الطهارة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 103

التاريخ : 2025-10-19 14:24:42


 الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

يقول المصنف -رحمه الله-: (باب الغسل) وحكم الجنب، وذكر في الغسل اشتقاقه، فقال: بالضم وبالفتح وبالكسر.

أولا قوله –رحمه الله-: (باب الغسل) أتى بالغسل بعد الفراغ من الحدث الأصغر وما يتعلق به من الأحكام من الوضوء، والمسح على الخفين، ونواقض الوضوء، وراعى في ذلك ما ذكره الله ـ تعالى ـ في آية الطهارة ؛ حيث قال ـ جل في علاه ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[المائدة: 6] فجاء بالغسل بعد الفراغ مما يتعلق بالطهارة الصغرى وهي الوضوء.

قوله –رحمه الله-: (باب الغسل) بالضم (بضم الغين: الاغتسال، أي: استعمال الماء في جميع البدن، على وجه مخصوص. وبالفتح: الماء، أو الفعل، وبالكسر: ما يغسل به الرأس، من خطمي وغيره) ينظر المصباح المنير (2/447)، ولسان العرب (11/494).

هذا يتعلق بالجانب اللغوي في هذه الكلمة، فبالضم الاغتسال وهو المقصود به في هذا الباب وقدمه لأنه المراد، ولذلك قال: (أي استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص) المحرر في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/42)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/139) وسيأتي بيان هذا الوجه.

والفقهاء ـ رحمهم الله ـ يذكرون الخصوص في كثير من التعريفات للخروج من طول التعريف وذلك ؛ لأن التعريفات مبنية على الاختصار، وأنها بيان إجمالي للشيء لا يحتمل التفصيل (وبالفتح) أي هذه كلمة الغين والسين واللام بفتح أوله الغسل يطلق على معنيين:

الأول: (الماء) وهو ما يستعمل في الغسل.

والثاني: (أو الفعل) وهو فعل الاغتسال، فيطلق على هذا وهذا، فعل الاغتسال أو فعل الغسل المصباح المنير (2/447)، ولسان العرب (11/494).

(وبالكسر ما يغسل به الرأس من خِطْمِيٍّ أو غيره) شرح منتهى الإرادات (1/79)الغسل، ثم ذكر –رحمه الله-بعد الفراغ من ذكر التعريف اللغوي.

قال: ((وموجبه) ستة أشياء:) وهذا ذكر لموجبات الغسل أي ما يجب به الغسل.

وقوله –رحمه الله-: (ستة أشياء) دليل ذلك الاستقراء والتتبع، وبدأ به أهمها وأكثرها ملابسة ووقوعًا.

فقال: (أحدهما: (خروج المني)) وأيضًا من أسباب تقديم خروج المني في الذكر أن الله ـ تعالى ـ ذكره في محكم كتابه في آية الطهارة في سورة المائدة قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[المائدة: 6] فذكر الجنابة، والجنابة تكون بخروج المني المبسوط للسرخسي (1/120)، وبداية المجتهد لابن رشد (1/47)، والمجموع (2/ 158)، والمغني لابن قدامة (1/146) .

فقوله –رحمه الله-: (أحدهما: (خروج المني)) قدمه في الذكر متابعة لما جاء في آية الطهارة في سورة المائدة ؛ حيث ذكر الله ـ تعالى ـ الجنابة في موجبات الغسل، ولأن ذلك من أكثر الأشياء وقوعًا مما يوجب الغسل.

وقوله –رحمه الله-: (خروج المني)، المني: هو الماء الذي خلق منه الإنسان، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾[الواقعة: 58-59].

وقوله: (من مخرجه) هذا قيد لموضع الخروج ؛ لأنه سيتكلم عن خروج المني من غير مخرجه والمقصود بالمخرج أي الطريق المعتاد الذي يخرج منه المني.

(دفقًا) هذا القيد الثاني في خروج المني وهو راجع إلى صفة الخروج.

فأول قيدٍ: موضع الخروج لقوله: (من مخرجه).

والثاني: متعلق بصفة الخروج بأن يكون (دفقًا) والدفق: هو خروج الشيء من دفاع وشدة.

قوله: (بلذة) الباء هنا للمصاحبة أي مصاحبًا ذلك الدفق بوجود لذة، واللذة هي الشهوة الهداية على مذهب الإمام أحمد (95)، والمغني لابن قدامة (1/146).

قال –رحمه الله-: (لا إن خرج بدونهما .....إلى آخر ما ذكر)، والأصل في وجوب الغسل من خروج المني على الصفة التي ذكر من مخرجه دافقًا بلذة، قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[المائدة: 6] فذاك في أحاديث كثيرة منها حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «الماء من الماء» صحيح مسلم (343) وهذا لفظ مسلم وأصله في البخاري.

ولذلك أجمع العلماء ـ رحمهم الله ـ على أن خروج المني بشهوة دافقًا يوجب الغسل سواء كان سبب الخروج إيلاج أو لمس أو نظر أو غير ذلك، بغض النظر عن موجب الخروج، الكلام على أنه خرج بهذه الصفة، والدليل على ذلك العموم في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[المائدة: 6]، وفي قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «الماء من الماء» فإنه شامل خروج المني بكل صوره التي يخرج بها دون تخصيص ينظر  بدائع الصنائع (1/ 160)، والقوانين الفقهية (30)، والمجموع (2/ 158).

وقوله –رحمه الله-: (لا إن خرج بدونهما) الضمير يعود أي: بدون دفق أو بدون لذة، فإن خرج من غير لذة أو من غير دفق، فإنه لا يكون من موجبات الغسل، وعلى هذا المذهب وهو قول جماهير أهل العلم المبسوط للسرخسي (1/ 67)، ومواهب الجليل (1/ 305)، والمغني (1/ 128)خلافاً للشافعي المجموع (2/ 158)–رحمه الله-فإنه أوجب الغسل من خروج المني مطلقًا ولو كان من غير شهوة.

واستدل بالعموم ؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «الماء من الماء» صحيح مسلم (343) إلا أن هذا العموم مقيد فيما صح عن النبي –صلى الله عليه وسلم-من حديث علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ في السنن إذا قال –صلى الله عليه وسلم: «إذا فَضَخْتَ المَاءَ فاغْتسلْ» صحيح البخاري (269)، ومسلم (303)--- والفضخ خروجه على وجه الشدة، ولا يكون كذلك إلا بلذة.

واستثنى المصنف –رحمه الله-فقال: (من غير نائم ونحوه) فإذا خرج من نائم، فإنه لا يشترط في هذا الشرط، لا يشترط أن يكون دافقًا ولا يشترط أن يكون بلذة، لأن ذلك قد لا يتيقن منه، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إنما الماء من الماء» في عموم الحديث، وكذلك جاء في حديث أم سلمة "نعم إذا هي رأت الماء" صحيح البخاري (282)، ومسلم (313)  لما سألت أتحتلم المرأة.

ولهذا الإجماع منعقد على أن خروج المني بالاحتلام يوجب الغسل، ولو لم يوجد معه دفق أو لذة، ولو لم يشعر بذلك للعموم في الحديث «الماء من الماء»، وكذلك لما جاء في حديث أم سلمة المغني (1/146)، والمجموع للنووي (2/139)، والتمهيد لابن عبد البر (8/337).

وقوله –رحمه الله-: (فلو خرج من يقظان لغير ذلك) أي لغير لذة (كبرد ونحوه من غير شهوة لم يجب غسله)، وهذا قول الجمهور عدا الشافعي (لحديث علي يرفعه) الذي أشرت إليه في قوله –صلى الله عليه وسلم-في السنن «إذا فَضَخْتَ المَاءَ فاغْتسلْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخًا فَلاَ تَغْتَسِلْ» رواه أحمد.) أخرجه أبو داود (206)، والنسائي (193)، وأحمد (868)

قال: (والفضخ: هو خروجه بالغلبة، قاله إبراهيم الحربي، فعلى هذا يكون نجسًا وليس بمذي، قاله في الرعاية) المغني لابن قدامة (1/146)، والمبدع في شرح المقنع (1/150).

يعني إذا خرج من غير فضخ، فإنه لا يكون طاهرًا، لأنه لا يكون على الصفة التي يخرج بها المني غالبًا، فلا يأخذ حكمه في الطهارة.

قال: (وإن خرج المني من غير مخرجه) عاد إلى القيد الأول في قوله (خروج المني من مخرجه).

قال: (وإن خرج المني من غير مخرجه كما لو انكسر صلبه فخرج منه؛ لم يجب الغسل، وحكمه كالنجاسة المعتادة).

قوله: (وإن خرج المني من غير مخرجه) ثم مثل له (كما لو انكسر صلبه)، ومثله أيضًا في الوقت المعاصر كما لو أخذ مائه بمعالجة طبية، أو أخذ من الأنثيين بمعالجة طبية هذا يحصل فإن ذلك لا يوجب الغسل ؛ لأنه لم يخرج على الصفة التي توجب الغسل، وحكمه كالنجاسة المعتادة، وأثبتوا له النجاسة ؛ لكونه خارجًا على صفة غير الصفة المعتادة في خروج المني شرح الزكشي على مختصر الخرقي (1/278)، وشرح منتهى الإرادات (1/79).

وقوله –رحمه الله-: (وإن أفاق نائم أو نحوه يمكن بلوغه، فوجد بللا؛ فإن تحقق أنه مني اغتسل فقط).

(إن أفاق نائم أو نحوه) كالمغمى عليه (يمكن بلوغه) يعني يمكن أن يكون قد ناهز الحلم (فوجد بللًا فإن تحقق أنه مني اغتسل) ولو لم يذكر احتلامًا، (وإن لم يتحققه منياً، فإن سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو نحوه أو كان به إبردة لم يجب الغسل، وإلا اغتسل) شرح منتهى الإرادات (1/80)، ومطالب أولي النهي (1/162) فذكر في حال النائم ونحوه إذا أفاق ووجد بللا حالين:

الحال الأولى: أن يتحقق أنه مني، فهنا يجب الغسل الكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 55)

وأما علة وجوب الغسل هنا ولو لم يذكر احتلامًا أن هذا الماء لا بد لخروجه من سبب، وليس هناك سبب يضاف إليه إلا الاحتلام، والماء الذي يخرج بالاحتلام هو المني في الغالب فألحقت هذه الصورة المجهولة مجهولة من حيث أنه لا يذكر أنه احتلم بالأعم الأغلب.

ولهذا جعلوا السبب الظاهر في حكم المتحقق، فقالوا: (وإن لم يتحققه مني، فإن سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو نحوه أو كان به إبردة لم يجب الغسل، وإلا اغتسل).

فلذلك لما كان هناك سبب يمكن أن يضاف إليه وهو ما ذكروه من الملاعبة والنظر والفكر أضيف إليه فجعل مزي وليس مني، لأن هنا سبب يضاف إليه، فقالوا: لم يجب الغسل ؛ لأنه وجد ما يضاف إليه، وهو لم يتحققه منيًا (وإلا اغتسل) يعني إذا لم يكن كذلك وجب عليه الغسل ؛ لأنه أقرب سبب يضاف إليه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/229).

الحال الثانية: ألا يتحققه منيًا، فهنا لا يخلو من أمرين:

الأمر الأول: أن يكون هناك سبب يمكن إضافته إليه كما لو سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو نحو ذلك أو إبردة، فهذا لا يجب به الغسل، ويقال: هذا البلل يوجب أن يطهر تطهير النجاسات، ولا يوجب غسلًا.

والأمر الثاني: إذا لم يكن قد سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو نحوه، فهذا يغتسل منه لأنه ليس هناك سبب يضاف إليه فيلحق بالاحتلام الذي تحققه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/229).

قوله –رحمه الله-: (وطهر ما أصابه احتياطا) أي: وجب عليه تطهير ما أصابه مما حكم بأنه يوجب الغسل احتياطًا، فمقتضى إيجاب الغسل أنه مني، ومني الآدمي على المذهب طاهر فأصله في هذه الحال لا على وجه الوجوب إنما هو على وجه الاحتياط، وذلك لاحتمال أن يكون غير مني، فيكون نجسًا الفروع وتصحيح الفروع (1/335)، والمغني لابن قدامة (2/68) .

قال –رحمه الله-: ((وإن انتقل) المني (ولم يخرج؛ اغتسل له)) هذا صلة ما يتعلق بالموجب الأول من موجبات الغسل، وهو انتقال المني من الصلب أو من مكانه ولم يخرج، إما بإمساكه عن الخروج أو بغير ذلك من الأسباب نيل المارب بشرح الطالب (1/75)، وكشاف القناع (1/ 141)

قال: ((وإن انتقل) المني (ولم يخرج؛ اغتسل له)) أي: وجب عليه الاغتسال له، يلزمه أن يغتسل له، وهذا المذهب أنه يجب الاغتسال بانتقال المني وإن لم يخرج، فإذا أحس بانتقال المني ونزوله ولم يخرج منه في الحال شيء، ولا علم خروجه بعد ذلك، فإنه يجب عليه الغسل على المذهب خلافًا للجمهور، فإن جمهور العلماء على أن الغسل في هذه الحال غير واجب المبسوط  للسرخسي(1/ 67)، والشرح الصغير (1/ 161)، والمجموع (2/ 158).

وعللوا الوجوب قالوا: (لأن الماء قد باعد محله، فصدق عليه اسم الجنب ويحصل به البلوغ ونحوه مما يترتب على خروجه) هذا تعليل الأصحاب لما ذكروا من وجوب الغسل في هذه الصورة، والجمهور على خلاف ذلك ـ كما تقدم ـ ودليلهم قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إنما الماء من الماء».

وكون الماء قد باعد محله فصدق عليه اسم الجنب لا يوجب الغسل، لأن النبي –صلى الله عليه وسلم-إنما أناط وجوب الغسل برؤية الماء، كما في حديث أم سلمة لما سئل عن احتلام المرأة قال: «نعم إذا هي رأت الماء» فعلق ثبوت الجنابة بما يرى من الماء.

وأما قولهم: (إنه يصدق عليه اسم الجنب ؛ لأن الماء جانب محله)، هذا التعليل محل تأمل لأن وصف الجنابة للعلماء فيه أقوال، فمنهم من قال: إنه يوصف بالجنابة لا لأن الماء جانب مكانه، بل يسمى الجنب جنبًا لاجتناب الصلاة ولاجتناب القراءة وغير ذلك من الأشياء التي يصدق عليه أنه جنب لأجلها.

وقوله –رحمه الله-: ((فإن خرج) المني (بعده)، أي: بعد غسله لانتقاله؛ (لم يعده)) أي لا يجب عليه الإعادة (لأنه مني واحد فلا يوجب غسلين) وذهب الشافعية إلى وجوب الغسل لأنه داخل في عموم قوله: "الماء من الماء".

والصواب: أنه لا يوجب غسلاً ؛ لأن هذا بقية الماء الأول وليس ماءً جديدًا شرح العمدة لابن تيمية (355)، والفروع وتصحيح الفروع (1/ 197)، والمبدع في شرح المقنع (1/179).

ثم قال –رحمه الله-: ((و)الثاني:) أي من موجبات الغسل (تغييب حشفة أصلية) هذا هو ثاني ما ذكره المؤلف –رحمه الله-من موجبات الغسل (تغييب حشفة أصلية)، الحشفة: المقصود به رأس الذكر، تغييب حشفة أصلية ما لو كان له حشفة زائدة، فإنه لا عبرة بتغيبها الإنصاف في معرفة الراجح من الاخلاف (1/232)، والمغني لابن قدامة (1/149).

قوله: (أوقدرها إن فقدت) أي قدر الحشفة في المعتاد إن كان قد فقدت الحشفة بقطع طارئ أو بأصل الخلقة.

قال: (وإن لم ينزل) يعني وإن لم يحصل منه إنزال، فمجرد تغييب الحشفة وهو إيلاج رأس الذكر، فإن ذلك يوجب الغسل ولو لم يحصل اكتمال المطلوب بالإنزال.

قال: ((في فرج أصلي قبلاً كان أو دبرًا) وإن لم يجد حرارة)، وذكر الفقهاء للدبر هنا قد يتوهم بعض الناس إن هذا إباحة أو إجازة ؛ لكن هذا جهل بطريقة الفقهاء في ذكر المسائل فإنهم يذكرون ما يترتب على الفعل ولو كان الفعل محرمًا، مثل ما ذكروا فيما يترتب على السرقة من أحكام وما يترتب على القتل من أحكام، وما يترتب على الزنا من أحكام، ليس إقرارا لذلك ؛ بل هو بيان للأحكام المترتبة على الفعل، ومثله هنا فيما ذكروه من تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلًا كان أو دبرًا، فذكر الدبر هنا ليس إباحة له سواء من ذكر أو أنثى، بل هو بيان للحكم فيما يترتب.

قال: (وإن لم يجد حرارة) الفروع وتصحيح الفروع (1/256)، والمبدع في شرح المقنع (1/154)لأن الحكم منوط بتغييب الحشفة لا بما يجده من لذة أو حرارة أو إنزال، ودليل ما ذكروه هنا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «إذا جَلَسَ بيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَها فقَدْ وجَبَ الغَسْلُ» صحيح مسلم (349) وفي رواية لمسلم «وإن لم ينزل» صحيح مسلم (348) وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم المبسوط للسرخسي (1/163)، والكافي لابن عبدِ البَرِّ (1/151-152)، والحاوي الكبير للماوردي (1/208)، والمغني لابن قدامة (1/149) فقالوا: إن إيلاج الذكر موجب للغسل سواء أكان معه إنزال أم لم يكن معه إنزال.

وقد جاء في حديث لعائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ «إذا الْتَقَى الخِتانانِ وجَبَ الغُسلُ» أخرجه أحمد (26025)، وابن حبان (1183) والتقاء الختانين بيان لما ذكره أبو هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ في هذا الحديث في قوله: «إذا جَلَسَ بيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَها فقَدْ وجَبَ الغَسْلُ» لأن ذلك لا يكون إلا بالتقاء الختانين.

وقوله –رحمه الله-: (فإن أولج الخنثى المشكل حشفته في فرج أصلي ولم ينزل، أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل الأنثى، فلا غسل على واحد منهما إن لم ينزل)، لأنه يتحقق بذلك أنه قد التقى الختانان، ولا حكم لهذا الفرج الزائد ذكرًا كان أو قبلًا. شرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/238)، والمبدع في شرح المقنع (1/154)

قال: (ولا غسل إذا مسح الختانان من غير إيلاج ولا بإيلاج بعض الحشفة)، فهذا بيان أن هذين الموضعين لا يجب بهما الغسل ؛ لعدم تحقق التقاء الختانين، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-كما جاء في الصحيح «إذا الْتَقَى الخِتانانِ وجَبَ الغُسلُ».

قوله: ((ولو) كان الفرج (من بهيمة، أو ميت)، أو نائم.....إلى آخره) هذا بيان لأن ما تقدم من وجوب الغسل بتغييب الحشفة الأصلية يصدق ولو كان هذا التغييب في فرج لا يحل كبهيمة أو ميت أو كان ذلك التغييب من نائم لا يشعر أو مجنون لا يدرك (أو صغير لا يجامع مثله) يعني لا يشتهى في العادة، فهو ذكر صورًا لا تجري فيها الشهوة بالعادة، لا تشتهى عادة لا سيما في البهيمة والميت وكذلك المجنون والصغير الذي لا يجامع مثله.

وخالف في البهيمة بعض الفقهاء فرأى أنه لا يجب بتغييب الحشفة في البهيمة غسل اختار ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله-وكذا شيخنا في شرحه فقالوا: إيلاج الحشفة في البهيمة لا يوجب الغسل إن لم ينزل بدائع الصنائع (1/ 37)، والبحر الرائق (1/ 61) ، وأما الميت فالمذهب ما ذكر المصنف –رحمه الله-وقيل: لا يجب الغسل بالإيلاج في الميت أو بتغييب الحشفة من ميت شرح منتهى الإرادات (1/81)

قال –رحمه الله-: (وكذا لو استدخل ذكر نائم أو صغير ونحوه).أي: في وجوب الغسل على المرأة إذا جرى ذلك، وكذلك في وجوبه على النائم الذي استدخل ذكره مطالب أولي النهى (1/165).

وقوله –رحمه الله-: ((و) الثالث (إسلام كافر)) هذا ثالث ما ذكره –رحمه الله-من موجبات الغسل، وهو (إسلام كافر) بيّنه فقال: (أصيلًا كان أو مرتدًا) أي سواء كان الغسل من كافر أصلي أو كان الغسل من مرتد عاد للإسلام الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 236)، و كشاف القناع (1/ 145).

قال: (ولو مميز أو لم يوجد في كفره ما يوجبه) يريد بقوله: (ولو مميز) أي يجب الغسل من كافر مميز إذا أسلم مع أنه لا يحصل منه موجب الغسل من احتلام ونحوه لكن الموجب، هو الإسلام ذاته لا ما يمكن أن يكون قد وقع في حال كفره من جنابة.

ولذلك قال: (أو لم يوجد في كفره ما يوجبه) أي: يوجب الغسل من تغييب حشفة أو خروج مني من مخرجه دافقًا بلذة، واستدل لذلك بقوله: («قيس بن عاصم أسلم فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يغتسل بماء وسدر» أخرجه أحمد (8037)، والترمذي (605)) هذا ما استدل به المصنف –رحمه الله-في وجوب الغسل بالإسلام، إلا أن هذا الحديث في إسناده مقال، وعلى القول بثبوته فإنه لا يدل على الوجوب.

