الطهارة من الروض المربع

من وحتى
فقرات المساق مناقشات حول المساق إشعارات تعريف بالمساق البث المباشر الاختبار العام الشهادات

عداد المشاهدات : 184

التاريخ : 2025-10-19 14:32:30


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

يقول المصنف –رحمه الله-: (باب إزالة النجاسة) الحكمية) المبدع في شرح المقنع (1/203).

هذا باب إزالة النجاسة الحكمية أي: الأحكام المتعلقة بإزالة النجاسة الحكمية، والإزالة هي الإذهاب والنجاسة تقدم أنها نوعان:

الأول: نجاسة حكمية.

والثاني: نجاسة عينية.

فهذا الباب يختص النجاسة الحكمية، والتي تسمى أيضًا النجاسة الطارئة، وهي النجاسة التي يمكن تطهيرها وإزالتها أي: إذهاب وصف النجاسة عنها، أما النجاسة العينية فلا يمكن تطهيرها ولا إزالة الوصف عنها ولذلك لا تذكر في باب إزالة النجاسة.

قال –رحمه الله-في معنى إزالة النجاسة الحكمية قال: (أي: تطهير مواردها) أي: تطهير ما وردت عليه  ما نزلت عليه، ما أصابته، وتطهير النجاسة ينقسم إلى قسمين في الجملة:

القسم الأول: إذا كانت النجاسة على الأرض، وهو الذي بدأ به المصنف رحمه الله.

والقسم الثاني: إذا كانت النجاسة الحكمية على غير الأرض.

فالقسم الأول: قال فيه: (يجزئ في غسل النجاسات كلها)، أي: بجميع أصنافها واختلاف مصادرها (ولو من كلب أو خنزير (إذا كانت على الأرض) وما اتصل بها من الحيطان والأحواض والصخر (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة))الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/315). هذا هو القسم الأول من أقسام إزالة النجاسة وتطهير النجاسة فيما إذا كانت النجاسة على الأرض، وهو شامل لجميع أنواع النجاسات، فليس فيما ينزل بالأرض من النجاسات تفريق بين نجاسة الكلب والخنزير وبين غيرهما من النجاساتشرح الزركشي على مختصر الخرقي (1/145)، والمبدع في شرح المقنع (1/207)..

ولذلك قال: (ولو من الكلب أو خنزير) وذلك أن الكلب والخنزير لهما أحكام مختلفة فيما إذا كانت النجاسة على غير الأرض فيما يتعلق بتطهير ما أصاب أو ما كان فيهالمبدع في شرح المقنع (1/207)..

قال –رحمه الله-: (إذا كانت على الأرض) أي: إذا أصابت أرضًا وألحق بها ما التصق بها من الحيطان والأحواض والصخور، كل هذه يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، غسلة واحدة والمراد بالغسلة هنا أي: بالماء، فإنه على المذهب لا يجوز إزالة النجاسة بغير الماء الطهورالشرح الكبير (2/275)، والممتع في شرح المقنع (1/215)..

والرواية الثانية: يستعمل كل ما يزيل النجاسة من الطاهرات سواء كان ماء أو غير ماء، فالرواية الثانية عن أحمدالمبدع في شرح المقنع (1/204).: النجاسة تزال بكل مائع طاهر مزيل كالخل ونحوه، واختار هذا القول ابن عقيلالإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/276). وشيخ الإسلام المبدع في شرح المقنع (1/204)، ومجموع الفتاوى (20/ 522). وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة بدائع الصنائع (1/ 83)، والبحر الرائق (1/ 233)..

المقصود أن قوله: (غسلة) المقصود بها على المذهب من ماء (واحدة تذهب بعين النجاسة).

وقوله: (بعين النجاسة) بين ذلك بزوال اللون والرائحة قال: (ويذهب لونها وريحها)، فإذا ذهب اللون والريح فقد ذهبت العين، (فإن لم يذهبا) إن كان اللون أو الريح قد علق بما أصاب لون النجاسة أو ريحها علق بما أصابه من الأرض، فإنها (لم تطهر) حتى تذهب النجاسة لونًا ورائحة المبدع في شرح المقنع (1/207)..

قال: (ما لم يعجز) يعني إلا أن يعجز عن ذلك، فإذا عجز فعند ذلك يلتغي حكم النجاسة للعجز عن الإزالة.

قال –رحمه الله-: (وكذا) يعني مثل غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة (إذا غمرت بماء المطر والسيول) أي من غير فعل المكلف (لعدم اعتبار النية لإزالتها)المبدع (1/207). .

قال: (وإنما اكتفى بالمرة) لأنه قال: (غسلة واحدة) فدل على عدم التعدد في غسل النجاسة على الأرض وإنما اكتفى بمرة (دفعًا للحرج والمشقة)الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات (1/118). ابتدأ في ذلك بذكر التعليل، والأولى البداءة بذكر الدليل قبل التعليل.

فقوله –رحمه الله-: (إنما اكتفى بالمرة دفعًا للحرج والمشقة) هذا تعليل ثم ذكر الدليل ؛ (لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أريقُوا عَلَى بَوْله سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ»صحيح البخاري (220)، وصحيح مسلم (284). متفق عليه) ولم يذكر عددًا صلوات الله وسلامه عليه، فلا حاجة إلى التكرار بل يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، والدليل واضح حيث إن النبي –صلى الله عليه وسلم-لم يطلب تعددًا وتكرارًا في إراقة سجل الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد.

قال: (فإن كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة) المغني لابن قدامة (2/72). هذا ثاني أقسام النجاسة على الأرض، فالنجاسة على الأرض قسمان:

الأول: ذات أجزاء وهذا الذي سيبحثه الآن.

والثاني: والنجاسة ذات جزء واحد، وهي التي تقدم حكمها، فالنجاسة على الأرض إذا لم تكن ذات أجزاء متفرقة يعني كانت جزءًا واحدًا، فيكفي فيه ما تقدم غسلة واحدة تذهب عين النجاسة.

وإن كانت ذات أجزاء متفرقة أي: أجزاء متناثرة ومثل لها بقوله: (كالرمم، والدم الجامد الجاف، والروث، واختلطت بأجزاء الأرض؛ لم تطهر بالغسل) لا يكفي في إزالتها الغسل أي: صب الماء وإراقته على الموضع الذي أصابته (بل بإزالة أجزاء المكان، بحث يتيقن زوال أجزاء النجاسة) يعني الواجب في إزالة النجاسة في هذه الصورة إذا كانت ذات أجزاء أن يزيل أجزاء المكان، فإن كان ترابا قشعه وإن كان صخورًا أزالها حتى يتيقن زوال النجاسة، لأن صب الماء فيما إذا كانت النجاسة ذات أجزاء لا يذهب بها ولا بد من اليقين في زوال أجزاء النجاسة الشرح الكبير (2/296)، ومطالب أولي النهى (1/228)..

والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ أنه إذا تمكن من إزالتها بتتابع الصب حتى تزول الأجزاء، ولو لم يزل أجزاء المكان فإنه تزول النجاسة، وإنما ذكروا إزالة أجزاء المكان لأجل اليقين، فإذا حصل ذلك من غير إزالة أجزاء المكان فلا يلزم هذا هو القسم الأول من أقسام إزالة النجاسة وهو فيما إذا كانت النجاسة على الأرض.

أما القسم الثاني من أقسام إزالة النجاسة: فهو إذا ما كانت على غير الأرض، وهذه أيضًا تنقسم إلى قسمين؛ باعتبار نوع النجاسة نظير ما إذا كانت على الأرض، فهي تنقسم إلى قسمين باعتبار أجزاء النجاسة، فإذا كانت النجاسة على الأرض تنقسم إلى قسمين باعتبار الأجزاء ذات جزء وذات أجزاء   وإذا كانت على غير الأرض من ثياب أو بدن أو متاع أو غير ذلك، فهي تنقسم إلى قسمين أيضًا على المذهب المغني لابن قدامة (2/71)..

القسم الأول أشار إليه بقوله: ((و) يجزئ في نجاسة (على غيرها)، أي: غير أرض (سبع) غسلات (إحداها) ، أي: إحدى الغسلات - والأولى أولى - (بتراب) طهور (في نجاسة كلب وخنزير)) الفروع وتصحيح الفروع (1/314). هذا النوع الأول، وهو ما إذا كانت النجاسة نجاسة كلب وخنزير وألحقوا بالكلب والخنزير ما تولد منهما.

ولذلك قال: (وما تولد منهما، أو من أحدهما)الكافي في فقه الإمام أحمد (1/159)، والشرح الكبير (2/277). هذا هو القسم الأول فيما إذا كانت النجاسة على غير الأرض، نجاسة كلب وخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، فإزالة هذه النجاسة لا بد فيها من عدد ولا بد أن يكون من ضمن العدد غسلة بتراب.

ولذلك قال: ((سبع) غسلات، (إحداها) أي: إحدى الغسلات - والأولى أولى - (بتراب) طهور).

قال –رحمه الله-: (في نجاسة كلب وخنزير وما تولد منهما) أي من الكلب والخنزير (أو من أحدهما) واستدل لذلك.

قال: (لحديث: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبَ فِي إِنَاءٍ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، أولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ»أخرجه مسلم (279). رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا) وهذا دليل على بعض ما ذكر المؤلف –رحمه الله-وهو إذا ما كانت النجاسة من كلب ولم يذكر شيء فيما يتعلق بالخنزير استدلالًا، وذلك جرياً على قاعدة المذهب في أن الكلب والخنزير حكمهما واحد، ولهذا اكتفى بذكر حديث أبي هريرة في شأن الكلب، ولم يعقب على ذكر الخنزير لظهور ذلك من أن الكلب والخنزير حكمهما واحد، وهذا الذي ذكره المؤلف –رحمه الله-من الأحكام المتعلقة بإزالة النجاسة إذا كانت على غير الأرض تضمن جملة من المسائل:

المسألة الأولى: اشترط العدد حيث قال: ((سبع) غسلات) والدليل على ذلك واضح، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم-نص على العدد في قوله –صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبَ فِي إِنَاءٍ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا»صحيح البخاري (172)، وصحيح مسلم (279). وفي الرواية الثانية «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب» أخرجه البخاري (172)، ومسلم (279)..

وفي الرواية التي ذكرها المؤلف –رحمه الله-أولاهن بالتراب، ولهذا الاتفاق منعقد على أن نجاسة الكلب في غير الأرض يكون تطهيرها بما ذكر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ من العدد فيما إذا ولغ الكلب في الإناء.

وقوله: (إحداهن بالتراب) وهذا تخيير في موضع الغسل بالتراب بأنه على التخيير إن شاء بأولهن أو بآخرهن أو في أي جزء منهن.

ثم قال: (والأولى أولى) يعني كون غسلة التراب هي الأولى أولى، أي أن ذلك أفضل، ووجه التفضيل في كون غسلة التراب الأولى النص في الحديث حيث قال: أولاهن بالتراب، وأما من جهة المعنى فالأولى أولى ليأتي الماء بالإناء بعدها فينظفه، ونوقش: بأنه قد جاء في رواية أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: "آخراهن أو أولهن بالتراب"أخرجه أبو عوانة (542)، وأبو نعيم في الحلية (9/ 158) ، والبيهقي (1/ 241).، وفي رواية "إحداهن بالتراب"صحيح البخاري (172)، وصحيح مسلم (279).، وفي رواية عبد الله بن مغفل قال: "وعفروه الثامنة بالتراب"، فدل ذلك على التسوية، ولكن يجاب بأن رواية "أولاهن بالتراب" أخرجه مسلم (279). أقوى من رواية "إحداهن"، وأقوى من رواية "آخراهن أو أولهن" وأما رواية عبد الله بن مغفل، فقالوا: "وعفروه الثامنة بالتراب"صحيح مسلم (280). فالمقصود بالحديث أي إحدى الغسلات وليس المقصود الأخيرة ؛ لأن الغسلات في الأصل سبعة والتراب واحد منهن، وإنما كان ثامنة في حديث عبد الله بن مغفل ؛ لأن الغسل بالتراب مختلف عن جنس بقية الغسلات ؛ حيث إنهن بالماء نظير ما ذكر الله ـ تعالى ـ في سورة الكهف عن عدة أصحاب الكهف ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ[الكهف: 22] المقصود أن الأولى، والأفضل أن تكون الأولى بالتراب.

المسألة التالية: هي ما أشار إليه المؤلف –رحمه الله-الآية في سورة الكهف ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ[الكهف: 22] فالمقصود أن التمييز رابعة وسادسة وسابعة لكون المعدود مختلف عن بقية العدد لكون الكلب مختلف عن بقية المعدودات، فهو من غير جنس المعدود، وأهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل على العدد من غير جنس المفعول يجعل زائد، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ[المجادلة: 7] وإن كان من جنسه يجعل أحدهم ؛ لقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾[التوبة: 40] إن كان المعدود من غير جنس المعدود يجعل زائدًا، فقوله: "عفروه الثامنة" لأن التراب من غير جنس المعدود أما إذا كان من جنسه لا يزاد في العدد، مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ[التوبة: 40] المقصود أن ما ذكره المؤلف –رحمه الله-دل عليه الدليل من استحباب أن تكون الغسلة الأولى من التراب.

والمسألة التالية: مسألة تسوية الخنزير بالكلب في الحكم، وهذا هو المذهبالفروع وتصحيح الفروع(1/ 235)، والكافي لابن قدامة (1/ 89)، والإنصاف (1/ 310).. وقيل: نجاسة الكلب مختلفة عن نجاسة الخنزير المحرر (1/ 87)، الإنصاف (1/ 310).، فقد جاء النص عن نجاسة الكلب، والأصل في ذلك التوقيف، فلا تلحق نجاسة الخنزير بنجاسة الكلب من جهة اشتراط العدد في التطهير، وما ذكره المؤلف هو المذهب وهو مذهب الشافعية أيضا ومالك في رواية ووجهه قالوا: الخنزير شر من الكلب وأغلظ، وإذا ثبت هذا في الكلب فالخنزير من باب أولى.

ويناقش: بما تقدم من أن الأصل فيما يتعلق باشتراط الأعداد في التطهير التوقيف، فلا شك في نجاسة الخنزير ؛ لكنه كسائر النجاسات.

ولذلك الراجح في هذه المسألة التفريق بين نجاسة الكلب ونجاسة غيرهبدائع الصنائع (1/63)، وبداية المجتهد لابن رشد (1/29-30)، والمجموع للنووي (2/586).، وكلام المؤلف –رحمه الله-يشمل كل ما يكون من نجاسة الكلب، فجميع ما يكون من الكلب نجس من ولوغ، وروث، وبول، وعرق كما سيأتي في آخر الباب، إنما المقصود الآن هو بيان كيفية تطهير النجاسة، وليس بيان أعيان النجاسة، فهذا مما سيذكره المؤلف –رحمه الله-في نهاية الباب.

قوله –رحمه الله-: (ويعتبر ماء يوصل التراب إلى المحل) الفروع وتصحيح الفروع (1/315)، والمبدع في شرح المقنع (1/205). يعتبر أي: يشترط في التطهير ما يوصل التراب إلى المحل يعني الشيء الذي يوصل التراب إلى المحل، والشيء المقصود به هنا الماء، ولذلك في بعض النسخ (ويعتبر ماء يوصل التراب إلى المحل) أي المحل الذي يراد تطهيره (ويستوعبه به، إلا فيما يضر)؛ وهذا الشرط الثاني اشتراط الماء الذي يوصل التراب، واشتراط أن يستوعب التراب ذلك المحل، أي يعمه إلا فيما يضر (فيكفي مسماه) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/283). أي يكفي ما يصدق به التثريب، ولو كان دون الاستيعاب.

ثم قال –رحمه الله-: ((ويجزئ عن التراب: أشنان ونحوه)، كالصابون والنخالة.)الإنصاف (2/283)، والمبدع في شرح المقنع (1/205). أي: يقوم مقام التراب في الإجزاء في إزالة نجاسة الكلب والخنزير استعمال الأشنان والصابون والنخالة.

والعلة في ذلك قالوا: المقصود بالتراب هو المبالغة في التنظيف والتطهير، وهذا يحصل بهذه المواد، ولذلك تلحق بالتراب، فجعلوا استعمال غير التراب في تطهير ولوغ الكلب يقوم مقام التراب، كما أن الغسل بالتراب في التطهير من ولوغ الكلب معقول المعنى، وليس تعبديًا إذ إن لا قربى تحصل بغسل الأواني   وبالتالي ما دام أنه معقول المعنى، وليس تعبديًا فإنه يقوم مقام التراب ما يؤدي مؤداه، وأما ذكر التراب في الغسلات فإنما هو ليسر حصوله، ولما له من قوة التنظيف، فما كان مثله فيثبت له ما يثبت للتراب، وذهب الحنابلةالمقنع في فقه الإمام أحمد (36)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/283). في وجه والشافعيةنهاية المحتاج (1/ 236)، روضة الطالبين (1/ 32). في قول إلى أنه يتعين التراب في تطهير ولوغ الكلب في الإناء، وذلك أن النبي –صلى الله عليه وسلم-نص على التراب، فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم ؛ ولأن كون الأمر بالغسل سبعًا إحداها بالتراب غير معقول المعنى، فلا يسوغ القياس والذي يظهر ـ والله تعالى أعلم ـ هو ما ذكره المؤلف –رحمه الله-وأن غير التراب يقوم مقامه، لكن الأولى أن يكون بالتراب.

قال: (ويحرم استعمال مطعوم في إزالتها)منتهى الإرادات (1/111)، وكشاف القناع (5/173). أي: ما يؤكل سواء كان مطعومًا لبني آدم أو مطعومًا لغيرهم في إزالتها أي: في إزالة نجاسة الكلب والخنزير وغيرها من النجاسات ؛ لأن ذلك امتهان للنعمة وإضاعة للمال هذا هو القسم الأول من أقسام إزالة النجاسة إذا كانت على غير الأرض، وهي ما إذا كانت من كلب أو خنزير أو ما تولد منهما أو أحدهما.

أما القسم الثاني: ((و) يجزئ (في نجاسة غيرهما)، أي: غير الكلب والخنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما) قال فيه المؤلف: ويجزئ في نجاسة غيرهما، أي: غير الكلب والخنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما، ((سبع) غسلات، بماء طهور، ولو غير مباح)شرح منتهى الإرادات (1/102)، ومطالب أولي النهى (1/223)..

قال: (إن انقت، وإلا فحتى تنقي)، يعني هذا العدد مشترط إن حصل العدد به، فإن لم يحصل الإنقاء بهذا العدد فيزيد حتى يحصل النقاء.

قال: (مع حت وقرص لحاجة)غاية المنتهى (1/110)، وكشف المخدرات (1/87).، أي: مع استعمال ما يكون معينًا مع إزالة عين النجاسة من حت وقرص إذا دعت حاجة إلى ذلك، إلا فلا يلزم الحت والقرص.

قال –رحمه الله-: )وعصر مع إمكان، كل مرة)منتهى الإرادات (1/109)، وحاشية الخلوتي  على المنتهى (1/169). عصر أي: عصر المغسول إن أمكن كل مرة لأجل أن يزول ما علق من النجاسة بالمنقول أو بالشيء غير الأرض.

قال: في العصر قال: (خارج الماء)، أي يكون العصر خارج الماء لأجل ألا ينجسه. وقيل: يطهر الثوب وإن عصره داخل الماء ؛ لأنه وارد عليه كصبه عليه في غير الإناء.

قال –رحمه الله-: (فإن لم يمكن عصره) إما لثقله أو غير ذلك من الأسباب (فبدقه وتقليبه أو تثقيله كل غسلة حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء)كشاف القناع عن متن الإقناع (1/184). هذا لتحقيق العدد، يعني كيف يتأكد أنه غسله سبع مرات؟ إذا كان يتشرب الماء فبعصره مع إمكان كل مرة خارجة للماء، فإن لم يمكن عصره فبدقه وتقليبه أو تثقيله كل غسلة حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.

قال –رحمه الله-: (ولا يضر بقاء لون، أو ريح، أو هما عجزًا)الفروع وتصحيح الفروع (1/322)، والمبدع في شرح المقنع (1/208). يعني إذا عجز عن إزالة اللون أو الرائحة من المغسول، فإنه لا يضر كما تقدم في النجاسة على الأرض حيث قال: ويذهب لونها وريحها فإن لم يذهبا لم تطهر ما لم يعجز.

قال –رحمه الله-: (بلا تراب)؛ أي: لا يشترط التراب في غير نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، دليل ذلك أي دليل اشتراط العدد في غسل نجاسة غير الكلب والخنزير (لقول ابن عمر: «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الأنْجَاسِ سَبْعًا» أخرجه أبو داود (247)، وأحمد (5884).، فينصرف إلى أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاله في المبدع وغيرهالمغني لابن قدامة (1/40)، والمبدع في شرح المقنع (1/206).).

وهذا الحديث فيه نظر،  وهو مخالف لما دلت عليه الأدلة من عدم اشتراط العدد في غسل النجاسة في غير نجاسة الكلب، وذلك أن النبي –صلى الله عليه وسلم-لم يذكر العدد في تطهير النجاسات لا فيما إذا كانت على الأرض، ولا فيما إذا كانت على الثياب، وهذا الحديث المذكور عن ابن عمر ضعيف لا يثبت به حكم إرواء العليل (163)..

قال: (وما تنجس بغسلة يغسل عدد ما بقي بعده مع تراب في نحو نجاسة كلب إن لم يكن استعمل) منتهى الإرادات (1/111)..

يعني بذلك الماء الذي استعمل في الغسل النجاسة إن انفصل متغيرًا وأصاب شيئًا، فإن ما أصابه يغسل بعدد ما بقي من الغسلات، وهذا لا دليل عليه، إذ مقتضى أن الماء نجس انفصل فأصاب شيئًا، فإنه ينجسه وتطهيره يشترط فيه ما يشترط في تطهير غيره، ومن ذلك العدد على ما ذكروا ؛ لكن لعلهم لاحظوا المشقة في ذلك، وأنه يلزم منه الدور، وأن كل عين أصابها غسلة مما طهر به عين تنجست تحتاج سبع غسلات.

على كل حال قوله: (ما تنجس بغسله يغسل عدد ما بقي بعده مع تراب في نحو نجاسة كلب)شرح منتهى الإرادات (1/104).، أما إذا لم يكن من نجاسة الكلب فلا حاجة إلى التراب.

قال: (إن لم يكن استعمل) يعني إن لم يكن استعمل التراب في الغسلة الأولى، بعد أن ذكر المؤلف –رحمه الله-أقسام تطهير النجاسة باعتبار موضعها إذا كانت على الأرض وإذا لم تكن على الأرض، انتقل إلى ذكر ما لا تحصل به الطهارة من الأشياء.

فقال: ((ولا يطهر متنجس)ولو أرضًا) سواء كان أرضًا أو منقولًا (بشمس، ولا ريح، ولا دلك)الكافي في فقه الإمام أحمد (1/163)، والمبدع في شرح المقنع (1/208). ، ولو أسفل خف أو حذاء، أو ذيل امرأة، ولا صقيل بمسح، (ولا) يطهر متنجس بـ (استحالة)، فرماد النجاسة، وغبارها، وبخارها، ودود جرح، وصراصر كنف، وكلب وقع في ملاحة صار ملحًا، ونحو ذلك؛ نجس)الممتع في شرح المقنع (1/219)، والوجيز في الفقه (59). فكل هذه الأشياء لا تطهر لا الشمس ولا الريح ولا الدلك ولا الاستحالة، أي التحول من عين إلى عين.

وقيل: تطهر في الكلالمبدع في شرح المقنع (1/208).؛ لأن المطلوب زوال عين النجاسة، فإذا زالت بأي مزيل زال حكمها سواء كان المتنجس أرضًا أو غيره، وهذا رواية عن الإمام أحمد –رحمه الله-واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

الآن انتهى ما يتعلق بإزالة النجاسة الحكمية إذا كانت على الأرض وعلى غير الأرض، وهنا نقف ونقول النجاسة على الأرض تفارق النجاسة على غير الأرض من المنقولات في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أنه لا يشترط في إزالة النجاسة التي على الأرض عدد سواء كانت من نجاسة كلب أو غيره.

الثاني: أنه لا يشترط انفصال الغسالة عن موضع النجاسة بخلاف النجاسة على غير الأرض، فإنه يطلب ويعتبر انفصال الغسلة عن العين المطهرة التي يطلب تطهيرها.

الفرق الثالث: أن الغسالة التي على الأرض طاهرة إن لم تتغير بخلاف الغسالة التي تكون استعملت في إزالة النجاسة على غير الأرض فهي إما أن تكون نجسة إن تغيرت، وإما أن تكون طاهرة غير طهور إن لم تتغير هذا ما يتصل بهذين القسمين.

ثم قال: (غير الخمرة)الإنصاف للمرداوي (1/230)، والمغني لابن قدامة (9/173). هذا رابع ما ذكره المؤلف، أول ما ذكره المؤلف تقسيم النجاسة باعتبار محلها، ثم ذكر ما لا تزول النجاسة باستعماله الشمس والريح.

ثالث ما ذكر المؤلف طهارة الخمرة، هو لما ذكر تطهير النجاسات الآن يتكلم عن تطهير الخمرة، الخمرة على المذهب نجسة، فهل تطهر أو لا تطهر وكيف تطهر؟ يعني الآن قوله: (غير الخمرة) استثناء مما ذكره من المتنجس الآن قال: ((ولا) يطهر متنجس) وهذا يشمل كل ما أصابته نجاسة، المتنجس سواء كان أرضا أو غير أرض لا يطهر بشمس ولا ريح ولا دلك ولا استحالة ما معنى الاستحالة؟

تحول الشيء من عين إلى عين أخرى، الآن لما ذكر قال: (ولا يطهر متنجس باستحالة) أي: بتغير العين من عين إلى أخرى ذكر الخمر لماذا؟ لأن الخمر تتغير من الخمر إلى الخل، فهي تستحيل، وقد قرر المؤلف أن الاستحالة لا يحصل بها تطهير، فهل هذا مطرد في كل ما يستحيل ويتحول من عين إلى عين أو هو غير مطرد؟

المؤلف استثنى الخمرة فقال: (غير الخمرة) فالخمرة له تفصيل سيذكره المؤلف –رحمه الله-وذلك أن الخمرة إذا استحالت فاستحالتها وهو تحولها من خمر إلى خل له حالان؛

الحال الأولى قال: (إذا انقلبت بنفسها خلاً، أو بنقل لا لقصد تخليل)المغني لابن قدامة (1/53)، والمبدع في شرح المقنع (1/209). ، فهنا تطهر بالاستحالة هذه الصورة تطهر فيها الخمر بالاستحالة إذا انقلبت بنفسها خلاً، أو بنقل يعني حولها هو من مكان إلى مكان، لكن لم يكن قصده من تحويل الخمرة من مكان إلى مكان لم يكن قصده التخليل، فهنا تطهر.

قال –رحمه الله-: (ودنها مثلها) دنها يعني وعائها ؛ (لأن نجاستها لشدتها المسكرة) هذا تعليل الحكم (وقد زالت) أي: زال هذا الوصف الموجب للتنجيس فزال حكمه (كالماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه)الشرح الكبير (2/300)، وشرح منتهى الإرادات (1/105). أي: كما أن الماء الكثير إذا زال تغيره بالنجاسة بنفسه فإنه يحكم له بالطهارة، فكذلك الخمرة إذا زالت شدتها المسكرة من غير تخليل بأن انقلبت بنفسها خلا أو بنقل لا لقصد التخليل.

ثم قال: (والعلقة إذا صارت حيوانًا طاهرًا) العلقة دم، والدم على المذهب نجسالشرح الكبير (1/302). ، فإذا تحولت العلقة إلى مضغة صارت حيوانًا طاهرًا مع أنها استحالت، وهو قد قال: ((ولا) يطهر متنجس بـ (استحالة)).

إذًا استثنى من هذا الذي ذكره في الاستحالة، استثنى من قاعدة أنه لا يطهر متنجس باستحالة صورتين:

الصورة الأولى: الخمر إذا انقلبت خلا بنفسها أو بنقل لم يقصد به التخليل.

الصورة الثانية: العلقة إذا تحولت إلى مضغة، فإنها تكون حينئذ حيوانًا طاهرًا، فإن كانت الخمرة قد عولجت وتحولت خلا بالمعالجة فما حكمه؟

قال: (فإن خللت)الإنصاف للمرداوي (1/230)، والمغني لابن قدامة (9/173). يعني عولجت بما يصيرها خلا أو نقلت لقصد التخليل؛ يعني من مكان إلى مكان لأجل أن تتحول خلا لم تطهر يعني بقيت نجسة، والعلة في ذلك نهي النبي –صلى الله عليه وسلم-عن اتخاذ الخمر خلًا، ففي الصحيح من حديث أنس: "سئل –صلى الله عليه وسلم-عن الخمر تتخذ خلًا قال: لا"أخرجه مسلم (1983).. فدل ذلك على أنها إذا خللت لم تطهر، لأن القول بتطهيرها خلاف ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لا.

قال –رحمه الله-بعد ذلك: (والخل المباح)المبدع في شرح المقنع (1/210)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/303). وهذا استطراد (أن يصب على العنب أو العصير خل قبل غليانه) حتى لا يغلي.

ثم قال: (ويمنع غير خلال من إمساك الخمرة لتخلل)مطالب أولي النهى (1/230). وذلك لنهي النبي –صلى الله عليه وسلم-في قوله: (لا) عندما سئل عن الخمر تتخذ خلًا، وذلك لأنه يحرم تخليلها فلا تترتب على هذا التخليل المحرم الطهارة لأن ما بني على فاسد فهو فاسد، ويمكن أن يقال: إن الجهة منفكه، فالنهي عن التخليل لا يثبت حكم النجاسة، بل يقال: التخليل محرم، فإذا تحولت الخمرة إلى خل فهي طاهرة، وهذا القول أقرب إلى الصواب، وكل هذا مبني على أن الخمر نجسة، وهي مسألة فيها خلاف جماهير العلماء على أن الخمرة نجسةبدائع الصَّنائع (1/66)، والتاج والإكليل (1/97)، والمجموع للنووي (2/563)، والمغني (9/171).، وذهب داود وربيعة وجماعة من أهل العلم إلى عدم النجاسة المجموع للنووي (2/563)، والجامع لأحكام القرآن (6/ 288)، والسيل الجرار (1/ 35).، لعدم الدليل على التنجيس ؛ بل ظواهر الأدلة أن الخمرة ليست بنجسة.

ثم قال المؤلف –رحمه الله-: (أو تنجس دهن مائع) نقف على هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. 

  

اختبر تحصيلك

يجب تسجيل الدخول اولا لتتمكن من مشاهدة الاختبار التحصيلى

التعليقات


التعليق