الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.
ففي باب الغسل بعد أن فرغ المؤلف –رحمه الله-من ذكر موجبات الغسل وهي:
الأول: خروج المني دافقًا بلذة وانتقال المني وإن لم يخرج.
والثاني: تغييب الحشفة الأصلية.
والثالث: إسلام كافر.
والرابع: حيض ونفاس.
((ومن لزمه الغسل) لشيء مما تقدم (حرم عليه) الصلاة، والطواف، ومس المصحف، و (قراءة القرآن)) هذا شروع في ذكر الأحكام المتعلقة بمن لزمه الغسل، يعني بمن كان قد وجب عليه الغسل لسبب من الأسباب المتقدمة الكافي في فقه الإمام أحمد (1/110)، والمبدع في شرح المقنع (1/159).
فأول ذلك أنه يحرم عليه (الصلاة) وهذا بالإجماع، لا خلاف بين أهل العلم أن من لزمه الغسل حرم عليه الصلاة ؛ لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[المائدة: 6] فأمر الله ـ تعالى ـ بالتطهر للصلاة في حال الجنابة، فعلم بذلك أنه لا يجوز للجنب أن يصلي إلا بعد الاغتسال، والحيض كذلك، فإنها لا تحل صلاة لحائض إلا بالاغتسال قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾[البقرة: 222] فجعل الله ـ تعالى ـ التطهر فاصلًا بين الحكم الثابت للحائض، وبين انقضاء حيضها بداية المجتهد (1/41)، والمجموع للنووي (2/67)، ومجموع فتاوى (21/268)
قال –رحمه الله-: (والطواف) وعلة ذلك أن الطواف صلاة في قول جمهور العلماء فتح القدير للكمال ابن الهمام (3/52)، وبداية المجتهد لابن رشد (1/343)، والمجموع للنووي (2/156)، والمغني لابن قدامة (1/197)استنادًا لما تقدم في حديث ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، وقد تقدم ذكر عدم صحة الاستدلال بهذا الحديث على أن الطواف يشترط له ما يشترط للصلاة من الطهارة، إلا أن منع النبي –صلى الله عليه وسلم-الحائض من الطواف بالبيت كما في حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «فَافْعَلِي ما يَفْعَلُ الحَاجُّ، غيرَ أنْ لا تَطُوفي بالبَيْتِ حتَّى تَطْهُرِي» صحيح البخاري (294)، ومسلم (1211) ألحق جماعة من العلماء الجنب بالحائض في كونه لا يجوز له الطواف بالبيت حال الجنابة، وفي الإلحاق نظر ذلك أن الحائض تختلف عن الجنب في كون المانع من الطواف هو ما يمكن أن يكون من تلويث المسجد أو تنجيسه بما يكون من دم الحيض، وأما الذين استدلوا بالحديث على المنع، فقالوا: الحيض مانع قهري للمرأة من الطواف ولا يد لها في رفعه، بخلاف الجنابة فإنه أمر يمكن لمن أصابته الجنابة أن يرفعه بالغسل، فإذا كان المانع غير الاختياري، وهو الحيض يمنع من الطواف، فالجنابة من باب أولى، وعلى هذا عامة أهل العلم فيما يتعلق بالطواف بالبيت بالنسبة للجنب.
قال: (ومس المصحف) دليله ما تقدم فيما ترتب على الحدث الأصغر من أنه لا يمس القرآن إلا طاهر بدائع الصنائع للكاساني (1/33-34)، والذخيرة للقرافي (1/293)، والمجموع للنووي (2/156) والمغني لابن قدامة (1/108)، هذا وما تقدم من الأمور الثلاثة: الصلاة، الطواف، مس المصحف جميعها تمنع في الحدث الأصغر ـ كما تقدم ـ وهي ممنوعة في الحدث الأكبر من باب أولى.
قال: (وقراءة القرآن) فمن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن بدائع الصنائع للكاساني (1/37)، ومواهب الجليل (1/462)، والمجموع للنووي (2/156)، والمغني لابن قدامة (1/106).
قال –رحمه الله-في الشرح: (أي: قراءة آية فصاعدًا) أي التحريم يشمل قراءة آية فصاعدًا صغرت أو قصرت، أما لو كانت القراءة لما دون الآية، فإنها لا تمنع على ظاهر ما ذكره المؤلف –رحمه الله- لأنه قيد التحريم بــ (قراءة آية فصاعدًا) والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن التحريم يشمل قراءة الآية وقراءة بعض الآية إذا كان بنية التلاوة، فإن قراءة بعض الآية لا سيما الآيات التي فيها طول، وقارئها نوى بذلك التلاوة، فإنه يكون قارئًا للقرآن، فيشمله ما ذكر من تحريم كما سيأتي بيانه المبدع في شرح المقنع (1/159)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/108).
قال: (وله قول ما وافق قرآنا) المصنف –رحمه الله-لم يذكر الدليل على ذلك، واستدل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في تحريم تلاوة القرآن للجنب بقول علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما رواه الخمسة قال: «كانَ النَّبيُّ ـ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ـ يقرِئُنا القرآنَ ما لم يحجزه القرآن» سنن أبي داود (229) وفي لفظ كان –صلى الله عليه وسلم-«يقرِئُنا القرآنَ ما لَم يَكُن جُنبًا» أخرجه أبو داود (229)، والترمذي (146)، والنسائي (266) عند الخمسة وإسناده لا بأس به.
ولهذا ذهب عامة أهل العلم إلى ما ذكر المؤلف –رحمه الله-من أن الجنب لا يقرأ شيئًا من القرآن قليلًا أو كثيرًا، وأما تخصيص المؤلف بأن الحكم يتعلق بقراءة أية فصاعدًا، فهذا خلاف ما دل عليه الحديث، لأن الحديث فيما يظهر يشمل كل قراءة، وقراءة بعض الآية قراءة، فلذلك يشملها التحريم والمنع دائع الصنائع للكاساني (1/37)، ومواهب الجليل (1/462)، والمجموع للنووي (2/156)، والمغني لابن قدامة (1/106)
وأما الدلالة في الخبر فالدلالة هو امتناع النبي –صلى الله عليه وسلم-عن القراءة، ولا يمتنع عن القرآن إلا لوجود ما يحول بينه وبين ذلك وهو هذا الوصف، وهو وصف الجنابة، وقد ورد ما يدل على أن المنع في الحديث للتحريم، وأنه شامل لكل ما يكون قراءة ما رواه الدار قطني بإسناد لا بأس به عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال: «اقرَؤوا القُرآنَ، ما لم يُصِبْ أحدَكم جَنابةٌ، فإنْ أصابَه جَنابةٌ فلا، ولا حَرفًا واحدًا» أخرجه عبدالرزاق (1306)، والداقطني (1/212)، والبيهقي (318) والمقصود بالحرف: الكلمة ؛ لأن العرب تطلق الحرف على الكلمة، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أما إنِّي لا أقولُ لكم: { الم } حرفٌ ولكن ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ ثلاثونَ حسنةً» أخرجه الترمذي (2910) في حديث ابن مسعود في فضل قراءة القرآن.
وقوله –رحمه الله-: (وله قول ما وافق قرآنًا إن لم يقصده؛ كالبسملة، والحمدلة، ونحوهما).
أي لا يُمنع من قول ما يوافق لفظ القرآن إن لم يقصد به التلاوة، ومثل لذلك بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) أو قول: (الحمد لله رب العالمين)، أو قول: (سبحان الله)، أو (إن الله على كل شيء قدير)، أو (إن الله بكل شيء عليم)، أو (هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، أو قول: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) ونحو ذلك مما هو من القرآن لكن قد يقال بغير نية التلاوة شرح منتهى الإرادات (1/82)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/147)
قال –رحمه الله-: (ونحوهما) أي من الكلمات التي هي من القرآن، لكن تقال ولا يقصد بها التلاوة ومثل لذلك فقال: (كالذكر)، كالذكر عمومًا حتى قال بعض أهل العلم: إنه إذا قال في أذكار الصباح والمساء ما هو قرآن كآية الكرسي والمعوذات وقالها بنية أنها ذكر وليست قرآنًا فإنه لا يشمله النهي مطالب أولي النهى (1/171).
وفي هذا نظر ؛ لأن هذا وإن كان ذكرًا ؛ لكنه ذكر بما هو من قول الله –عز وجل-ومما هو من القرآن. فأذكار الصباح والمساء وغيرهما منها ما هو قرآن يذكر الله ـ تعالى ـ به في مواطن، فهذا لا يخرج عما جاء عن النهي في تلاوة القرآن حال الجنابة، وأما التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وسائر الأذكار، فإنه لا بأس بها ولا يمنع منها حال الجنابة، وهذا قد حكي عليه الإجماع فحكي النووي –رحمه الله-الإجماع على جواز التسبيح والتهليل والتكبير، ونحو ذلك من الأذكار الأذكار للنووي (11).
وقد كره بعض أهل العلم الذكر للجنب دون التحريم، وذلك لعموم ما جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم-أنه كره أن يذكر الله ـ تعالى ـ على غير طهارة أخرجه أبو داود (17)، والحاكم (592) ، وهذا في الحدث الأصغر، وفي الحدث الأكبر من باب أولى.
قال –رحمه الله-: (وله تهجيه، والتفكر فيه) المبدع في شرح المقنع (1/160)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/111)
(تهجيه) أي: تهجي القرآن ؛ لأنه تجزئة لألفاظه وليس تلاوة له، والتفكر فيه التأمل في معانيه والتفكر يشمل النظر في تفسيره ؛ لأن التفكر فرع فهم المعاني.
قال –رحمه الله-: (وتحريك شفتيه به ما لم يبين الحروف) لأن هذا ليس بتلاوة.
قال: (وقراءة بعض آية ما لم تطل) أي وله أن يقرأ بعض آية ما لم تطل، وتقدم ما جاء عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ وما أفاده العموم في الحديث في قوله ـ رضي الله تعالى عنه ـ: كان رسول الله–صلى الله عليه وسلم-«يقرِئُنا القرآنَ ما لَم يَكُن جُنبًا» أخرجه أبو داود (229)، والترمذي (146)، والنسائي (266)وقد فهم منه ـ رضي الله تعالى عنه ـ العموم في كل ما هو من القرآن إذا قيل بنية التلاوة، ولو كان بعض آية فيما رواه الدار قطني الذي ذكرته قبل قليل «اقرَؤوا القُرآنَ، ما لم يُصِبْ أحدَكم جَنابةٌ، فإنْ أصابَه جَنابةٌ فلا ولا حَرفًا واحدًا» أخرجه عبدالرزاق (1306)، والداقطني (1/212)، والبيهقي (318) أي فلا يقرأ ولا حرفًا واحدًا.
قال –رحمه الله-: (ولا يمنع من قراءته متنجس الفم) أي: من أصاب فمه نجاسة، فإنه لا يمنع وإن كان الأولى أن يصون القرآن القراءة في ذلك الحال ما لم يكن ذلك لعذر.
قال: (ويمنع الكافر من قراءته، ولو رجى إسلامه) هذا المذهب شرح منتهى الإرادات (1/78)، وذلك أن الكافر لا يؤمن على القرآن، والذي جاء في القرآن إسماع الكافر القرآن لا أن يتلوه، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾[التوبة: 6].
والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه إن رجي إسلامه فإنه لا يمنع من تلاوة القرآن إذ لا دليل على منعه، وقد أجاز الله ـ تعالى ـ سماع القرآن للكافر، وإسماع القرآن للكافر، وذلك لإعلامه بما فيه من الهدايات والحجج، والتلاوة طريق لإيصال ذلك كما السماع طريق لإيصال ذلك.
فالذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه إذا رجي إسلام الكافر، فإنه لا مانع من قراءته القرآن، ولكن قد يمنع من مسه فلا يعطى القرآن خشية امتهانه، وإنما يعطى بعض ما يكون من آيات القرآن مما يحسن أن يطلع عليه رجى إسلامه.
قال –رحمه الله-: ((ويعبر المسجد)، أي: يدخله؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾[النساء: 43]، أي: طريق (لحاجة) وغيرها على الصحيح كما مشى عليه في الإقناع) فيجوز للجنب سواء كان من حيض أو من جنابة أن يعبر المسجد بأن يمر فيه، وإذا كان ذلك لحاجة، فإنه لا بأس به ؛ لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾[النساء: 43]، وعابر السبيل في الغالب لا يطرق إلا ما يحتاج إليه من طريق أو من سبيل، فدلالة الآية على قيد الحاجة بالإيماء والإشارة، فعابر السبيل في الغالب لا يطرق سبيلا إلا لحاجة الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/244)، وكشاف القناع (1/148)
قوله –رحمه الله-: (وغيره على الصحيح) أي: أن النهي في الآية ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾[النساء: 43]، يشمل كل من مر سواء كان لحاجة أو غير حاجة، إذ إن عابر السبيل لا يتقيد عبورهم بالحاجة، فقد يمرون لحاجة وقد يمرون لغير حاجة، بين المؤلف أن قصر الطريق يكون حاجة تبيح للجنب المرور بالمسجد والعبور، فقال: (وكونه طريقًا قصيرًا حاجة).
ثم قال: (وكره أحمد اتخاذه) أي المسجد (طريقًا) وهذا كالتنبيه أنه وإن كان الجنب يجوز له المرور بالمسجد حال الجنابة لحاجة وهي قصر الطريق، إلا أن أحمد كره اتخاذ المسجد طريقًا المبدع في شرح المقنع (1/161)
قال –رحمه الله-: (ومصلى العيد مسجد، لا مصلى الجنائز) الفروع وتصحيح الفروع (1/263)، وكشاف القناع (1/149).
هذا بيان للمسجد الذي بين حكم عبور الجنب فيه فقال: (ومصلي العيد مسجد) أي: يأخذ مصلي العيد حكم المساجد فيما تقدم من أنه يعبر الجنب المسجد لحاجة، والأصل في المسجد أنه الموضع المخصص للصلاة إما ببناء أو نحوه مما يتميز به هذا المكان عن غيره بأن يكون محلاً للصلاة والمناداة لها وإقامتها ويلحق به مصلى العيد ولو لم يكن محوطًا أو مبنيًا لا مصلى الجنائز فإن مصلى الجنائز ليس مسجدا في قول عامة أهل العلم الفروع وتصحيح الفروع (1/263)، وكشاف القناع (1/149)
وقوله –رحمه الله-: ((ولا) يجوز أن (يلبث فيه)، أي: في المسجد من عليه غسل (بغير وضوء)) شرح منتهى الإرادات للبهوتي (1/82)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/148)،والمغني لابن قدامة (1/107)
هذا أيضًا من الأحكام المترتبة على الجنابة أول حكم ذكره المؤلف –رحمه الله-تحريم الصلاة ثم الطواف ثم مس المصحف ثم قراءة القرآن ثم عبور المسجد إلا لحاجة، خامس ما ذكره مما يمنع منه بسبب الجنابة اللبث في المسجد.
قال: ((ولا) يجوز أن (يلبث فيه)، أي: في المسجد من عليه غسل) أي من يلزمه غسل (بغير وضوء) أي من دون الوضوء، (فإن توضأ جاز له اللبث فيه) إن توضأ جاز له اللبث دون قيد بزمان ؛ بل يجوز له اللبث مطلقًا، ودليل جواز اللبث فيه بالوضوء ما جاء عن الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ فقد جاء عن عطاء بن يسار ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال: (لقد رأيت رجالًا من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-يجلسون في المسجد وهم جنبًا إذا توضئوا) نيل الأوطار للشوكاني (1/228).
فدل هذا على أن الجنب لا يمنع من المسجد إذا توضأ، واستدلوا أيضًا بمنعه من اللبث بما جاء في حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-«فإني لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جنُبٍ» أخرجه أبو داود (232)، وابن خزيمة (1327) رواه أبو داود إلا أن هذا الحديث ضعفه جمع من الأئمة، فلضعفه لا يثبت ما تضمنه من حكم.
والذين ذهبوا إلى منع الجنب والحائض من المسجد استدلوا بهذا الحديث، فالجمهور على منع مكث الجنب في المسجد مطلقًا، والحنابلة قيدوا ذلك بأن المنع إذا لم يكن على وضوء، أما إذا توضأ فله المكث في المسجد، وهذا الحكم يشمل الحائض والجنب، لكن الجنب أخف من الحائض، وذلك أن الجنب يمكنه المكث في المسجد بالوضوء، أما الحائض فإنه لا ينفعها الوضوء في تخفيف الجنابة، ولهذا لم تستثنى ؛ بل لا يحل لها اللبس في المسجد في قول جمهور العلماء، لما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنهاالعناية شرح الهداية (1/165)، والذخيرة للقرافي (1/314)، والمجموع للنووي (2/160)، والمغني لابن قدامة (1/107)
وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحائض يجوز لها المكث في المسجد إذا أمنت تلويثه للحاجة، واستدلوا لذلك بما جاء في الصحيح من حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال لها: «ناوِليني الخُمرةَ منَ المسجِدِ، قالت: قُلْتُ: إنِّي حائضٌ، قال: إنَّ حَيضَكِ ليس بيَدِكِ» صحيح مسلم (298). فدل ذلك على جواز دخول الحائض المسجد لحاجة، وإذا حل لها دخول المسجد لحاجة فلها أن تبقي فيه بقدر حاجاتها.
قال –رحمه الله-: (ويمنع منه مجنون، وسكران، ومن عليه نجاسة تتعدى).
أي: يمنع هؤلاء المذكورون من المسجد لما في دخولهم المسجد من الأذى، ولأنهم ليسوا من أهل الصلاة فالمجنون والسكران ليس من أهل الصلاة، ومن عليه نجاسة تتعدى يخشى أن يلوث المسجد، فهؤلاء منعوا بالإلحاق والقياس على من جاء النص على منعهم المبدع في شرح المقنع (1/162)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/148)
قال: (ويباح به وضوء) أي: يباح في المسجد وضوء (وغسل إن لم يؤذ بهما).
فإن كان يحصل بالغسل أو الوضوء بالمسجد أذى فإنه لا يجوز.
قال: (وإذا كان الماء في المسجد) أي ماء الوضوء أو الغسل (جاز دخوله بلا تيمم، وإن أراد اللبث فيه للاغتسال، تيمم)، يعني دخله لأجل الاغتسال ومدة الاغتسال تطول (تيمم) أي لزمه التيمم ؛ لأجل ما جاء عن الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ كانوا يجلسون في المسجد إذا توضئوا كما في خبر عطاء بن يسار: (لقد رأيت رجالًا من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-يجلسون في المسجد وهم جنبًا إذا توضئوا) نيل الأوطار للشوكاني (1/228) والمقصود بالجلوس المكث واللبث، وقيل: أي في المذهب لا يلزمه التيمم، وهذا هو الأقرب فمن دخل فيه للاغتسال لا يلزمه التيمم ؛ لأنه دخل فيه لرفع الحدث فهو مشتغل بإزالة ما يمنعه من المكث في المسجد.
قال –رحمه الله-: (وإن تعذر الماء واحتاج للبث، جاز بلا تيمم).
إن تعذر الماء الذي يتوضأ به (واحتاج للبث) أي في المسجد جاز بلا تيمم، وعلتهم في ذلك قالوا: إن التيمم لا يرفع الحدث، وبالتالي إذا كان يرفع الحدث بل هو مبيح، فإنه لا حاجة إليه في حال الحاجة للبث في المسجد منتهى الإرادات (1/82)
قال ابن قدامه –رحمه الله-: وهو غير صحيح أي: هذا التعليل لمخالفته قول الصحابة، ولأنه أي الدخول للمسجد تشترط له الطهارة، فوجب له التيمم عند العجز عنه كسائر ما تشترط له الطهارة.