فقوله: (لأن («قيس بن عاصم أسلم فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يغتسل بماء وسدر» رواه أحمد والترمذي وحسنه) المرجع السابق.

فاحتجوا بهذا الحديث على وجوب الغسل بالإسلام، إلا أن هذا الحديث تكلم في إسناده وعلى القول بثبوته فإن جماعة من أهل العلم حملوه على الاستحباب وهو رواية عن الإمام أحمد، ففي روايته عن الإمام أحمد قال: لا يجب الغسل ؛ بل يستحب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 236). وذلك ؛ لأنه لو كان واجبًا لا اشتهر وبان الأمر وتكرر لكثرة من دخل في الإسلام زمن النبي –صلى الله عليه وسلم-ولم يقال إلا في هذا الحديث حديث قيس بن عاصم، فدل هذا على الاستحباب لا على الوجوب، لا سيما وأنه قد جاء في رواية أبي داود أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال له: «ألْقِ عنكَ شعْرَ الكفرِ واختتنْ» أخرجه أبو داود (356)، وأحمد (15432) فلو كان واجبا لوجب كل ما ذكره النبي –صلى الله عليه وسلم-في هذا الحديث، لوروده بصيغة الأمر في سياق واحد، ولذلك قال: ويستحب له إلقاء شعره ؛ لحديث «ألْقِ عنكَ شعْرَ الكفرِ واختتنْ».

قال أحمد: ويغسل ثيابه استحبابًا، وليس في وجوب الغسل بإسلام الكافر حديث يصار إليه ويعتضد به، وغاية ما استدلوا به هذا الحديث وقد تقدم إشارة إلى ضعف الاستدلال به، إما لعدم ثبوته كما قال بذلك بعض أهل العلم، وإما لعدم وضوح دلالته في الوجوب، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم والوهم والإيهام لابن القطان (3/43).

واحتجوا أيضًا بحديث آخر في قصة ثمامة بن أثال وأصلها في الصحيحين إلا أنه في رواية عند عبد الرزاق: "أن النبي –صلى الله عليه وسلم-أمره بالاغتسال" أخرجه أحمد (8037)، والترمذي (605) فأمره أن يغتسل إلا أن هذه الرواية فيها إشكال من جهة ثبوتها فهي خلاف ما في الصحيحين، وعلى القول بثبوتها، فهي محمولة على الاستحباب لا على الوجوب.

ثم قال –رحمه الله-: ((و) الرابع (موت)) أي من موجبات الغسل الموت المبدع في شرح المقنع (2/ 220)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/ 469).

قال: (غير شهيد معركة ومقتول ظلمًا)، ثم قال: (ويأتي) لأن بسطه وبيانه سيأتي في كتاب الجنائز، ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب غسل الميت بدائع الصنائع (1/ 299)، وحاشية الدسوقي (1/ 407)، والمجموع (5/ 112)، والإنصاف (2/469).

قال –رحمه الله-: ((و) الخامس (حيض و) السادس (نفاس)) وهذا محل اتفاق، ولذلك قال: (ولا خلاف في وجوب الغسل بهما) للآيات والأحاديث في ذلك (قاله في المغني) أي نفي الخلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس المجموع للنووي (2/148)، والمغني لابن قدامة (1/154)، والمحلى لابن حزم (1/400).

قال: (فيجب بالخروج والانقطاع شرط) فيجب بالخروج أي: يجب الغسل بالخروج والانقطاع شرط أي شرط لوجوبه.

ثم قال: (لا ولادة عارية عن دم) أي: لا يجب الغسل بولادة عارية عن دم.

قال: (فلا غسل بها والولد طاهر) لأن الموجب لغسله هو الدم، ولا وجود له، فلا يجب به غسل. وعنه: يجب المغني لابن قدامة (1/252)وفاقًا للشافعية مغني المحتاج (1/ 69)، ونهاية المحتاج (1/ 211) ومالك الشرح الصغير (1/ 166) ، وعللوا ذلك: أن النفاس غير محدد بحد فعدم وجود الدم لا ينفي وجوب الاغتسال، ويكون انقضاء النفاس بخروج الولد الذي عري عن الدم، فيجب الغسل بخروجه.

وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المصنف –رحمه الله-مما يتعلق بموجبات الغسل ثم ذكر ما يترتب على الجنابة من أحكام، فذكر أحكام الجنب بعد ذكر موجبات الغسل. 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق