الطهارة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 93

التاريخ : 2025-10-19 14:29:26


يقول المصنف –رحمه الله-: (شرع التيمم)، أي: أذن الشرع به ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾[الشورى: 21] فيشمل كل ما جاءت به الشريعة من واجب أو مستحب. فقوله: (شرع) أي أذنت به الشريعة إما على وجه الوجوب فيما يجب له الطهارة، أو على وجه الاستحباب فيما تستحب له الطهارة الشرح الممتع (1/381).

ولهذا قال المصنف –رحمه الله- في بيان ذلك: (وجب لما يجب الوضوء أو الغسل له، وسن لما يسن له ذلك) المرجع السابق، ولهذا قول القائل: يشرع كذا. أي أن الشريعة جاءت به دون تعيين لمرتبته في الشريعة من وجوب أو استحباب، فلو قال: هذا العمل مشروع يعني جاءت به الشريعة، وقد يشمل المباح فما أباحته الشريعة فهو مشروع ؛ لكن يختلف المباح عن الواجب والمستحب، في أنه لا يقال في المباح مشروع إلا ما نص على إباحته، كقوله ـ تعالى ـ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾[البقرة: 187] فهذا جاء بها الشرع والإذن، وكقوله ـ تعالى ـ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾[المائدة: 96] لكن ما عدا هذا مما الأصل فيه الإباحة لا يقول أنه مشروع بعينه، بمعنى لا يوصف بأنه مشروع ؛ لعدم النص على إباحته.

إذًا المشروع يطلق على الواجب وعلى المستحب، وعلى المباح الذي جاء في الشريعة بالنص على حله وإباحته.

قال –رحمه الله-: (وهو جواب (إذا) من قوله: (إذا دخل وقت فريضة)).

هذا بيان أن قوله: (شرع التيمم) جواب الشرط المتقدم، وإنما نص عليه المصنف –رحمه الله-لبعد الشرط وفعله عن الجواب، فإن قوله –رحمه الله-: (شرع) تأخر كثيرًا عن الشرط وفعله، فنبه إليه بقوله –رحمه الله-: (وهو جواب (إذا) من قوله: (إذا دخل وقت فريضة)) ثم انتقل المؤلف –رحمه الله-إلى ما يلزم لتحصيل الماء.

فقال –رحمه الله-: (ويلزم شراء ماء وحبل، ودلو بثمن مثل، أو زائد يسيرًا، فاضل عن حاجته، واستعارة الحبل والدلو، وقبول الماء قرضًا وهبة، وقبول ثمنه قرضًا إذا كان له وفاء، ويجب بذله لعطشان، ولو نجسًا) حاشية الخلوتي (1/148)، ومطالب أولي النهي (1/195)

هذه المسائل كلها دائرة على بيان ما يتحقق به وجود الماء، ودليل هذه المسائل كلها ما هو معلوم من القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فقوله: (ويلزم شراء ماء وحبل، ودلو بثمن مثل)، لأن بهذا يتحقق ما أمر الله ـ تعالى ـ به من الغسل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾[المائدة: 6] فالغسل بالماء ويلزم تحصيل أسباب ذلك ومن ذلك ما ذكره في هذه الصور وهذه المسائل.

قال: (ويلزم شراء ماء وحبل ودلو بثمن مثل) أي: بما يباع به مثله في العادة (أو زائد يسيرًا) يعني بثمن زائد على ثمن المثل يسيرًا، فإن كان زائدًا كثيرًا فإنه لا يلزم الشراء في هذه الحال منتهى الإرادات (1/95).

وقوله: (فاضل عن حاجته) هذا قيد ثان في الثمن المغني (1/ 165)، وكشاف القناع (1/ 163).

فالقيد الأول: بأن يكون بثمن مثل أو زائد يسيرًا.

والقيد الثاني: أن يكون فاضلًا عن حاجته، ولذلك قال: (فاضل عن حاجته) فلو كان مما تتعلق به حاجته أو حاجة من يمونه على نحو ما تقدم، فإنه لا يجب عليه بذله المغني (1/ 165)، وكشاف القناع (1/ 163) ، فإن لم يجده بالثمن ووجده بالطلب والجلب، فينبغي أخذ أسباب ذلك.

ولهذا قال: (واستعارة الحبل والدلو) أي: يجب استعارة الحبل والدلو فيما إذا كان يحتاج إلى إخراج الماء من بئر ونحوها، فيجب تحصيل الأدوات التي يتمكن بها من تحصيل الماء، وهذا مشروط بألا يكون في ذلك منة، فإن كان في ذلك منة فإنه لا يجب.

قال: (وقبول الماء قرضًا وهبة) أي: ويلزم من وجبت عليه الطهارة قبول الماء إذا بذل له قرضًا بأن يرد بدله أو هبة بأن يأخذه بلا عوض مجانًا، لكن في هذه الصور يقيد ذلك بما إذا لم يكن عليه ضرر بمنة ونحوها المبدع في شرح المقنع (1/ 212)، والانصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/186).

قال: (وقبول ثمنه قرضًا) أي ويلزمه قبول ثمنه إذا كان يحتاج إلى شراء قرضًا، وفي هذه المسألة وهو قبول ثمنه قرضًا لم يشترط الفقهاء الحنابلة ألا يكون فيه منة ؛ لأنهم قالوا لا منة في القرض  إذ إن القرض أخذ مالًا يرد بدله فلا منة للمقرض ؛ لكونه يعتاض عما بذل بالبدل الفروع وتصحيح الفروع (1/280).

وعلى كل حال قد يرافق القرض منة، فإذا كان كذلك فإنه لا يلزمه الاقتراض ولا قبول ثمنه قرضًا.

قال: (إذا كان له وفاء) هذا قيد في قبول ثمنه قرضًا، وكذلك قبول الماء قرضًا، إذا كان يمكنه الوفاء الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/186)، وشرح منتهى الإرادات (1/92).

قال: (ويجب بذله لعطشان) إذا كان معه ماء، فإنه لا يلزمه أن يمنعه من عطشان ؛ لأجل طهارته أي لأجل أن يحفظه لطهارته فعلم من هذا أنه لا يجوز له بذله لغير العطشان إذا كان سيفضي لعدم الماء فهو أولى بالماء من غيره، لأنه لم يذكر في الوجوب وجوب البذل إلا لعطشان، وأما ما عدا العطشان فإنه لا يجب بذله له، وإذا كان يفضي إلى عدم قدرته على الماء فإنه لا يجوز بذل الماء في هذه الحال الفروع وتصحيح الفروع (1/276)، وشرح منتهى الإرادات (1/92).

فقوله: (يجب بذله لعطشان) المراد بذل الماء ؛ لأن من احتاج إلى الماء لإزالة العطش، فهو قد احتاج إليه للضرورة، فلا يجوز حبس الماء عنه لما فيه من إذهاب العطش الذي قد يفضي إلى الهلاك كشاف القناع عن متن الإقناع (1/163)، ومطالب أولي النهى (1/196).

وقوله: (ولو نجسًا) يعني ولو كان الماء فيه شيء من النجاسة، وذلك أن العطشان قد يشربه ضرورة لدفع الهلاك.

ثم قال –رحمه الله-: (ومن وجد ماء يكفي بعض طهره) الآن انتقل المؤلف –رحمه الله-إلى مسألة جديدة، وهي مسألة العجز الجزئي، المسائل التي تقدمت كان فيها البحث عن العجز الكلي عن الماء، فإنه ينتقل إلى التيمم على نحو ما تقدم من شروط.

أما إذا عجز عن الماء جزئيًا بمعنى لم يعجز عنه بالكلية، بل وجده ماء لبعض أعضاء طهارته الذي يلزمه هذا ما ذكره المؤلف في هذه المسألة.

فقال: ((ومن وجد ماء يكفي بعض طهره) من حدث أكبر أو أصغر؛ (تيمم بعد استعماله)) المغني لابن قدامة  (1/ 150)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 273) ، أي من وجد مالًا يحصل به تطهير بعض أعضائه، سواء كان ذلك في حدث أصغر أو حدث أكبر، فإن الواجب عليه أن يستعمل الماء، هذه المسألة فيما يتعلق بالعجز الجزئي، وأتى بها بعد الفراغ من أحكام العجز الكلي، فإذا وجد ماء يكفي بعض أعضاء طهارته سواء في حدث أكبر أو في حدث أصغر، فإن الواجب عليه أن يستعمل الماء الموجود فيما يستطيع من أعضاء الطهارة في الحدث الأكبر أو في الحدث الأصغر، حتى إذا انتهى الماء، فإنه يتحقق عند ذلك عدم وجوده، فيصدق عليه قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾[النساء: 43] فيصير إلى التيمم بعد ذلك، وظاهر كلام المؤلف –رحمه الله-أنه لا فرق في ذلك بين الحدث الأصغر والأكبر، فمثلًا لو كان عنده ماء قليل يكفي لغسل وجهه ويديه ومسح رأسه فإنه يفعل ذلك، وبه يكون قد فقد الماء فيتمم عن غسل القدمين هذا في الحدث الأصغر، وأما في الحدث الأكبر فيغسل ما شاء على نحو ما ذكر المؤلف مفهوم كلام المؤلف أنه يغسل في الحدث الأكبر ما شاء، ففي الحدث الأكبر يغسل ما شاء من بدنه ويتيمم عما بقي، فمثلاً يغسل شقه الأيمن أو يغسل أعلى جسده أو أسفل جسده، ثم يتيمم عن الباقي المغني لابن قدامة  (1/ 150)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 273)

والقول الثاني وهو الأقرب إلى الصواب: أنه في الحدث الأكبر يغسل مواضع الوضوء المسائل الفقهية من كتاب الروايتن والوجهين (1/ 93) بمعنى أنه يغسل الوجه واليدين ويمسح الرأس والقدمين، فإن فضل من الماء شيء بعد ذلك غسل به ما استطاع من جسده، لكن يقدم هذه الأعضاء ؛ لأن ذلك ما أمر به النبي –صلى الله عليه وسلم-في غسل الميت حيث قال: «ابْدَأْنَ بمَيَامِنِهَا ومَوَاضِعِ الوُضُوءِ منها» أخرجه البخاري (167)، ومسلم (939) ولأنه يشرع الوضوء لتخفيف الحدث، فعندما سئل النبي –صلى الله عليه وسلم-عن نوم الجنب أمر بالوضوء، وذلك تخفيفًا للجنابة علل الدارقطني (95).

والثالث: أنه من السنة في الغسل البداءة بمواضع الوضوء، فلا يسوى بقية أجزاء الجسم بأعضاء الطهارة الصغرى، بل يبدأ فيما إذا عجز عن الماء لكل بدنه في الحدث الأكبر يبدأ بمواضع الوضوء، ثم يغسل ما بقي بعد ذلك البيان في مذهب الشافعي (1/ 297).

قال –رحمه الله-: (ولو كان على بدنه نجاسة وهو محدث غسل النجاسة وتيمم للحدث بعد غسلها)، أي إذا كان عنده ماء قليل المغني لابن قدامة (1/201).

قال: (ولو كان على بدنه نجاسة وهو محدث غسل النجاسة، وتيمم للحدث بعد غسلها) أي: إذا كان على بدنه نجاسة في أي موضع من بدنه وهو محدث سواء كان حدث أصغر أو حدث أكبر غسل النجاسة أي بدأ بإزالة الخبث وتيمم للحدث بعد غسلها أي: بعد غسل النجاسة، وهذا لأن التخلي عن النجاسة آكد من رفع الحدث إذ إن النجاسة شيء عيني والحدث أمر معنوي، فإزالة الخبث مقدمة على رفع الحدث سواء كان الحدث أصغر أو كان الحدث أكبر، وذلك لكون إزالة الخبث آكد من رفع الحدث، فإزالة الخبث إزالة لأمر عيني، وأما رفع الحدث فهو إزالة لوصف معنوي الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/274)، والمغني  لابن قدامة (1/201)

والعيني إزالته آكد التعليل الثاني أن النص ورد بالتيمم في رفع الحدث، ولم يرد النص بالتيمم لإزالة الخبث، وإنما ذلك بالإلحاق، ولهذا قالوا: يستعمل الماء في إزالة الخبث ويتيمم لرفع الحدث، ولأن الله ـ تعالى ـ أمر بتطهير الأبدان، فقال ـ تعالى ـ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾[المدثر: 4-5]

ثم قال المصنف –رحمه الله-: (وكذلك لو كانت النجاسة في ثوبه) يعني وكذلك الحكم فيما إذا كانت النجاسة في ثوبه، فإنه يبدأ بإزالة الخبث، ثم إذا انقضى الماء تيمم لرفع الحدث، وهذا كله مبني على أن التيمم له مدخل في إزالة الأخباث الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/274)، والمغني  لابن قدامة (1/201).

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن التيمم لا مدخل له في إزالة الخبث وإزالة النجاسة لعدم الدليل، إذ إن الدليل إنما ورد في الطهارة من الحدث لا في الطهارة من الخبث.

ثم قال –رحمه الله-: ((ومن جرح)، وتضرر بغسل الجرح أو مسحه بالماء؛ (تيمم له)) هذه صورة من صور العجز عن استعمال الماء، وهي من صور العجز الجزئي هذه ثاني صورة يذكرها المؤلف –رحمه الله-من صور العجز الجزئي الشرح الكبير (2/186)، والمبدع في شرح المقنع (1/183).

الصورة الأولى من العجز الجزئي عجز حقيقي بعدم الماء، فإذا وجد ما يكفي بعض أعضاء طهارته عجزه عن الباقي عجز حقيقي، فالعجز حكمي وليس حقيقيًا لأن الماء موجود لكنه لا يتمكن من استعماله.

فقال –رحمه الله-: ((ومن جرح)، وتضرر بغسل الجرح أو مسحه بالماء؛ (تيمم له)) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/186)، والممتع في شرح المقنع (1/203) فألحق العجز الحكمي بالعجز الحقيقي في الحكم حيث أباح له التيمم، فمن كان فيه جرح وتضرر بغسله أو تضرر بمسحه فإنه يتيمم له. وأيضًا قال: (ولما يتضرر بغسله مما قرب منه) فيحلق به ما يتضرر بغسل ما قرب منه، فإذا عجز عن الغسل وهو إمرار الماء على العضو، وعن المسح وهو إمرار اليد المبتلة على العضو، فإنه في هذه الحال يسقط استعمال الماء غسلاً ومسحًا ويصير إلى التيمم، فيتمم له، ويدل له عموم الآية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾[النساء: 43].

وقوله: (وإذا كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه، لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب) الفروع وتصحيح الفروع (1/278)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/189) ، ما تقدم هو فيما إذا كان الجرح الذي يتضرر بغسله ومسحه في البدن في الحدث الأكبر، فإنه يتيمم له ولا يراعى في ذلك لا ترتيب ولا موالاة، وإما إذا كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه كأن يكون جرحه مثلا في ذراع يده اليسرى، فإنه في هذه الحال قال: (لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب)، فيرتب كما أمر الله –عز وجل-فيبدأ بغسل الوجه ثم يغسل اليدين إلى المرفقين فيبدأ باليمين، وفي اليسار يغسل ما أمكنه من يده اليسرى وما لا يمكنه غسله ولا مسحه من يده اليسرى يتيمم له ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه فيكون قد راعى في هذا الترتيب بين الأعضاء والموالاة، ولهذا قال: (فيتيمم له عند غسله لو كان صحيحًا) لو قدر أنه سليم لا مرض فيه، ومراعاة الترتيب بألا يفصل فصلا يؤثر في صحة الموالاة، (فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم) أي ويلزمه عند إعادة التيمم لكل وقت صلاة أن يعيد غسل الصحيح، فلا يكتفي بالغسل السابق إذا لم ينتقض الوضوء لأن طهارة التيمم مؤقتة بالوقت، فإذا انتهى الوقت وجب عليه التيمم، وإذا وجب عليه التيمم هل يقتصر في التيمم عن العضو الذي لا يمكن غسله أم يجب عليه إعادة غسل الصحيح والتيمم لما يعجز عن غسله؟

الجواب: أن المذهب يجب عليه إعادة التيمم ويلحقه وجوب إعادة غسل الصحيح هذا معنى قوله: (فيعيد غسل الصحيح عند كل تيمم). والصواب: أنه لا يلزمه إعادة التيمم ولا إعادة غسل الصحيح، لأن التيمم يقوم مقام الوضوء، كما سيأتي تقريره في مسألة هل التيمم مبيح أم رافع؟ فالمذهب بناء على أن التيمم مبيح جعلوا طهارته مقيدة بوقت الفروع وتصحيح الفروع (1/301)، ومطالب أولي النهى (1/191).

قال: ((ويجب) على من عدم الماء إذا دخل وقت الصلاة، (طلب الماء في رحله))، هذا بيان لما يتحقق به العدم الحقيقي للماء متى يتحقق العدم الحقيقي للماء؟ هذه المسائل تتعلق بذلك الهداية على مذهب الإمام أحمد (64)، والمغني لابن قدامة (1/174).

فقال: ((ويجب) على من عدم الماء إذا دخل وقت الصلاة، (طلب الماء في رحله)) أي في موضعه الذي هو فيه سواء كان ذلك في حضر أو في سفر، سواء كان ذلك في سفر طويل أو في سفر قصير، وبين معنى الطلب في رحله قال: (بأن يفتش في رحله ما يمكن أن يكون فيه) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/198) فيبحث في مواطن وجود الماء المحتملة في مكان نزوله أو في مكان إقامته، أو في موضعه الذي هو فيه، (وفي قربه) يعني وفيما قرب منه، وضابط ذلك العرف والعادة، فإن رأى ما يشق معه في الماء قصده يعني إذا كان في حال الطلب وجد ما اشتبه عليه هل يجد فيه ماء أو لا؟ شك معه في وجود الماء فإنه لا يقول الأصل العدم، بل يجب عليه قصده، ولذلك قال: (فإن رأى ما يشك معه في الماء قصده)، وهذه من المسائل التي يعمل فيها الشك ويقدم على اليقين، فلو رأى شيئًا شك أهو ماء أو لا، فإنه يجب عليه أن يقصده ما لم يتيقن أنه ليس بماء، كأن يتيقن أنه سراب وذلك لتحقيق معنى العدم الذي ذكره الله ـ تعالى ـ في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾[النساء: 43] ويطلبه يقول: (قصده فاستبرأه) أي تيقن من عدم الماء فيه، (ويطلبه من رفيقه) أي ويلزمه أن يطلبه من رفيقه ما لم يكن في ذلك منة، فإن تيمم قبل طلبه لم يصح ما لم يتحقق عدمه الفروع وتصحيح الفروع (1/281).

إن لم يطلبه فلا يخلو من حالين: أن يتيقن عدم الماء، فيقول لا فائدة من طلب الماء ؛ لأنه لا وجود له، لكن إن لم يتحقق عدمه فإنه لا يصح تيممه قبل التحقق من العدم.

قال: ((و) يلزمه أيضا طلبه (بدلالة) ثقة إذا كان قريبًا عرفًا)، فإذا دله عليه ثقة وهو قريب عرفا الموضع الذي ذكر فيه الماء قريب في العرف، فإنه يلزمه أن يصير إليه لتحصيله الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/198)، وشرح منتهى الإرادات (1/94).

قال –رحمه الله-: (ولم يخف فوت وقت ولو المختار)، هذا قيد لوجوب طلبه بدلالة الثقة إذا كان قريبًا، فإن خاف فوت وقت ولو مختار في الصلوات التي لها وقت اختيار، وقت اضطرار كالعصر، (أو خوف فوت رفقة أو على نفسه) يخشى لو ذهب لطلب الماء ضررا على نفسه، فإنه في هذه الأحوال إذا وجد واحد من هذه الأمور لم يلزمه الطلب وإلا للزمه الطلب بدلالة ثقة موضع الماء إذا كان قريبًا شرح منتهى الإرادات (1/91)

ثم قال: (ولا يتيمم لخوف فوت جنازة) ذكر هذه المسائل التي لا يباح معها التيمم، وذكر إباحة التيمم في أحوال، والآن يذكر الأحوال التي لا يجوز فيها التيمم لخوف فوات جنازة هذه أول المسائل.

قال: (ولا يتمم لخوف فوت جنازة) هذه أولى المسائل التي بين المصنف –رحمه الله-أنه لا يباح التيمم لها وهي في هذه الصورة قد يقال إنها من العجز الحكمي ؛ لأن فوت الصلاة على الجنازة يفوته فضيلة لا يمكنه إدراكها وهي فيما إذا ذلك في الصلاة الأولى على الجنازة، لأنها فرض كفاية وهذه تحصل بمن يصلي أولا وهي فضيلة، لكن هذا لا يسوغ له أن يتمم للصلاة على الجنازة، فلو حضر الجنازة وليس عنده ماء، ولو اشتغل بطلب الماء فإنه لا يتيمم حتى لو لم يشتغل بمعنى أنه في مكان لا وجود للماء فيه، متحقق أنه لا ماء فيه فإنه لا يتيمم لأجل أن يصلي على الجنازة الإقناع في فقه الإمام أحمد (1/57)، وكشاف القناع (1/179)

والقول الثاني في المسألة: أنه إذا خاف فوت الجنازة فإنه يتيمم الفتاوى الكبرى (5/ 309) ، والقاعدة في ذلك أن كل من لم يجد الماء في حال يخشى فوات الصلاة بحيث لا يمكنه أن يؤديها على الوجه الذي شرعت، فإنه يشرع له التيمم وهذا مذهب الحنفية بدائع الصنائع (1/ 51)، والبحر الرائق (1/ 165) ، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية الفتاوى الكبرى (5/ 309) –رحمه الله-أن كل صلاة تفوت بحيث أنه إذا فاتت لا تقضى على صفتها، فإنه إذا لم يجد الماء يشرع له التيمم فيدخل في ذلك صلاة العيد، بل يدخل في ذلك صلاة الجمعة، فإنه لو أنه أحدث وقت صلاة الجمعة، ولو خرج ليتوضأ لفرغ الإمام من الركعة الثانية قبل أن يدرك لاشتغاله بالطهارة بالماء، فإنه يتيمم في هذه الحال، وهذا مذهب الحنفية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

قال: (ولا وقت فرض) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف(1/ 303) بمعنى أنه لا يتيمم خشية فوات وقت فرض، ولم يفرق بين أن يكون في حال العذر أو عدمه.

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه إن خشي خروج الوقت، إذا اشتغل بالطهارة بالماء فإنه يتيمم ويصلي ؛ لعموم قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فقَدْ أدْرَكَ العَصْرَ» أخرجه البخاري (579)، ومسلم (608) وهذا فيه حث على الإدراك والمبادرة إلى ذلك.

قال –رحمه الله-في بيان ما يستثنى مما يتعلق بخوف فوت وقت الفرض إذا اشتغل بالطهارة بالماء قال: (إلا إذا وصل مسافر إلى ماء وقد ضاق الوقت) أي لم يبقى من الوقت إلا قدر فعل الصلاة، ففي هذه الحال يتيمم ويصلي ؛ لأنه معذور هذه الحال الأولى الفروع وتصحيح الفروع (1/291).

الحالة الثانية: (إذا علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعده)، أي بعد خروج الوقت الفروع وتصحيح الفروع (1/291)، والمبدع في شرح المقنع (1/202).

الحالة الثالثة: (أو علمه قريبًا علم الماء قريبًا وخاف فوت الوقت إن قصده) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/305).

هذه ثلاث أحوال أجاز فيها الأصحاب الصلاة بالتيمم خوف خروج الوقت والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن كل ما يخاف معه فوت الوقت إذا اشتغل بالطهارة بالماء فإنه يبيح التيمم والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد نقف على قوله: (ومن باع الماء أو وهبه).

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق