الطهارة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 185

التاريخ : 2025-10-19 14:30:11


 الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

يقول المصنف –رحمه الله-: (ومن باع الماء، أو وهبه بعد دخول الوقت ولم يترك ما يتطهر به؛ حرم، ولم يصح العقد).

قوله: (حرم) يعود إلى البيع وإلى الهبة أيضًا، (ولم يصح العقد) أي: لم يصح عقد البيع، وأما الهبة فإنه إذا قبضها الموهوب له، فيكون قد خرجت عن ملكه، فلا سبيل إلى إرجاعه في هذه الحال، لكن فيما يتعلق بالبيع لم يصح العقد فيرجع البائع بالماء، والمشتري بالثمنشرح العمدة لابن تيمية (427)، والإقناع في فقه الإمام أحمد (1/54)..

(ثم إن تيمم وصلى لم يعد إن عجز عن رده) لأنه في الواقع مندرج فيما ذكر الله –عز وجل-من فقد الماء، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا[النساء: 43] فهو قد انطبق فيه الوصف، وإن كان فرط ببيعه وهبته شرح منتهى الإرادات (1/95)..

((فإن) كان قادرًا على الماء، لكن (نسي قدرته عليه)، أو جهله بموضع يمكن استعماله، (وتيمم) وصلى (أعاد)) أي: لزمه الإعادة وعلة ذلك قال: (لأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدًا)، فلا يصدق عليه قوله –جل وعلا-:  ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا[النساء: 43] لأنه وجد لكنه ناسٍ الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد (57)، وعمدة الطالب لنيل المآرب (1/56)..

وعنه رواية عن الإمام أحمد المبدع في شرح المقنع (1/187).: أنه يجزئ تيممه ؛ لأنه في الحقيقة معذور، وهو في هذه الحال غير واجد.

وعنه رواية الشرح الكبير على المقنع (2/202).: توقف في وجوب الإعادة وعدمها.

والأقرب ـ والله تعالى أعلم ـ إنه إن نسي قدرته على الماء، فإنه لا يعيد، وذلك أنه يتحقق فيه قول الله –عز وجل-: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا[النساء: 43] ويفارق هذا غيره من الواجبات التي لا تسقط بالنسيان، كما لو نسي النسيان مثلاً، فإنه لا يسقط عنه وجوبها بالنسيان أن التيمم جاء في الشرع الإذن به مع وجود الماء في حال خوف البرد، وفي حال المرض الذي يضره فيه استعمال الماء، فلم يكن وجود الماء موجب لاستعماله في كل أحوال وجوده، إنما في حال العذر لو كان الماء موجودًا جاز التيمم، وهو ما يعرف بالعجز الحكمي، ومثله النسيان فإنه نوع من العجز الحكمي الذي يؤذن فيه بالتيمم.

قال –رحمه الله-: (وأما من ضل عن رحله وبه الماء وقد طلبه) أي طلب رحله (أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها، وتيمم وصلى؛ فلا إعادة عليه) في هذه الصور، (لأنه حال تيممه لم يكن واجدًا للماء) الشرح الكبير على المقنع (2/203)، وكشاف القناع عن متن الإقناع (1/169). فانطبق فيه ما ذكره الله –عز وجل-من الرخصة باستعمال التيمم مقام الماء ففي الآيتين جميعا ذكر الله –عز وجل-عدم الوجود وهذا غير موجود، فإن لم تجدوا ماء وهذا لم يجد ماء.

  

قوله –رحمه الله-: (وإن نوى بتيممه أحداثاً متنوعة توجب وضوءًا أو غسلًا؛ أجزأه عن الجميع)كشف المخدرات (1/84). أي: أجزأه عن جميعها مرة واحدة، فلا يحتاج أن يخص كل حدث بتيمم، بل يجزئه تيمم واحد عن الجميع ؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-"إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا" صحيح البخاري (346). وكان قد أجنب فدل ذلك على أنه يكفي عن كل الأحادث التي يحتاج معها إلى طهارة إذا عجز عن الماء أو لم يجد ماء.

وقد حكى الإجماع على ذلك بعض أهل العلم المجموع للنووي (2/239).، بل قال بعضهم: لو تيمم عن الحدث الأصغر ناسيًا الحدث الأكبر أو العكس أجزئ، وحكى الاتفاق على ذلك بدائع الصنائع (1/ 52)، والمجموع (2/ 260).، وقالوا: إن التيمم في الحدث الأصغر والحدث الأكبر واحد، فتكفي فيه نية رفع الحدث لتشمل كل أنواع الأحداث الأصغر والأكبر.

قال: (وكذا لو نوى أحدها)، يعني نوى أحد الأحداث، (أو نوى بتيممه الحدثين)، الأصغر والأكبر (ولا يكفي أحدهما عن الآخر) وهذا أحد القولين في المسألة أنه لا يكفيه الحدث الأصغر عن الأكبر، ولا الأكبر عن الأصغر فيما لو نوى أحدهما دون الآخر المغني لابن قدامة (1/197)..

والقول الثاني تبيين الحقائق (1/ 40)، والمجموع (2/260).: أنه يكفي، وهذا هو الأقرب فيما يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ فإن عمار لما أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم-بما أخبر به من تمعقه بالتراب قال: "إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا"صحيح البخاري (346). وكان قد أجنب وقد يكون قد رافق الجنابة أيضا أحداث أخرى، فالذي يظهر أنه إذا تيمم عن الحدث الأصغر كفاه عن الأكبر، وإذا تيمم عن الأكبر كفاه عن الأصغر.

قال: ((أو) نوى بتيممه (نجاسة على بدنه تضره إزالتها، أو عدم ما يزيلها) به، (أو خاف بردًا) ولو حضرا مع عدم ما يسخن به الماء بعد تخفيفها ما أمكن وجوبًا)شرح منتهى الإرادات (1/96)، ومطالب أولي النهى (1/205)..

قوله –رحمه الله-: (أو نوى بتيممه نجاسة على بدنه) بيان أن التيمم له مدخل في إزالة النجاسة، فيما إذا عجز عن الماء أو لم يجده.

وقوله: (على بدنه) بيان أن التيمم إنما يكون في إزالة النجاسة إذا كانت على البدن ولم يجد ماء لتطهيرها، فإنه يتيمم واستدلوا لذلك بعموم حديث جابر «جَلعَتْ لِيَ الأرْضَ مَسْجدًا وَطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521). قالوا: والطهور هو ما يحصل به الطهارة، وهذا يشمل طهارة الأحداث وطهارة الأخباث، الطهارة من حدث والطهارة من خبث أي من النجس، وأيضًا استدلوا بما جاء في حديث أبي ذر «الصعيدُ الطيِّبُ طهورُ المسلمِ»أخرجه أبو داود (332 )، والترمذي (124 )، والنسائي (322 ). وسمي النبي –صلى الله عليه وسلم-الصعيد طهورًا أي يحصل به التطهير، فيشمل كل أوجه التطهير سواء الطهارة من الحدث أو الطهارة من الخبث.

والقول الثاني وهو مذهب الجمهور بدائع الصنائع (1/ 54)، وحلية العلماء (1/ 181)، ومغني المحتاج (1/ 87).: أن التيمم لا مدخل له في النجاسة التي على البدن، وأما حديث «جعلتْ لِيَ الأرْضَ مَسْجدًا وَطَهُورًا» وحديث «الصعيدُ الطيِّبُ طهورُ المسلمِ» فالمقصود به الطهارة للصلاة وهي تنصرف في الأصل إلى رفع الحدث، ويؤيد هذا رواية أبي هريرة حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الصعيدَ الطيِّبَ وَضوءُ المُسلِمِ، وإنْ لم يَجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنينَ، فإذا وجَدَه فلْيُمِسَّه بَشَرَه» أخرجه أبو داود (332)، والترمذي (124)، والنسائي (322). وكذلك حديث أبي ذر «إنَّ الصعيدَ الطيبَ طهورُ المسلمِ وإن لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجد الماءَ فلْيمسَّه بشرتَه» أخرجه الترمذي (124)، وأخرجه أبو داود (332)، والنسائي (322). وإنما يقصد بهذا فيما يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ رفع الحدث لا إزالة الخبث.

قال –رحمه الله-: فيما يتعلق بالتيمم للنجاسة قال: (أو نوى بتيممه نجاسة على بدنه تضره إزالتها) هذه الصورة الأولى وهذا عجز حكمي ؛ لأنه يمكن أن يزيلها ؛ لكنه يتضرر بإزالتها أو عدم ما يزيلها بها يعني من الماء أو غير ذلك مما تزال به النجاسة، لأن النجاسة تزول بكل مزيل على الراجح.

قال –رحمه الله-: (أو خاف برداً) شرح منتهى الإرادات (1/96)، ومطالب أولي النهى (1/205). وهذا أيضًا صورة من صور العجز الحكمي وهو يجد الماء لكنه يخاف بردًا باستعماله.

قال: (ولو حضرًا) يعني ولو كان في حال الحضر، وذلك أن من أهل العلم من أجاز ذلك في السفر دون الحضر، بل التيمم أصله اختلف فيه هل يشرع في الحضر أو لا؟

فذهب الحنابلة المبدع في شرح المقنع (1/ 206)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 279). وكذلك المالكية الذخيرة للقرافي (1/ 335). إلى أنه يشرع في الحضر والسفر، وأما الحنفية المبسوط للسرخسي (1/ 68)، البحر الرائق (1/ 147). والشافعية المجموع (2/ 350). فذهبوا إلى أن التيمم لا يشرع في الحضر إذا عدم الماء، لأنه مظنة وجود الماء في حال الحضر وعدم وجود الضرورة.

قال –رحمه الله-: (أو خاف بردًا ولو حضرًا مع عدم ما يسخن به الماء بعد تخفيفها) أي بعد تخفيف النجاسة (ما أمكن).

قال: (وجوبًا) يعني استعمال التيمم في ذلك وجوبًا يعود إلى التخفيف.

قال: (أجزأه التيمم لها؛ لعموم: «جَلعَتْ لِيَ الأرْضَ مَسْجدًا وَطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521).) وتقدم الجواب على هذا الاستدلال وأن العموم لا يشمل هذه الصورة، بل هو الطهور المتعلق بالصلاة في رفع الحدث لا في إزالة الخبث، وطرد قولهم أنه لا يختص تطهير النجاسة بالتيمم بالبدن، بل حتى بالثياب ؛ لأنها مباشرة للإنسان ومتصلة به.

قال –رحمه الله-: ((أو حبس في مصر) فلم يصل للماء، أو حبس عنه الماء (فتيمم))المغني لابن قدامة (1/172). هذا أيضًا من الأحوال المبيحة للتيمم.

فقوله: (وإن نوى بتيممه أحداثًا أو نجاسة أو حبس في مصر) فلم يصل الماء أو حبس عنه الماء (فتيمم) أجزأه).

(أو عدم الماء والتراب) أي: البدل والمبدل، عدم طهارة الماء وطهارة الصعيد، وذكر التراب  لأن التراب شرط فيما يتيمم به على المذهب الكافي في فقه الإمام أحمد (1/132)..

قال:( كمن حبس بمحل لا ماء به ولا تراب).

قال: (وكذا من به قروح) سيالة (لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب) أي يجزأه التيمم ((صلى) الفرض فقط على حسب حاله (ولم يعد))، ((صلى) الفرض فقط) شرح منتهى الإرادات (1/96). أي: أنه لا يزيد في هذه الحال على صلاة الفرض، وعللوا ذلك بقولهم: لأنهم أتى بما أمر به وهو الصلاة فخرج من عهدته (ولا يزيد على ما يجزئ في الصلاة، فلا يقرأ زائد عن فاتحة ولا يسبح غير مرة ويزيد في طمأنينة ركوع أو سجود وجلوس بين السجدتين، ولا على ما يجزئ في التشهدين) المبدع في شرح المقنع (1/189)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/211). ، كل هذا مبني على قاعدة في المذهب، وهي أن التيمم مبيح لا رافع، فيفعل به أدنى ما تبرأ به الذمة ويخرج به من العهدة.

والقول الثاني الفروع وتصحيح الفروع (1/293).: أن له أن يزيد ما شاء من تسبيح وقراءة وغير ذلك، فلا يقتصر على الفرض بل يأتي بما شاء من مستحبات ومسنونات، وذلك أن التيمم طهور، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيستبيح به كل ما يستبيح بالوضوء، وأما ما ذكروه فلا دليل عليه ولو كان كما ذكروا لبين ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-لأن الحاجة داعية إلى بيانه، كيف وقد سمى النبي –صلى الله عليه وسلم-التراب طهورًا وسمى الصعيد وضوءًا، واستعمل ذلك أصحابه ولم ينبههم أو يأمرهم –صلى الله عليه وسلم-بأن لا يزيدوا على قدر ما يجب في الصلاة في الأقوال والأفعال.

قال –رحمه الله-: (وتبطل صلاته) يعني من صلى بالتيمم (بحدث ونحوه فيها) أي: إذا أحدث في الصلاة شرح منتهى الإرادات (1/96)، ومطالب أولي النهى (1/207)..

وقوله: (ونحوه) يعني كل ما تبطل به الصلاة بغير تيمم.

قال: (ولا يؤم متطهرًا بأحدهما) الإقناع في فقه الإمام أحمد (1/54). أي: لا يؤم متطهرًا بأحد الطهارتين الماء والتراب، ولذلك الراجح أنه تصح إمامته، ولعل بعضهم استدل بأنه على حال مفضولة فيقدم من هو أعلى منه حال، لكن هذا غير متوجه ؛ لأن هذا فعل ما يجب عليه، فيشمله قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: " يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله" صحيح مسلم (673). على حسب حاله متوضأ كان أو متيممًا أو غير واجد لماء ولا وضوء.

ثم قال: (كمن حبس بمحل لا ماء ولا تراب وكذا من به قروح سيالة لا يستطيع معها لمس الماء بماء ولا تراب (صلى)) شرح منتهى الإرادات (1/96)، ومطالب أولي النهي (1/205)..

(صلى) هنا هل هي عائدة على كل ما تقدم أو على من عدم الماء والتراب فقط؟ يعني هذا التقييد صلى الفرض فقط على حسب حاله ولم يعد لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته ولم يزيد على إلى آخره هذا الحكم هو في حق من صلى عادم الماء والتراب وعند المنتهى قال: ولا يزيد عادم الماء والتراب على ما يجزئ منتهى الإرادات (1/102)..

إذًا هذا واضح في الكشاف كشاف القناع عن متن الإقناع (1/171). والمنتهى منتهى الإرادات (1/102). واضح، فتيمم أجزأه انتهى ما يتعلق بما سبق.

قوله –رحمه الله-: (أو عدم الماء أو التراب كمن حبس بمحل لا ماء به ولا تراب) وهذا عدم حقيقي (وكذا من به قروح سيالة لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب) وهذا عدم حكمي صلى أي لا تسقط عنه الصلاة لعجزه عن الطهارة بنوعيها، ثم بين ما الذي يباح له من الصلاة.

قال: (صلى الفرض فقط على حسب حاله) دون أن يصلي النوافل، فلا يتنفل من لا ماء عنده ولا تراب أو لا يستطيع استعمال الماء والتراب في الطهارة، فيقتصر على صلاة الفرائض فقط.

قال: (ولم يعد) أي: لا تلزمه الإعادة وفي رواية عن الإمام أحمد أنه يعيد الكافي في فقه الإمام أحمد (1/132)، والمغني لابن قدامة (1/184)..

والأقرب ـ والله تعالى أعلم ـ أنه لا يعيد ؛ لأنه أتى بما أمر به، وقد أمره الله ـ تعالى ـ بالصلاة فأتى بما يستطيع، والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن: 16] فخرج من عهدته  ثم بين ما يفعل في صلاته المفروضة.

قال: (ولا يزيد على ما يجزئ في الصلاة) يعني القدر الواجب في الصلاة في أركانها وواجباتها (فلا يقرأ زائد عن الفاتحة ولا يسبح غير مرة ولا يزيد في طمأنينة ركوع أو سجود أو جلوس بين السجدتين ولا على ما يجزئ في التشهدين وتبطل صلاته بحدث ونحوه فيها) شرح منتهى الإرادات (1/96)، ومطالب أولي النهى (1/207)..

(تبطل صلاته بحدث ونحوه) أي: من مبطلات الصلاة إذا حصل فيها ولا يقال: إنه لا طهارة عليه فلا يضره الحدث، بل إذا أحدث بطلت صلاته ؛ لأنه يجب عليه أن يمسك عن موجبات الوضوء موجبات الطهارة في أثناء صلاته ؛ لأنه يجب عليه أن يمسك عن نواقض الوضوء في صلاته.

قال: (ولا يؤم متطهرًا بأحدهما) أي: بأحد الطهارتين طهارة الماء أو طهارة التراب، والصواب أنه كغيره الإقناع في فقه الإمام أحمد (1/54)..

  

قول المصنف –رحمه الله-: (ويجب التيمم بتراب) فلا يجوز التيمم برمل وجص ونحت الحجارة ونحوها) الكافي في فقه الإمام أحمد (1/129).. ودليل ذلك ما في الصحيحين من حديث حذيفة «وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُورًا، إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ»صحيح مسلم (522). وفي حديث علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ في المسند قال: «وجُعِلَ التُّرابُ لي طَهورًا» أخرجه أحمد (763)، والبزار (656)، والبيهقي (1064). فنص على التراب فأفاد ذلك أن المجزئ من أجزاء الأرض في التيمم التراب، فلا يجزئ التيمم بغير التراب ولا يصح.

وهذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم وفيها شيء من الطول، إلا أن القول الثاني في المسألة: أن التيمم يجزئ بجميع أجزاء الأرض ؛ لعموم قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521). فقوله: ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ في هذا الحديث جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا يشمل كل أجزاء الأرض من غير تخصيص.

وأجابوا عن حديث علي وحذيفة ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: بأن ذكر الأرض في الحديث إنما هو من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام فلا يفيد التخصيص.

وهذا القول أقرب إلى الصواب، وأن الحكم لا يختص أجزاء من تراب الأرض، بل هو شامل لجميع أجزاء الأرض، فكل ما يندرج تحت اسم الأرض فإنه يجوز التيمم به ؛ لأن اسم الأرض يتناول جميع أجزائها وأنواعها، فينطلق على الطين وعلى الحجارة وعلى الرمل وغيرها.

وأما المعادن التي في الأرض، فهذه ليست من الأرض، بل هي مما يتولد من الأرض، ولذلك لا يشغب على هذا القول بالزرنيخ والمعادن الأخرى التي تتولد عن الأرض، فإنها ليست داخلة في أجزاء الأرض، بل هي متولدة منها فلا يصح التيمم بها، وأيضًا مما يدل على التيمم يشمل جميع الأرض ولا يختص البقاع التي فيها تراب عموم، قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521). فإنه يشمل من لم يجد ترابًا ويجد غيره من أجزاء الأرض، ويؤيده ما جاء في رواية الإمام أحمد "أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" أخرجه أحمد (7068)، والبيهقي (1099). يعني من الأرض تيممت وصليت والأرض التراب فيها ليس في جميع أجزائها، بل يخلو من أجزاء الأرض شيء كثير من التراب ويدل له أيضًا قول النبي –صلى الله عليه وسلم-"الصعيد طهور المسلم" أخرجه الترمذي (124)، وأبو داود (332)، والنسائي (322). وفي رواية "وضوء المسلم" أخرجه أبو داود (332)، والترمذي (124)، والنسائي (322)، وأحمد (21408).، فهذا يدل على أن كل ما تصعد على الأرض يصلح أن يتطهر به فيستعمل في التيمم ؛ لأن الصعيد مأخوذ من الصعود وهو فعيل بمعنى فاعل أي صاعد على الأرض، وهو ما تصعد عليها فيشمل كل ما تصعد على الأرض من أجزائها.

قال –رحمه الله-: ((ويجب التيمم بتراب طهور) فلا يجوز بتراب تيمم به) يعني تراب مستعمل في طهارة وعللوا قالوا: لزوال طهوريته باستعماله، وهذا هو الصحيح من المذهبالإقناع في فقه الإمام أحمد (1/55)، والفروع وتصحيح الفروع (1/296).، وقيل: يجوز التيمم به مرة ثانية الفروع وتصحيح الفروع (1/296)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/222).، كما لو لم يتيمم منه قبل، وهو وجه في المذهب، وهو الصحيح ودليله قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521)..

وجه الدلالة: أن صيغة طهور على وزن فعول، وفعول صيغة تفيد تكرار الفعل وكثرته، فدل ذلك على أن الأرض محل للتطهر مكررًا كثيرًا.

أجابوا عن هذا بقولهم: إن المقصود جنس الأرض لا التراب المستعمل ؛ لكن يقال: إنه لا دليل على أنه لا يستعمل في التيمم تراب مستعمل.

والأصل العموم في صحة التيمم بكل تراب سواء كان مستعملًا أو غير مستعمل.

قال: (وإن تيمم جماعة من موضع واحد جاز، كما لو توضؤوا من حوض يغترفون منه) المغني لابن قدامة (1/188)، وشرح منتهى الإرادات (1/97). هذا لنفي أن يكون المراد من الاستعمال أن تضرب يدك في مكان ضرب فيه غيرك يديه، إنما المقصود بالمستعمل هو ما علق باليدين والوجه.

قال –رحمه الله-: (ويعتبر أيضًا: أن يكون مباحًا) أي يشترط في صحة التيمم أن يكون التراب مباحًا (فلا يصح بتراب مغصوب) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/222). وذلك لكونه مستحقًا، وكما مضى في الوضوء يصح التيمم بهذا التراب واسمه في الغصب لا يؤثر على صحة الطهارة لأن الجهة منفكة.

قال: (وأن يكون غير محترق) أي لم تمسه النار (فلا يصح بما دق من خزف ونحوه)كشاف القناع عن متن الإقناع (1/172). لأنه عولج بالحرق.

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أن كل ما يصدق عليه أنه من أجزاء الأرض، ولم يغير بصناعة ونحوها، فإنه يجوز استعماله في التيمم.

قال: (وأن يكون (له غبار))الكافي في فقه الإمام أحمد (1/129)، والعدة في شرح العمدة ص (50).  أي ويشترط في التراب الذي يتمم به أن يكون له غبار يعلق باليدين، وذلك (لقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾)[المائدة: 6] فدل ذلك على أنه لا بد أن يعلق شيء مما تيمم به من التراب وهو غباره.

قالوا: (فلو تيمم على لبد أو ثوب أو بساط أو حصير أو حائط أو صخرة أو حيوان أو بردعة أو شجر أو شخب أو عدل شعير أو نحوه مما عليه غبار صح) المغني لابن قدامة (1/183). لأن المقصود بالتراب غباره فإذا وجد الغبار في غير التراب، وتيمم به حصل المقصود.

والقول الثانيالكافي في فقه الإمام أحمد (1/129)، والشرح الكبير على المقنع (2/215).: أنه لا يشترط في التراب المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليدين، واستدلوا لذلك بأن النبي –صلى الله عليه وسلم-لما علم عمار كيف يتيمم قال: "إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه"أخرجه البخاري (346).، وفي رواية "ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه"أخرجه البخاري (338)، ومسلم (368). ونفخ النبي –صلى الله عليه وسلم-فيهما هو إزالة لما علق باليدين من الغبار ونحوه، فدل ذلك على أنه لا يلزم أن يكون له غبار، إذ إن نفخ النبي –صلى الله عليه وسلم-التراب من اليدين أو نفخ ما علق في يديه من التراب، قد يزيل ما علق باليد من الغبار بالكلية، أو يخففه حتى يبقى منه ما يعم غباره الوجه والكفين، فدل ذلك على عدم اشتراط الغبار، لأنه لو كان واجبًا لما نفخ النبي –صلى الله عليه وسلم-هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أن عموم ما في الأحاديث من التيمم بجميع أجزاء الأرض يشمل جميع أجزائها مما له غبار ومما لا غبار له، فاشتراط الغبار يحتاج إلى دليل، وأما قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[المائدة: 6] من العلماء من قال: إن (من) هنا للتبعيض المغني لابن قدامة (1/183).. ومنهم من قال: إنها لابتداء الغاية الشرح الممتع على زاد المستقنع (1/394).، فلا يلزم أن تكون للتبعيض حتى يقال: إنه لا بد أن يعلق باليدين من أجزاء الوجه ما يمسح به الوجه واليدان.

ثم قال –رحمه الله-: (وإن اختلط التراب بذي غبار غيره كالنورة فكماء خالطه طاهر)منتهى الإرادات (1/104). يعني ينظر فيه إلى ما غلب، فهنا أحال الحكم على مخالطة الطهور للطاهر.

وقيل: يجوز ولو خلطه غيره مطلقًا الشرح الكبير (2/221)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/221)..

ثم بعد ذلك انتقل إلى فروض التيمم.

  

قوله: ((وفروضه) أي فروض التيمم) ومقصوده بالفروض الواجبات، وما لا يصح إلا به مسح وجهه.

قال: ((مسح وجهه)، سوى ما تحت شعر ولو خفيفًا، وداخل فم وأنف)المبدع في شرح المقنع (1/192)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/222). أي: لا يمسح ذلك بل يكتفي بمسح ما تحصل به المواجهة.

قوله: (ويكره)كشاف القناع عن متن الإقناع (1/147). أي مسح ما تحت الشعر وداخل الأنف والفم، فليس موضعا للمسح.

قال: ((و) مسح (يديه إلى كوعيه)) الشرح الكبير (1/257)، والمبدع في شرح المقنع (1/192). هذا الفرض الثاني: وهو مسح اليدين إلى الكوعين، وقد ذكر الله ذلك في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[المائدة: 6].

وقوله: (إلى كوعيه) يعني إلى مفصل الكف مع الساعد، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد الممتع في شرح المقنع (1/209)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/351).رحمه الله.

والمالكيةعيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي (94)، والجامع لمسائل المدونة (1/314). في قول من أن فرض مسح اليدين في تيمم يقتصر على الكفين فينتهي إلى الكوعين ولا يزيد.

وذهب الجمهور التاج والإكليل لمختصر خليل (1/522)، وروضة الطالبين للإمام النووي (1/112). : إلى أن المسح إلى المرفقين كالوضوء، فيمسح الذراع إلى المرفق.

واستدل المؤلف –رحمه الله-لما ذكر بقوله: "لقوله –صلى الله عليه وسلم-لعمار: "إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه"رواه البخاري (338)، ومسلم (368). وهذا فيه الاقتصار على هذا القدر من المسح، فلم يذكر مسح الذراعين ولا المسح إلى المرفقين، فبين القدر الواجب.

ولهذا اختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ القائلين بأنه يمسح إلى الذراعين في حكم المسح إلى المرفقين هل هو على الوجوب أو على الاستحباب.

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه لا يجب ولا يستحب وإنما يكفي في مسح اليدين في التيمم مسح اليد إلى مفصل الكف مع الساعد، وهو ما يعرف بالكوع.

قال –رحمه الله-: (وكذا الترتيب) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 287)، والمبدع في شرح المقنع (1/ 222). هذا ثالث ما ذكره من فروض التيمم الترتيب.

قال: (بين مسح الوجه واليدين) لا خلاف بين أهل العلم أن المشروع في التيمم البداءة في الوجه، إلا أنهم اختلفوا في وجوب ذلك، وعليه اختلفوا في وجوب الترتيب، فذهب الحنابلة المبدع في شرح المقنع (1/ 222). والشافعية المجموع للنووي (2/ 268). إلى وجوب الترتيب بناء على الآية في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فذكر الوجه أولا فيبدأ بما بدأ الله ـ تعالى ـ بذكره.

والقول الثاني المبسوط للسرخسي(1/ 121)، ومواهب الجليل (1/ 356)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 287).: إنه ليس في الآية دليل على وجوب الترتيب، إذ إن الله ـ تعالى ـ ذكر مسح الوجه واليدين بحرف العطف الذي يقتضي الجمع ولا يدل على ترتيب، ثم إنه جاء في بعض روايات حديث عمار ـ رضي الله تعالى عنه ـ "أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قدم مسح اليدين على الوجه"رواه البخاري (343)، ومسلم (368). ففي بعض الروايات قال: "ثم مسح بوجهه يعني بعد يديه"، والعطف يقتضي الترتيب إلا أن هذه الرواية غلطها كثير من أهل العلم، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله.

والذي يظهر أن الأقوى في عدم وجوب الترتيب أن لا دليل على الوجوب، وأن ذكر الوجه قبل اليدين في الآية، وكذلك في الأحاديث لا يدل على الترتيب، فالأمر في ذلك واسع والسنة والأحوط تقديم مسح الوجه على اليدين.

قال –رحمه الله-: ((والموالاة) الفروع وتصحيح الفروع (1/ 225)، وكشاف القناع (1/ 175). بينهما بألا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه لو كان مغسولًا فهما فرضان)، في الموالاة لم يذكر المؤلف دليلًا، إنما أشار إلى ما يشبه أن يكون قياسًا على الوضوء، ومعلوم أن الوضوء له من الأحكام ما ليست للتيمم. وقيل الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 287).: إن الموالاة تجب في الحدث الأصغر دون الأكبر.

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه يجب ألا يباعد بين الممسوحات ؛ لأن الله جمع بينها، وفي تفريقها تفريق بين ما جمع الله ـ تعالى ـ بينه، وخروج عن صفة العبادة المأمور بها في قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[المائدة: 6].

قال –رحمه الله-: ((في) التيمم عن (حدث أصغر) لا عن حدث أكبر)كشاف القناع عن متن الإقناع (1/175). ، يعني الموالاة لا تجب الحدث الأكبر ولا الترتيب.

(أو نجاسة ببدن) شرح منتهى الإرادات (1/98). فلا يجب ترتيب ولا موالاة ؛ لأن التيمم مبني على طهارة الماء يعني قياسًا على الوضوء.

قال: (وتشترط النية لما يتيمم له) نقف على هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق