ذلك لا ينقض، وأما اللحم فإنه ينقض ولا فرق بين ذلك بين أن يكون نيا أو مطبوخًا المرجع السابق نفس الصفحة، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/86).
ولذلك قال: (وسواء كان نيًا) أي اللحم لم يعالج بالطبخ (أو مطبوخًا).
وأما الدليل فقد قال المؤلف –رحمه الله-: (قال أحمد: فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة حديث جابر بن سمرة) في صحيح الإمام مسلم «أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ـ أأَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ؟ قالَ: إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وإنْ شِئْتَ فلا تَوَضَّأْ قالَ أتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإبِلِ؟ قالَ: نَعَمْ تَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ» رواه مسلم (360) ففرق النبي –صلى الله عليه وسلم-في الجواب بين لحم الإبل وبين لحم الغنم، فجعل الوضوء في لحم الإبل دون لحم الغنم، وفي حديث البراء بن عازب أيضًا «سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ـ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ـ عنِ الوُضوءِ من لحومِ الإبلِ، فقالَ: تَوضَّئوا مِنها» سنن أبي داود (184)، والترمذي (81)، وابن ماجه (494) وهذا هو عمدة من ذهب إلى وجوب الوضوء من لحم الإبل. الفروع وتصحيح الفروع (1/ 183)، والفتاوى الكبرى (1/ 296)
وأما الجمهور فقد ذهبوا: إلى أنه لا يجب الوضوء من لحم الإبل، بل الوضوء من لحم الإبل مستحب، وليس واجبًا بدائع الصنائع (1/ 32)، والمنتقى للباجي (1/ 65)، والمجموع (2/ 66) ، والذي صرف دلالة الوجوب عن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال: «كان آخِرَ الأمرَيْنِ مِن رسولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ـ تَرْكُ الوُضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ» سنن أبي داود (192)، والترمذي (80)، والنسائي (185).
وهذا يشمل لحم الإبل وغيره، وحملوا ما في هذا الحديث على الاستحباب، ومما يؤيد هذا فيما يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن هذين الحديثين جاءا التفريق فيهما بين لحم الإبل ولحم الغنم جواباً على سؤال، ولو كان الأمر يتعلق بتقرير نقض الوضوء بلحم الإبل، لكان مبتدأ لا حاجة فيه إلى سؤال سائل، والله تعالى أعلم.
فالأقرب من القولين: هو أن الوضوء من لحم الإبل محمول على الاستحباب، قد حمل بعض أهل العلم الأمر في هذين الحديثين الوضوء من لحم الإبل على أنه الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين، لكن هذا خلاف ما جرى عليه استعمال الشارع.
فالأصوب: أن يقال هنا: المراد به الوضوء الشرعي ؛ ولكنه ليس على وجه الوجوب إنما هو على وجه الاستحباب.
ثم قال المصنف –رحمه الله-: ((و) الثامن: المشار إليه بقوله: (كل ما أوجب غسلاً)؛ كإسلام، وانتقال مني ونحوهما؛ (أوجب وضوءًا المبدع في شرح المقنع (1/154)، والفروع وتصحيح الفروع (1/238) إلا الموت)، فيوجب الغسل دون الوضوء)، هذا بيان ثامن ما ينقض الوضوء، وهو كل موجبات الغسل وسيأتي ذكر موجبات الغسل في باب الغسل، يعني كل ما أوجب غسلًا، فإنه يوجب وضوءًا إلا أنه استثنى الموت، ومثَّل لما يوجب الغسل (كإسلام وانتقال مني ونحوهما) من موجبات الغسل كالتقاء الختانين ونحو ذلك.
وقوله: (إلا الموت) أي فلا يوجب وضوءاً ؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم-أمر بغسل الميت دون توضيته فدل ذلك على عدم وجوب الوضوء، إلا أن الوضوء مندوب في غسل الميت ؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" البخاري (1197)، ومسلم (939) في حديث أم عطيه لما أمرهم بما يكون في غسل ابنته ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ لكن ذلك على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب.
وأما ما عدا الموت من موجبات الغسل، فإنه يوجب الوضوء، وهذا يعني أنه عند الاغتسال يجب أن ينوي رفع الحدث الأصغر مع الحدث الأكبر، والسنة أن يخص أعضاء الوضوء بوضوء ؛ لكن إذا أفاض الماء ونوى رفع الحدثين حصل ما يطلب من الطهارة.
فقوله –رحمه الله-: (ولا نقض بغير ما مر، كالقذف، والكذب، والغيبة ونحوها، والقهقهة ولو في الصلاة، وأكل ما مست النار غير لحم الإبل) الشرح الكبير على متن الإقناع (1/193)، والمغني لابن قدامة (1/131).
فقوله –رحمه الله-: (ولا نقض بغير ما مر) أي مما سبق ذكره من النواقض وهي الثمانية (كالقذف والكذب والغيبة ونحوها) أي من المعاصي والسيئات، فإنه لا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك، (والقهقهة ولو في الصلاة) فإنها لا تنقض الوضوء، وما ورد في ذلك من أحاديث لا يصح، (وأكل ما مست النار) أيضًا لا ينقض الوضوء ؛ لما جاء في حديث جابر أن آخر الأمرين من النبي –صلى الله عليه وسلم-كان ترك الوضوء مما مست النار واستثنى المؤلف –رحمه الله- لحم الإبل فقال: (غير لحم الإبل) لما تقدم.
ثم قال: (ولا يسن الوضوء منهما)، الضمير يعود للقهقهة وأكل ما مست النار بخلاف ما تقدم من القذف والكذب والغيبة، وغيرها من المعاصي القولية والعملية، فإنه يسن الوضوء لما في ذلك من التطهير للقلب والجوارح مما قارفته من سيء العمل، أما القهقهة وأكل ما مست النار، فإنه لا يسن الوضوء منهما. شرح منتهى الإرادات (1/74)، والمغني (1/131)
((ومن تيقن الطهارة وشك)، أي: تردد (في الحدث، أو بالعكس)؛ بأن تيقن الحدث وشك في الطهارة؛ (بنى على اليقين))، هاتان مسألتان فيما يتعلق بالشك في الطهارة، فجعل المؤلف –رحمه الله-المسألة مقابلة بين أمرين: بين اليقين والشك ولم يذكر الظن ؛ لأن الظن مندرج في الشك في هذه المسألة الكافي في فقه الإمام أحمد (1/92)، والمغني لابن قدامة (1/144).
فقوله: (من تيقن الطهارة وشك) سواء كان شك مستوى الطرفين أو كان ظنًا غلب فيه شيء على شيء، فإنه مشمول بقوله: (وشك) أي تردد) فالتردد قد يكون للاستواء، وقد يكون لوجود احتمال في أحد الشيئين، وإن كانا أضعف من غيره.
فقوله: (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين) هذه هي المسألة الأولى، أي بنى على ما تيقنه فإذا تيقن الطهارة وشك في الحدث لم يلتفت إلى الحدث فلا حاجة إلى عادة الوضوء إعمالًا لليقين، والعكس أن يتيقن الحدث ويشك في الطهارة، ففي هذه الحال لا ينظر إلى ظنه ولا إلى شكه ؛ بل يحكم بأنه على غير طهارة، فيجب عليه الوضوء للصلاة، هذا معنى قوله –رحمه الله-: (ومن تيقن الطهارة وشك أي تردد في الحدث أو بالعكس) لأن تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين الكافي في فقه الإمام أحمد (1/92)، والمغني لابن قدامة (1/144).
ثم قال المصنف –رحمه الله-: (سواء كان في الصلاة أو خارجها)، أي لا فرق في هذا الحكم وهو إعمال اليقين وإلغاء الشك بين أن يكون ذلك في الصلاة أو خارجها.
وذهب بعض أهل العلم إلى التفريق بين الصلاة وبين كونه في خارجها فقالوا: إذا كان في الصلاة أعمل اليقين وألغى الشك، وأما إذا كان في خارجها فلا يلغي الظن الغالب التاج والإكليل (1/ 301)، والثمر الداني (1/ 200) واستدلوا لذلك بأنه قد جاء في الصحيح من حديث عباد بن تيمم عن عمه أنه شكى للنبي –صلى الله عليه وسلم-الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد شيء في الصلاة فقال: "لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحًا صحيح البخاري (177)، وصحيح مسلم (361)"، فنهي النبي –صلى الله عليه وسلم-عن الصلاة حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا، وهذا الحديث وإن كان واردًا في الصلاة، إلا أن المعنى قائم في الصلاة وفي غيرها، وقد جاء التصريح بالحكم حتى فيما هو فيه خارج الصلاة من حديث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ في صحيح الإمام مسلم قال –صلى الله عليه وسلم-: «إذا وجَدَ أحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شيئًا، فأشْكَلَ عليه أخَرَجَ منه شيءٌ أمْ لا، فلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حتَّى يَسْمع صَوْتًا، أوْ يَجِدَ رِيحًا» صحيح مسلم (362).
قال –رحمه الله-: (تساوى عنده الأمران أو غلب على ظنه) يعني أن الشك في قوله: (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث) شامل لحال الشك الذي فيه تساوي الطرفين دون ترجيح، أو فيه تغليب أمر على أمر، أو شيء على شيء ؛ (لقوله –صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسْمع صَوْتًا أوْ يَجِدَ رِيحًا» متفق عليه صحيح البخاري (177)، وصحيح مسلم (361)) في حديث عابد بن تيمه عن عمه.
قوله –رحمه الله-: ((فإن تيقنهما)، أي: تيقن الطهارة والحدث، (وجهل السابق) منهما؛ (فهو بضد حاله قبلهما) إن علمهما) ومعنى هذا ما بينه بقوله: (فإن كان قبلهما متطهرًا فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا فهو الآن متطهر ؛ لأنه قد تيقن زوال تلك الحالة إلى ضدها، وشك في بقاء ضدها وهو الأصل، وإن لم يعلم حاله قبلهما) بأن شك هل هو متطهر أو محدث؟
فإن الواجب عليه أن يتطهر، ولذلك قال: (وإن لم يعلم حاله قبلهما تطهر) أي وجب عليه الوضوء ؛ لانغلاق الأمر عليه الهداية على فقه الإمام أحمد ص (58)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/92).
قال –رحمه الله-: (ويحرم على المحدث مس المصحف) وهذا أول ما ذكره من الأحكام التي هي من آثار انتقاض الوضوء، أنه يحرم على المحدث، وهو من انتقض وضوئه بناقض من النواقض السابقة
(مس المصحف) أي مباشرته باليد أو غيرها من أعضاء البدن.
ولذلك قال: ((مس المصحف) أو بعضه حتى جلده وحواشيه بيد أو غيرها بلا حائل)، فالحكم في هذا يشمل جميع ما يتعلق بالمصحف من موضع الكتابة (وحواشيه) وكذلك ما يكون من جلدته التي يحفظ بها وسواء كان المس باليد أو بغيرها إذا كان مباشرة بلا حائل، والأصل في هذا ما جاء في كتاب آل عمرو بن حزم حيث جاء فيه "ما يمس القرآن إلا طاهر"، والمقصود بالطاهر المتطهر القناع (1/ 134).
قوله –رحمه الله-: (ولا حمله بعلاقته أو في كيس) أي لا يحرم (حمله بعلاقته أو في كيس أو كم من غير مس، ولا تصفحه بكمه) المغني لابن قدامة (1/109) فإن هذا لا يدخل ؛ لأنه لم يمس (أو عود ولا صغير لوحا فيه قرآن) أي لا يحرم على الصغير مس المصحف من الموضع الخالي من الكتابة، (ولا مس تفسير ونحوه) أي ولا يحرم مس تفسير ونحوه ؛ لأنه ليس مصحفًا فلا يدخل في العموم المغني (1/109)، والكافي في فقه الإمام أحمد (1/93).
قوله –رحمه الله-: ( يحرم أيضا مس مصحف بعضو متنجس) وهذا من آداب المصاحف أنه لا يمس المصحف بعضو متنجس، فإذا كان منع من مس المصحف لأجل النجاسة المعنوية، فمنعه منه لأجل النجاسة الحسية من باب أولى الكافي (1/94)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/213).
قال: (وسفر به لدار حرب) أي ويحرم سفر به ؛ لأن السفر إلى بلاد الكفر يعرض القرآن إلى الانتهاك والتسلط عليه من العداء ؛ لكن قيد ذلك (لدار حرب) أي لدار ليس بين المسلمين وبين أهلها عهد ولا عقد المغني لابن قدامة (1/110)، والشرح الكبير (2/78).
قال: (وتوسده، وتوسد كتب فيها قرآن) أي يحرم أيضًا توسده لما فيه من الامتهان، كذلك يكره مس كتب علم فيها قرآن لما في مسها من امتهانها، والمطلوب صيانة المصحف سواء كان ذلك بمس داخله أو مس خارجه.
قال: (وسفر به لدار حرب، وتوسده، وتوسد كتب فيها قرآن) هذا كله مما يحرم لما فيه من الامتهان ما لم يخف السرقة الإقناع في فقه الإمام أحمد (1/41).
قال: (ويحرم أيضًا كتب القرآن بحيث يهان) سواء على الجدر أو غيره وكره مد الرجل إليه لما فيه من الزهد، لما فيه وعدم المضيف ما أنت فيه.
قوله –رحمه الله-: (وكره مد رجل إليه واستدباره) لما في ذلك من الإهانة منتهى الإرادات (1/77).
وقوله: (وتخطيه به وتحليته بذهب أو فضة) أي ويحرم تخطيه بأن يرفع رجله عليه وتحليته بالذهب أو الفضة، والذي يظهر أن التحلية لا بأس بها بما لا يوقع في محرم من ذهب ونحوه الفروع وتصحيح الفروع (1/247).
قال: (وتحرم تحلية كتب العلم) أي لا يجوز يذيب الإنسان ذهبًا وفضة ويلصقها بكتاب لأسفاره شرح منتهى الإرادات(1/78).
قوله –رحمه الله-: ((و) يحرم على المحدث أيضا (الصلاة) ولو نفلًا، حتى صلاة جنازة، وسجود تلاوة وشكر، ولا يكفر من صلى محدثاً) شرح العمدة لابن تيمية ص (380)، والفروع وتصحيح الفروع (1/241) هذا بيان ثالث ما ذكره المؤلف –رحمه الله-من مفسدات الوضوء.
قال: ((و) يحرم على المحدث أيضا (الطواف) ؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:«الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام» مسند الشافعي ص (127)، وأخرجه الترمذي (960)، والدارمي (1847)، وابن حبان (3836) رواه الشافعي في مسنده).
واختار شيخ الإسلام: جواز الطواف على غير طهارة حتى للحائض ولا دم عليها للعذر مجموع الفتاوى (26/ 198)، وأعلام الموقعين (3/ 34) كما لو كانت مع رفقة سيذهبون ويتركونها ولا تبقى، ولم تستطيع البقاء بمفردها، فهذا من الأعذار المبيحة لترك بعض واجبات الحج.