الطهارة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 95

التاريخ : 2025-10-19 14:28:24


 الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

باب التيمم

يقول المصنف –رحمه الله-: (باب التيمم) ثم شرع في بيان معناه لغة واصطلاحا فقال: (في اللغة: القصد لسان العرب (12/ 23)، والمصباح المنير للفيومي (2/681) وشرعًا: مسح الوجه واليدين بصعيد، على وجه مخصوص) كشاف القناع (1/ 160).

هذا تعريف التيمم في اللغة وتعريفه في الاصطلاح، ومناسبة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي ظاهرة من جهة أن من أراد استعمال التراب في طهارته يلزمه قصر ذلك، ولذلك قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾[المائدة: 6] أي اقصدوه، والتيمم هو القصد، كما قال ـ تعالى ـ في سورة المائدة ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾[المائدة: 2] أي قاصدينه.

قوله –رحمه الله- في تعريفه: (مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص) هذا التعريف للتقريب، ومعلوم أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ لا يقصدون بالتعريف بيان كل ما يتعلق بالمعرف، بل المقصود هو البيان الإجمالي، والتعريف العام الذي يحصل به تصور ما يقبل عليه القارئ لهذا الباب، ولهذا تكون التعريفات في كثير من الأحيان فيها إجمال، وقد يكون فيها إبهام فلا يتبين المعرف على وجه التمام والكمال، فمثلا في تعريف التيمم هنا قال: (مسح الوجه واليدين بصعيد) هذا بين واضح.

قوله: (على وجه مخصوص) هذا الإجمال يبينه ما سيأتي في هذا الباب من أحكام وتفصيلات ثم بين –رحمه الله-فقال: (وهو من خصائص هذه الأمة لم يجعله الله طهورًا لغيرها توسعة لها وإحسانا إليها) الفروع وتصحيح الفروع (1/ 366)، وكشاف القناع (1/ 160) إشارة من المؤلف –رحمه الله-إلى أن التيمم (من خصائص هذه الأمة) أي أنه مما خص الله ـ تعالى ـ به أمة محمد –صلى الله عليه وسلم-فليس هو في الأمم السابقة، فلا يعرف التيمم في الأمم قبل الإسلام، بل هو مما خص الله ـ تعالى ـ به هذه الأمة، ودليل خصوصية الأمة بذلك ما جاء في الصحيح من حديث جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ قبلي» وقال فيه –صلى الله عليه وسلم-: «وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» صحيح البخاري (335)، ومسلم (521) ولهذا انعقد الإجماع على أن التيمم من خصائص هذه الأمة منح الجليل (1/ 143)، وحاشية ابن عابدين (1/ 229)، والفروع وتصحيح الفروع (1/ 366) والحديث دليل على مشروعية التيمم، ويدل له أيضًا قول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾[المائدة: 6] فأمر الله ـ تعالى ـ بالتيمم في محكم الكتاب في آيتين؛ في سورة النساء وفي سورة المائدة في آية الطهارة في سورة النساء، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾[النساء: 43] وهذه الآية الكريمة ذكرت التيمم في مقام الحديثين؛ الحدث الأصغر والحدث الأكبر عند عدم الماء ؛ حيث قال ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾[النساء: 43] فقوله: إن جاء أحد منكم من الغائط هذا الحدث الأصغر أو لامستم النساء هذا الحدث الأكبر ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾[النساء: 43] سورة المائدة قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾[المائدة: 6] فأمر الله ـ تعالى ـ بالتيمم عند فقد الماء أو عدم وجوده في مقابل الطهارة، وأما الأحاديث الواردة في التيمم فكثيرة، ولهذا لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية التيمم المجموع للنووي (2/ 300)، ونيل الأوطار (1/ 301)، والشرح الكبير (1/251) وفي جوازه في الجملة، فهذا إجماع منعقد بين أهل العلم على أن التيمم مشروع، وأنه في حال عدم الماء يصار إليه.

وقوله –رحمه الله-: (لم يجعله الله طهوراً لغيرها؛ توسعة عليها، وإحسانًا إليها) كل هذا بيان لحكمة المشروعية للحكمة من المشروعية، وهي مستفادة من الآية الكريمة في سورة المائدة    حيث قال الله ـ تعالى ـ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[المائدة: 6] ويشير إليه أيضًا أية النساء حيث قال ـ تعالى ـ بعد أمره بالتيمم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾[النساء: 43] يشير إلى ما ذكره المصنف –رحمه الله-من العلل.

قال بعد ذلك ((وهو)، أي: التيمم (بدل طهارة الماء)) شرح منتهى الإرادات (1/90) وهذا بيان أن التيمم يشرع فيما تشرع له الطهارة بالماء على وجه البدل، ومعلوم أن الطهارة بالماء تكون في رفع الحدث وفي إزالة الخبث بمعنى أن الطهارة بالماء تستعمل في هذين الأمرين في رفع الأحداث وفي إزالة الأخباث فالتيمم على ما ذكره المؤلف –رحمه الله-يشرع في هذين الأمرين ؛ ولذلك قال: (لكل ما يفعل بها) أي لطهارة الماء (عند العجز عنه) وهذا بيان موضع البدلية، يعني التيمم بدل ؛ لكن ليس البدل المساوي إنما البدل عند العجز مطالب أولي النهى (1/190).

قال: (عند العجز عنه شرعًا) يعني عند العجز عنه في الحال المعتبرة شرعًا، وذلك سيأتي بيانه وتفصيله في كلام المؤلف.

ثم مثل قال: (كصلاة، وطواف، ومس مصحف، وقراءة قرآن ووطء حائض).

أي: يشرع في هذه الأمور كلها، وفي كل ما تشرع له الطهارة، من صلاة وطواف ومس مصحف وقراءة قرآن ووطء حائض أي: وطء حائض عجزت عن الغسل.

وقوله –رحمه الله-: ((وهو)، أي: التيمم (بدل طهارة الماء)) بيان أن التيمم يأخذ حكم الماء حيث جعل التيمم بدلًا عن طهارة الماء عند عدمه، وهذا يدل عليه قول الله –عز وجل-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾[النساء: 43] فجعل التيمم بدل، ويدل له حديث جابر المتقدم، وكذلك حديث أبي ذر ـ رضي الله تعالى عنه ـ حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: «الصعيدُ الطيِّبُ وُضوءُ المسلمِ» أخرجه أبو داود (332)، والترمذي (124)، والنسائي (322)، وأحمد (21408) أي: يقوم مقام وضوء، وهو ما يتوضأ به الماء يقوم مقام الماء وضوء بفتح الواو أي ما يتوضأ به، والذي يتوضأ به الماء علم أن الصعيد الطيب يقوم مقام الماء على وجه البدل، «وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليتق الله وليغسل بشرته» أخرجه أبو داود (332)، والترمذي (124)، والنسائي (322) أو في رواية «وليمسه بشرته» أخرجه البزار (10068).

وقوله –رحمه الله-: (عند عدم الماء) أي: حال فقده وكذلك حال تعذر استعماله.

فقوله: (عند العجز عنه) يشمل شرعًا عند عدم وجوده، وعند العجز وعدم القدرة على استعماله وسيأتي تفصيل هذا وبيانه في كلام المؤلف –رحمه الله-وظاهر كلام المؤلف فيما ذكر من الأمثلة أنه يشرع في جميع ما تشرع له الطهارة بالماء سواء كانت على وجه الوجوب أو على وجه الاستحباب، على وجه الوجوب كالصلاة والطواف ومس المصحف، وعلى وجه الاستحباب كقراءة القرآن، فيقوم مقامه في كل ما تشرع له الطهارة، واستثنى جماعة من أهل العلم ما شرع من الطهارة لأجل النظافة، فقالوا: لا يشرع التيمم في هذه الحال ؛ لأنه لا يتحقق به المقصود، ومثلوا له بالاغتسال للإحرام، فإن الاغتسال للإحرام يقصد به التنظف والتطيب وإزالة الأدران والأوساخ التي قد تكون قائمة بالبدن.

ثم قال –رحمه الله-بعد ما تقدم قال: (ويشترط له شرطان:) هذه شروط مشروعية التيمم.

قال: (أحدهما: دخول الوقت) أي: أحد ما يشترط لجواز التيمم دخول الوقت، فلا يجوز التيمم قبل دخول الوقت كشاف القناع عن متن الإقناع (1/168)، والشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (1/233).

وقوله –رحمه الله-: (دخول الوقت) في قول الشارح –رحمه الله-قد ذكره الماتن الحجاوي بقوله: ((إذا دخل وقت فريضة)، أو منذورة بوقت معين، أو عيد، أو وجد كسوف، أو اجتمع الناس لاستسقاء، أو غسل الميت، أو يمم لعذر، أو ذكر فائتة وأراد فعلها، (أو أبيحت نافلة)، بألا يكون وقت نهي عن فعلها).

كل هذه المسائل مما يتعلق بوقت الصلاة، واقتصر الماتن –رحمه الله-على ذكر مسألتين:

الأولى: إذا دخل وقت فريضة.

الثانية: أو أبيحت نافلة مطالب أولي النهى (1/191).

وأضاف الشارح ما يتعلق بوقت الفريضة من المسائل، والدليل على ما ذكر من اشتراط دخول وقت الفريضة لجواز التيمم أن الله ـ تعالى ـ إنما فرض الطهارة للقيام للصلاة، قال ـ تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾[المائدة: 6] فجعل الطهارة عمومًا ومنها التيمم إذا قام إلى الصلاة.

وإنما خص التيمم بوقت الفريضة ونحوها ؛ لأنه طهارة بدل، وهي في حال العجز، وحال العجز قد لا تتحقق إلا عند إرادة فعل الصلاة، فلو عجز قبل دخول وقت الفريضة لا يسوغ له التيمم في هذه الحال ؛ لأن العجز لم يتحقق بعد إذ إنه يمكن أن يجد الماء بعد دخول الوقت، فقالوا: إذا دخل وقت الفريضة جاز التيمم، ومثله منذورة بوقت معين أو عيد أو وجد كسوف كل هذه تجتمع في أن لها وقتًا فلا يحل التيمم قبل حضور الوقت كشاف القناع عن متن الإقناع (1/168)، والشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة (1/233)

والقول الثاني في المسألة: أن التيمم يجوز قبل وقت الفريضة مجموع الفتاوى (21/436) ، وما احتجوا به من أن العجز لا يتحقق إلا عند حضور الصلاة، وبه يتبين العجز من عدمه.

فيقال له: العبرة بالحال عند إرادة الطهارة، فإذا دخل الوقت ودامت الحال التي كان عليها وقت تيممه من عجزه عن الماء، بقي على طهارته.

وأما إذا وجد الماء فإنه عند ذلك يزول الوصف المبيح للتيمم، فيجب عليه أن يتوضأ، وأما استدلالهم بالآية فيقال الوضوء يجوز قبل دخول الوقت فكذلك التيمم، فالآية لم تدل على عدم جواز الوضوء قبل القيام للصلاة وحضور وقتها، إنما دلت على أنه إذا أراد أن يصلي فليتطهر ومثله استدلالاهم أيضًا بحديث جابر الذي في الصحيحين حيث قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «جُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521) فإنه لا يدل على ما ذكروا من أنه لا يتطهر قبل حضور وقت الصلاة ؛ حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521) فقد استدلوا بهذا على أنه لا يتطهر بالتيمم إلا إذا جاء وقت الصلاة، وهذه من المسائل التي استدل فيها الفريقان بدليل واحد على قولين مختلفين، فاستدل بهذا الحنابلة وغيرهم على أنه لا يتيمم قبل دخول وقت الصلاة، واستدل به الحنفية تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي (1/42)، والفتاوى الهندية (1/30)وابن تيمية مجموع الفتاوى (21/436) من الحنابلة على أنه لا يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، بل يجوز قبله.

أما استدلال الجمهور فذكرته وهو أنه قال: "أيما رجل أدركته الصلاة" أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521) فجعل التيمم عند إدراك الصلاة.

وأما الحنفية، وابن تيمية في استدلالاهم على أنه يدل الحديث على جواز التيمم قبل دخول الوقت، فقالوا: إن النبي –صلى الله عليه وسلم-جعل التيمم طهورًا، والطهور هو المطهر لغيره وهو المثبت للطهارة، فوجب القول بارتفاع الطهارة إلى وجود الماء سواء كان ذلك قبل الوقت أو قبل حضور الصلاة أو بعدها ؛ حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: «جُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521).

فكلا الفريقين استدل بحديث واحد على مسألة واحدة، والأقرب ـ والله تعالى أعلم ـ أنه لا يشترط هذا الشرط لصحة التيمم ؛ لعموم قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «جُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» وأما قوله: «أَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» بيان أنه لا يحتاج إلى أن يتكلف ولا حرج عليه، لأن عنده الطهور، وإذا كان طهورًا في وقت الصلاة فهو طهور في غير وقتها، ونفي ذلك يحتاج إلى دليل ولا دليل.

وأما قوله-رحمه الله-: (أو أبيحت نافلة) هذا بخصوص النافلة، والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن هذا الشرط غير معتبر لا في الفرض ولا في النافلة، ولا في جميع ما ذكر، لعموم قوله –صلى الله عليه وسلم-: «جُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521).

وأما الشرط الثاني قال: (الشرط الثاني: تعذر الماء، وهو ما أشار إليه بقوله: (وعدم الماء)) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/193)، والمغني لابن قدامة (1/189، 192) العدم هو نفي للوجود، فعدم الشيء نفي لوجوده.

وقوله: (حضرًا كان أو سفرًا، قصيرًا كان أو طويلًا) يعني في كل الأحوال، فليس هذا مما يتعلق بالسفر، فعدم الماء مبيح للتيمم في كل حالاته، في الحضر وفي السفر، في السفر الطويل، وكذلك في السفر القصير، وهذا إشارة إلى أن السفر القصير يختلف عن السفر الطويل، وهو كذلك على المذهب هناك فروقات بين السفر الطويل والسفر القصير في بعض الأحكام، لكن ليس منها التيمم، فالتيمم يجوز في السفر الطويل وفي السفر القصير إذا عدم الماء وكذلك في الحضر المبدع في شرح المقنع (1/178)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/162)

قال –رحمه الله-: (مباحًا كان أو غيره) يعني سواء كان السفر مباحًا أو غير مباح سفر معصية ففي جميع هذه الصورة يجوز التيمم ؛ لأنها رخصة تتعلق بالصلاة ذاتها لا علاقة لها بالسفر، فهو ليس من رخص السفر حتى يفرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة، بل هو رخصة تتعلق بالصلاة ولأن النبي –صلى الله عليه وسلم-جعله مكان الماء حال فقده على وجه العموم في قوله –صلى الله عليه وسلم-: «جُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» سفرًا وحضرًا في معصية أو في طاعة أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521)

وقوله –رحمه الله-: (فمن خرج لحرث أو احتطاب ونحوهما) وهذا سفر قريب قصير، (ولايمكنه حمل الماء معه) يعني يشق عليه، أو لا يقدر على حمل الماء معه للطهارة، (ولا الرجوع للوضوء) لانقطاع مصالحه قال: (إلا بتفويت حاجته) وهي ما خرج إليه من احتطاب أو حرث أو نحوهما، (فله التيمم) أي يباح له التيمم (ولا إعادة عليه) يعني ولا يلزم الإعادة إذا رجع إلى بلده المبدع في شرح المقنع (1/179)                                              قال –رحمه الله-: ((أو زاد) الماء (على ثمنه)، أي: ثمن مثله) بأن لم يبذل إلا بزائد كثير، بعد أن ذكر عدم الماء الحقيقي، وهو فقده ونفي وجوده انتقل إلى ذكر جملة من الأحوال التي هي في حكم العدم، إذ إن العدم نوعان: عدم حقيقي، وعدم حكمي، فما ذكره ابتداء هو العدم الحقيقي ثم ذكر جملة من المسائل التي هي من صور العدم الحكمي.

قال: ((أو زاد) الماء (على ثمنه)) والمقصود بثمنه (أي ثمن مثله في مكانه) بأن لم يبذل إلا بزائد كثيرًا عادة، ففي هذه الحال لا يلزمه شرائه، ولو كان قادرًا على الشراء، واختلفوا في تقدير الكثير هل المقصود بالكثير الثلث أو دون الثلث؟

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه ليس ثمة تقدير يسار إليه بالنسبة للكثرة والقلة إلا ما كان في العرف معدودا كثيرا ولا يصلح تقدير بالثلث للاحتجاج بقول النبي-صلى الله عليه وسلم- الثلث والثلث كثير، فإن هذا قد ورد في قضية مختلفة والعرف يختلف في حد الكثرة والقلة من مسألة إلى مسألة، فلا يصلح أن يقال الثلث هو الكثير في كل موارد الكثرة وفي كل المسائل.

قال –رحمه الله-: ((أو) بـ (ثمن يعجزه)) أي يجد الماء ؛ لكنه بثمن لا يقدر عليه، ولو لم يكن كثيرًا، فهذا من صور العدم الحكمي الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد ص (57).قال: (أو يحتاج له) بمعنى أنه لا يعجزه لكن تعلقت حاجته بهذا المال إما في مأكل أو مشرب أو مسكن أو ما إلى ذلك من الحوائج (أو لمن نفقته عليه) يعني تعلقت حاجة من ينفق عليهم بهذا المال الذي في يده فإنه لا يجب في هذه الحال ((أو خاف باستعماله) أي استعمال الماء ضررًا) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/193)، والمغني لابن قدامة (1/189، 192) هذا أيضًا من صور العجز الحكمي، فهو قادر على استعمال الماء أو على تحصيله لكنه يخشى باستعماله ضررًا، والضرر هنا يشمل ضرر البدن وغيره، فإذا خاف أن يتضرر باستعمال الماء ففي هذه الحال يجوز له التيمم.

ومن أمثلة ذلك أن يخشى ضررًا باستعمال الماء في بدنه، بمرض، أو زيادة مرض، أو تأخر برأ إذا كان الضرر مرضًا فيشمل ما إذا خاف زيادة المرض، ويشمل ما إذا كان يخاف تأخر البرء ويشمل ما إذا كان يخشى الزيادة فالزيادة والمشقة وتأخر البرء، بل وحدوث المرض، كل ذلك مما يبيح التيمم المبدع في شرح المقنع (1/ 208)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 265)

ويشهد لهذا حديث عمرو لما صلى بأصحابه وهو جنب خشية الهلاك لو اغتسل، وأقره النبي –صلى الله عليه وسلم-على ما فعل كما في السنن أخرجه داود (334)، وأحمد (17812)، والدارقطني (681)، والبيهقي (1048) وسيأتي ذكره.

قال –رحمه الله-: ((أو) ضرر (رفيقه، أو) ضرر (حرمته)، أي: زوجته) يعني ضرر من يتصل به والرفيق هنا المقصود به في السفر وكذلك في الإقامة، لكن في الغالب تطلق الرفقة في السفر  ومثله في الإقامة لو كان له مصاحب في الإقامة أو خشي لو استعمل الماء أن يتضرر رفيقه بالاستعمال، فإن له أن يصير للتيمم الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد (57) ومثله قال: ((حرمته)، أي: زوجته) وهذا من التفسير بالمثال، وإلا فالحرمة تشمل كل من له حرمة من النساء، فالحرمة الزوجة ونحوها.

وقوله: (أو امرأة من أقاربه) يشمل كل قرباته من أم وأخت وبنت ونحو ذلك.

قال: ((أو) ضرر (ماله بعطش، أو مرض، أو هلاك)، فإن خاف ضرر ماله بعطش كما لو كان له دواب يخشى هلاكها بذهاب الماء أو يخشى مرضها باستعمال الماء أو ما إلى ذلك، فكل هذه الصور مما يبيح المصير إلى التيمم ؛ لأنها في حكم العجز الحكمي، ولهذا قال: (شرع التيمم) الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد (57) ، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق